كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

هل أورث الله (أرضنا) لبني إسرائيل؟!

بسم الله الرحمن الرحيم
 
يزعمُ كثيرٌ من اليهود أنَّ بينهم وبين الله عهداً وميثاقاً أبدياً! أعطاهم الله فيه بلادنا وأرضَنَا التي نعيشُ عليها!
 
فـ (لبنان) وسائر بلاد المنطقة من النيل إلى الفرات ملكٌ لهم بزعمهم! حيث يدَّعون أنَّ الله قد جعلهم ملوكاً على هذه الأرض ملكاً أبدياً لا يزول! منذ زمن إبراهيم عليه السلام وإلى الأبد!
فنحن المعتدون – بزعمهم- إن حَفِظنا أرضنا ودافَعنَا عنها! وهم أصحاب الأرض وإن اعتدوا علينا!
ثمَّ يجدون من كلِّ الأمَم من يقبل حجَّتهم ويصدِّقُ قولهم! نصرانياً تارةً، ومسلِماً أخرى.
 
فما هي حقيقة هذه الدعوى؟ وماذا تقول عنها الكتب السماوية؟
 
أولاً: نصوص التوراة
 
في التوراة نصوصٌ عديدة يَعِدُ الله فيها إبراهيم وبنيه من بعده بإعطائهم الأرض من النهر إلى النهر!
 
فمن ذلك قوله في سفر التكوين:
فِي ذلِكَ اليَوْمِ قَطَعَ الرَّبُّ مَعَ أَبْرَامَ مِيثَاقًا قَائِلًا: لِنَسْلِكَ أُعْطِي هذِهِ الأَرْضَ، مِنْ نَهْرِ مِصْرَ إِلَى النَّهْرِ الكَبِيرِ نَهْرِ الفُرَاتِ (التكوين15: 18).
وهذا أوضحُ نَصٍّ يُبيِّنُ حدود الأرض المعطاة في التوراة لنسل إبراهيم، وأنَّها تمتدُ من مصر إلى العراق!
 
ثمَّ يرد في التوراة نصٌّ آخر يقول الله فيه لإبراهيم:
فَلاَ يُدْعَى اسْمُكَ بَعْدُ أَبْرَامَ بَلْ يَكُونُ اسْمُكَ إِبْرَاهِيمَ، لأَنِّي أَجْعَلُكَ أَبًا لِجُمْهُورٍ مِنَ الأُمَمِ * وَأُقِيمُ عَهْدِي بَيْنِي وَبَيْنَكَ، وَبَيْنَ نَسْلِكَ مِنْ بَعْدِكَ فِي أَجْيَالِهِمْ، عَهْدًا أَبَدِيًّا، لأَكُونَ إِلهًا لَكَ وَلِنَسْلِكَ مِنْ بَعْدِكَ * وَأُعْطِي لَكَ وَلِنَسْلِكَ مِنْ بَعْدِكَ أَرْضَ غُرْبَتِكَ، كُلَّ أَرْضِ كَنْعَانَ مُلْكًا أَبَدِيًّا. وَأَكُونُ إِلهَهُمْ (التكوين17: 5-8).
 
وهذا النصُّ يُبيِّنُ أن الأرض المعطاة هي أرض كنعان (ومنها فلسطين ولبنان وأجزاء من سوريا والأردن بحسب الاصطلاح المعاصر)، وأنَّ الله ملكَّهم إياها ملكاً أبدياً!
 
وفي نَصٍّ ثالث:
وَقَالَ الرَّبُّ لأَبْرَامَ، بَعْدَ اعْتِزَالِ لُوطٍ عَنْهُ: «ارْفَعْ عَيْنَيْكَ وَانْظُرْ مِنَ المَوْضِعِ الَّذِي أَنْتَ فِيهِ شِمَالاً وَجَنُوبًا وَشَرْقًا وَغَرْبًا * لأَنَّ جَمِيعَ الأَرْضِ الَّتِي أَنْتَ تَرَى لَكَ أُعْطِيهَا وَلِنَسْلِكَ إِلَى الأَبَدِ * وَأَجْعَلُ نَسْلَكَ كَتُرَابِ الأَرْضِ، حَتَّى إِذَا اسْتَطَاعَ أَحَدٌ أَنْ يَعُدَّ تُرَابَ الأَرْضِ فَنَسْلُكَ أَيْضًا يُعَدُّ (التكوين 13: 14-16).
 
من ثمَّ تأتي نصوصٌ أخرى وتبيِّنُ أنَّ هذا الوعد قد انتقل من إبراهيم لابنه إسحاق، حيث ورد في التوراة عنه:
وَظَهَرَ لَهُ الرَّبُّ وَقَالَ: «لاَ تَنْزِلْ إِلَى مِصْرَ. اسْكُنْ فِي الأَرْضِ الَّتِي أَقُولُ لَكَ * تَغَرَّبْ فِي هذِهِ الأَرْضِ فَأَكُونَ مَعَكَ وَأُبَارِكَكَ، لأَنِّي لَكَ وَلِنَسْلِكَ أُعْطِي جَمِيعَ هذِهِ البِلاَدِ، وَأَفِي بِالقَسَمِ الَّذِي أَقْسَمْتُ لإِبْرَاهِيمَ أَبِيكَ * وَأُكَثِّرُ نَسْلَكَ كَنُجُومِ السَّمَاءِ، وَأُعْطِي نَسْلَكَ جَمِيعَ هذِهِ البِلاَدِ، وَتَتَبَارَكُ فِي نَسْلِكَ جَمِيعُ أُمَمِ الأَرْضِ (التكوين26: 2-4).
 
ويصرِّحُ نَصٌّ آخر بأنَّ إسماعيل وإن كان مباركاً لكنَّ إقامة العهد كانت مع إسحاق:
فَقَالَ اللهُ: «بَلْ سَارَةُ امْرَأَتُكَ تَلِدُ لَكَ ابْنًا وَتَدْعُو اسْمَهُ إِسْحَاقَ. وَأُقِيمُ عَهْدِي مَعَهُ عَهْدًا أَبَدِيًّا لِنَسْلِهِ مِنْ بَعْدِهِ * وَأَمَّا إِسْمَاعِيلُ فَقَدْ سَمِعْتُ لَكَ فِيهِ. هَا أَنَا أُبَارِكُهُ وَأُثْمِرُهُ وَأُكَثِّرُهُ كَثِيرًا جِدًّا. اِثْنَيْ عَشَرَ رَئِيسًا يَلِدُ، وَأَجْعَلُهُ أُمَّةً كَبِيرَةً * وَلكِنْ عَهْدِي أُقِيمُهُ مَعَ إِسْحَاقَ الَّذِي تَلِدُهُ لَكَ سَارَةُ فِي هذَا الوَقْتِ فِي السَّنَةِ الآتِيَةِ». (التكوين17: 19-21)
 
ومن بعده ينتقل الوعد من إسحاق إلى ابنه يعقوب، فيقول التوراة عنه:
وَرَأَى حُلْمًا، وَإِذَا سُلَّمٌ مَنْصُوبَةٌ عَلَى الأَرْضِ وَرَأْسُهَا يَمَسُّ السَّمَاءَ، وَهُوَذَا مَلاَئِكَةُ اللهِ صَاعِدَةٌ وَنَازِلَةٌ عَلَيْهَا * وَهُوَذَا الرَّبُّ وَاقِفٌ عَلَيْهَا، فَقَالَ: «أَنَا الرَّبُّ إِلهُ إِبْرَاهِيمَ أَبِيكَ وَإِلهُ إِسْحَاقَ. الأَرْضُ الَّتِي أَنْتَ مُضْطَجِعٌ عَلَيْهَا أُعْطِيهَا لَكَ وَلِنَسْلِكَ * وَيَكُونُ نَسْلُكَ كَتُرَابِ الأَرْضِ، وَتَمْتَدُّ غَرْبًا وَشَرْقًا وَشَمَالاً وَجَنُوبًا، وَيَتَبَارَكُ فِيكَ وَفِي نَسْلِكَ جَمِيعُ قَبَائِلِ الأَرْضِ (التكوين 28: 12-14).
 
يعتقد الكثيرُ من اليهود أنَّ هذه النصوص هي عبارةٌ عن (ميثاقٍ أبديٍّ) بين (بني إسرائيل) وبين الله تعالى، أعطاهم الله فيه (ملكيَّةً أبديةً) لأرض كنعان، بحكم انتمائهم لنسل إبراهيم عبر إسحاق ويعقوب!
 
وهذه الملكيَّة غير مقيَّدة عندهم بأي قيد! فتبقى هذه الأرض لهم مدى الدَّهر، لا يقيِّدُها الزمن، ولا يرفعها تملُّك الآخرين لها، فيجوز لهم العودُ إليها متى ما قدروا، وتكون حقَّاً مستردَّاً من حقوقهم!
وهذا النص التوراتي هو (سند ملكيةٍ) إلهيةٍ لا تخضع للقوانين الوضعية، وحقٌّ ثابت ليس لأحد مخالفته لأنه أمرٌ من أمر الله!
 
بناء على هذا تكون أرضنا كلها وما حولها ملكاً لليهود بزعمهم!
 
نحن لا نريد النقاش هنا في صحة التوراة، وإن اعتقدنا بوقوع التحريف فيه.
 
لكنَّ الذي نقفُ عنده هو أنَّ اليهود يغمضون النَّظر عن أمورٍ مهمة تناقض دعواهم منها:
 
الأمر الأول:
 
أنَّ في التوراة نصوصاً تؤكدُ أنَّ وعدَ الله لإبراهيم عليه السلام ونسله قد تحقَّق فعلاً واكتمل، وليس وعداً ينتظر التحقُّق في المستقبل!
وفيه ما يصلح لأن يكون إعلاناً صريحاً من الله تعالى بوفاء وعده كاملاً.
 
ففي سفر يشوع عن حكم يوشع بن نون:
فَأَعْطَى الرَّبُّ إِسْرَائِيلَ جَمِيعَ الأَرْضِ الَّتِي أَقْسَمَ أَنْ يُعْطِيَهَا لآبَائِهِمْ فَامْتَلَكُوهَا وَسَكَنُوا بِهَا * فَأَرَاحَهُمُ الرَّبُّ حَوَالَيْهِمْ حَسَبَ كُلِّ مَا أَقْسَمَ لآبَائِهِمْ، وَلَمْ يَقِفْ قُدَّامَهُمْ رَجُلٌ مِنْ جَمِيعِ أَعْدَائِهِمْ، بَلْ دَفَعَ الرَّبُّ جَمِيعَ أَعْدَائِهِمْ بِأَيْدِيهِمْ * لَمْ تَسْقُطْ كَلِمَةٌ مِنْ جَمِيعِ الْكَلاَمِ الصَّالِحِ الَّذِي كَلَّمَ بِهِ الرَّبُّ بَيْتَ إِسْرَائِيلَ، بَلِ الْكُلُّ صَارَ (يشوع21: 43-45).
 
ولئن كان اليهود لم يتمكنوا من الاستيلاء على كلِّ الأرض الموعودة في أيامه، فإنَّ المفسِّرين يعتقدون أنَّ عدم امتلاكهم الفعلي لها بأكملها إنما كان لتقصيرهم، فالله لا يخلف وعده، وقد هيأ لهم أسباب ذلك فكأنه قد ملكَّهم إياها.
 
يقول القس وليم مارش في تفسير الآية: نعم إن الإسرائيليين لم يكونوا حينئذ قد استولوا على كل الأرض، ولكن كان لهم أن يستولوا عليها، فالتقصير منهم لا من إخلاف الله تعالى بوعده لأنه الصادق الأمين، وقد وعدهم بأنه ينصرهم ويساعدهم. (فامْتَلَكُوهَا) أي امتلكوا كثيراً منها كان كافياً لهم (انتهى).
 
ثمَّ أظهر نصٌّ آخر اتساع سلطان سليمان على ممالك من النهر إلى تخوم مصر كما في سفر الملوك:
وَكَانَ سُلَيْمَانُ مُتَسَلِّطًا عَلَى جَمِيعِ المَمَالِكِ مِنَ النَّهْرِ إِلَى أَرْضِ فِلِسْطِينَ، وَإِلَى تُخُومِ مِصْرَ (الملوك الأول4: 21).
 
من ثم يشهد (نحميا) في سِفرِه لله تعالى بالوفاء بعهده لإبراهيم:
أَنْتَ هُوَ الرَّبُّ الإِلهُ الَّذِي اخْتَرْتَ أَبْرَامَ وَأَخْرَجْتَهُ مِنْ أُورِ الكَلْدَانِيِّينَ وَجَعَلْتَ اسْمَهُ إِبْرَاهِيمَ * وَوَجَدْتَ قَلْبَهُ أَمِينًا أَمَامَكَ، وَقَطَعْتَ مَعَهُ العَهْدَ أَنْ تُعْطِيَهُ أَرْضَ الكَنْعَانِيِّينَ وَالحِثِّيِّينَ وَالأَمُورِيِّينَ وَالفَرِزِّيِّينَ وَاليَبُوسِيِّينَ وَالجِرْجَاشِيِّينَ وَتُعْطِيَهَا لِنَسْلِهِ. وَقَدْ أَنْجَزْتَ وَعْدَكَ لأَنَّكَ صَادِقٌ (نحميا9: 7-8).
 
فدلَّت هذه النصوص على أنَّ وَعدَ الله لإبراهيم عليه السلام في أرض (إسرائيل) التاريخية قد تحقَّقَ واكتمل، وأنَّ الله تعالى قد أنجزه، ما يعني أن ليس لهم عند الله وعدٌ بذلك بعد الآن.
وهذه النصوص تصلح بقوة للقول إن الوعد (على فرض صحته) قد تحقق تاريخياً، ولا يصح الاستناد إلى مثل هذه النصوص ببساطة لإثبات حقٍّ سياسي أبديٍّ اليوم.
 
الأمر الثاني:
 
أنَّ وصايا الكتاب المقدَّس تؤكد أنَّ عهود الله مع الناس ليست خالية من القيود كما يزعم اليهود، وأنَّ التخلُّف عن طاعة الله تعالى ومخالفة أمره توجب نزول غضبه وسخطه، فقد قرن الكتاب المقدَّس الاستعلاء على الأرض بطاعة الله، ففي سفر التثنية:
وَإِنْ سَمِعْتَ سَمْعًا لِصَوْتِ الرَّبِّ إِلهِكَ لِتَحْرِصَ أَنْ تَعْمَلَ بِجَمِيعِ وَصَايَاهُ الَّتِي أَنَا أُوصِيكَ بِهَا اليَوْمَ، يَجْعَلُكَ الرَّبُّ إِلهُكَ مُسْتَعْلِيًا عَلَى جَمِيعِ قَبَائِلِ الأَرْضِ.. يَجْعَلُ الرَّبُّ أَعْدَاءَكَ القَائِمِينَ عَلَيْكَ مُنْهَزِمِينَ أَمَامَكَ. فِي طَرِيقٍ وَاحِدَةٍ يَخْرُجُونَ عَلَيْكَ، وَفِي سَبْعِ طُرُقٍ يَهْرُبُونَ أَمَامَكَ (التثنية28: 1و7).
 
لكنَّ اليهود لم يعملوا بوصايا الله تعالى، فقتلوا وسفكوا الدماء بلا وجه حق، وعصوا الله تعالى في كل ما أمر، وكان موسى عليه السلام قد حَذَّرهم من التشتُّت ومن نزول غضب الله عليهم إن لم يعملوا بوصاياه، وقد لا تجد قوماً كاليهود اليوم تنطبق عليهم النصوص التالية من الكتاب المقدس، ففيه من خطاب موسى عليه السلام لبني إسرائيل:
وَلكِنْ إِنْ لَمْ تَسْمَعْ لِصَوْتِ الرَّبِّ إِلهِكَ لِتَحْرِصَ أَنْ تَعْمَلَ بِجَمِيعِ وَصَايَاهُ وَفَرَائِضِهِ الَّتِي أَنَا أُوصِيكَ بِهَا اليَوْمَ، تَأْتِي عَلَيْكَ جَمِيعُ هذِهِ اللَّعَنَاتِ وَتُدْرِكُكَ * مَلْعُونًا تَكُونُ فِي المَدِينَةِ وَمَلْعُونًا تَكُونُ فِي الحَقْلِ.. مَلْعُونًا تَكُونُ فِي دُخُولِكَ، وَمَلْعُونًا تَكُونُ فِي خُرُوجِكَ * يُرْسِلُ الرَّبُّ عَلَيْكَ اللَّعْنَ وَالاضْطِرَابَ وَالزَّجْرَ فِي كُلِّ مَا تَمْتَدُّ إِلَيْهِ يَدُكَ لِتَعْمَلَهُ، حَتَّى تَهْلِكَ وَتَفْنَى سَرِيعًا مِنْ أَجْلِ سُوْءِ أَفْعَالِكَ إِذْ تَرَكْتَنِي.. وَتَكُونُ قَلِقًا فِي جَمِيعِ مَمَالِكِ الأَرْضِ.. يَضْرِبُكَ الرَّبُّ بِجُنُونٍ وَعَمًى وَحَيْرَةِ قَلْبٍ.. فَتَكُونُ فِيكَ آيَةً وَأُعْجُوبَةً وَفِي نَسْلِكَ إِلَى الأَبَدِ.. فَتَبْقَوْنَ نَفَرًا قَلِيلاً عِوَضَ مَا كُنْتُمْ كَنُجُومِ السَّمَاءِ فِي الكَثْرَةِ، لأَنَّكَ لَمْ تَسْمَعْ لِصَوْتِ الرَّبِّ إِلهِكَ.. وَيُبَدِّدُكَ الرَّبُّ فِي جَمِيعِ الشُّعُوبِ مِنْ أَقْصَاءِ الأَرْضِ إِلَى أَقْصَائِهَا! (التثنية28: الآيات15 وما بعدها.. مقتبسات).
 
وفيه نصوصٌ أخرى تحذِّرهم من ارتكاب النجاسات لئلا تقذفهم الأرض:
لكِنْ تَحْفَظُونَ أَنْتُمْ فَرَائِضِي وَأَحْكَامِي، وَلاَ تَعْمَلُونَ شَيْئًا مِنْ جَمِيعِ هذِهِ الرَّجَسَاتِ.. فَلاَ تَقْذِفُكُمُ الأَرْضُ بِتَنْجِيسِكُمْ إِيَّاهَا كَمَا قَذَفَتِ الشُّعُوبَ الَّتِي قَبْلَكُمْ (اللاويين18: 27-28).
 
وإذا تأمَّلنا في قلق اليهود اليوم، وجنونهم وعماهم وحيرة قلبهم، وقلَّة عددهم في قِبال بقية الأمم، عرفنا أنَّ وعد الله لإبراهيم بأن يكثِّر نسله (وَأُكَثِّرُ نَسْلَكَ كَنُجُومِ السَّمَاءِ) (وَأَجْعَلُ نَسْلَكَ كَتُرَابِ الأَرْضِ) لا يمكن أن يكون المراد منه بني إسرائيل، أهل الإجرام وسفك الدماء، بل هم أهل التبديد، ومحل نزول اللعنات في كلِّ فِعالهم!
 
أما البركة والثمرة والكثرة فقد كانت من نصيب إسماعيل عليه السلام كما مرَّ الوعد له في التوراة: (أَنَا أُبَارِكُهُ وَأُثْمِرُهُ وَأُكَثِّرُهُ كَثِيرًا جِدًّا. اِثْنَيْ عَشَرَ رَئِيسًا يَلِدُ، وَأَجْعَلُهُ أُمَّةً كَبِيرَةً).
 
الأمر الثالث:
 
أنَّ التعبير عن هذا الوعد بأنَّه (عهدٌ أبدي)، أو أنه (إِلَى الأَبَدِ)، لا يدلُّ بالضرورة على ما زعمه اليهود، فإنَّ الكلمة الأصلية التي تُرجِمَت من اللغات السامية بما فيها التوراتية العبرية إلى (الأبد) لا تعني الوقت الذي لا حد له، بل تعني (حقبةً زمنيةً طويلةً غير محددة)، أو (طالما استمرت ظروف معينة)، أو (حقبة من الزمان قد تنتهي بحدث معين)، فيكون المراد هو أنَّ الله يعطيها لنسله طيلة عمرهم، وفي أجيالٍ محدَّدة، أو مدَّة طويلة وإن لم تكن طول الدَّهر.
 
ومن الشواهد التوراتية على ذلك:
الحديث عن الخدمة: فَيَخْدِمُهُ إِلَى الأَبَدِ (الخروج21: 6) أي حتى الموت.
والإقامة: وَيُقِيمَ هُنَاكَ إِلَى الأَبَدِ (صموئيل الأول1: 22) أي طيلة أيام حياته.
أو كقول سليمان عن الهيكل: إِنِّي قَدْ بَنَيْتُ لَكَ بَيْتَ سُكْنَى، مَكَانًا لِسُكْنَاكَ إِلَى الأَبَدِ (الملوك الأول8: 13)، فيدلُّ على المدَّة الطويلة التي تنتهي، لأنَّ الهيكل قد دُمِّرَ لاحقاً ولم يبق للأبد فعلاً.
أو كقول يونس عن دخوله في بطن الحوت مدة محدودة: نَزَلْتُ إِلَى أَسَافِلِ الجِبَالِ. مَغَالِيقُ الأَرْضِ عَلَيَّ إِلَى الأَبَدِ. ثُمَّ أَصْعَدْتَ مِنَ الوَهْدَةِ حَيَاتِي أَيُّهَا الرَّبُّ إِلهِي (يونان2: 6).
ومثلها الكثير من النماذج الأخرى.
 
والخلاصة بناءً على ما تقدَّم:
 
أنَّ الوعد الإلهي لبني إسرائيل قد تحقَّق فعلاً في زمن يشوع، ومن بعده اتساع ملك سليمان، وأنَّه ليس وعداً مستقبلياً أبداً.
وأنَّه كان من أول الأمر مشروطاً بالطاعة، ولما كان اليهود من أهل معصية الله استحقوا اللعن والشتات.
وأنَّ الاعتماد على نصوصٍ من هذا القبيل لاحتلال أراضٍ والسيطرة عليها وقتل أهلها وتهجيرهم هو عملٌ همجيٌّ مخالفٌ للأعراف الإنسانية والقوانين الدولية القديمة والحديثة.
 
ثانياً: نصوص الإنجيل
 
ثمَّ إنَّ نصوص الإنجيل تذهبُ في تفسير نصوص التوراة مذهباً آخر!
فتُبَيِّنُ أنّ وَعدَ الله تعالى لإبراهيم عليه السلام قد أخذ أبعاداً جديدة، وهي أبعادٌ روحيةٌ بدلاً من الأبعاد الجغرافية والعِرقية.
 
فالمراد من وعد الله لإبراهيم ونسله في الكتاب المقدَّس هو وَعدُ الإيمان، بمعنى أنَّ من كان مؤمناً بإبراهيم عليه السلام يكون وارثاً! وليس هذا الإرث لمنطقة أو مكانٍ خاص فقط، بل للعالم بأسره!
 
ففي الإنجيل:
فَإِنَّهُ لَيْسَ بِالنَّامُوسِ كَانَ الوَعْدُ لإِبْرَاهِيمَ أَوْ لِنَسْلِهِ أَنْ يَكُونَ وَارِثًا لِلْعَالَمِ، بَلْ بِبِرِّ الإِيمَانِ.. لِهذَا هُوَ مِنَ الإِيمَانِ، كَيْ يَكُونَ عَلَى سَبِيلِ النِّعْمَةِ، لِيَكُونَ الوَعْدُ وَطِيدًا لِجَمِيعِ النَّسْلِ. لَيْسَ لِمَنْ هُوَ مِنَ النَّامُوسِ فَقَطْ، بَلْ أَيْضًا لِمَنْ هُوَ مِنْ إِيمَانِ إِبْرَاهِيمَ، الَّذِي هُوَ أَبٌ لِجَمِيعِنَا (رومية4: 13و16).
 
وفي نصٍّ آخر:
اعْلَمُوا إِذًا أَنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنَ الإِيمَانِ أُولئِكَ هُمْ بَنُو إِبْرَاهِيمَ (غلاطية3: 7).
 
ثمَّ بعد أن عمَّمَ الإنجيلُ هذه الوراثة لكلِّ من كان مؤمناً بإبراهيم، وعَدَّهُ إبناً له، يجعلُ نصٌّ ثالثٌ عيسى عليه السلام مصداقاً أبرز لها بقوله:
وَأَمَّا المَوَاعِيدُ فَقِيلَتْ فِي إِبْرَاهِيمَ وَفِي نَسْلِهِ. لاَ يَقُولُ: «وَفِي الأَنْسَالِ» كَأَنَّهُ عَنْ كَثِيرِينَ، بَلْ كَأَنَّهُ عَنْ وَاحِدٍ: «وَفِي نَسْلِكَ» الَّذِي هُوَ المَسِيحُ (غلاطية3: 16).
 
وفي نصٍّ رابع:
لَيْسَ يَهُودِيٌّ وَلاَ يُونَانِيٌّ. لَيْسَ عَبْدٌ وَلاَ حُرٌّ. لَيْسَ ذَكَرٌ وَأُنْثَى، لأَنَّكُمْ جَمِيعًا وَاحِدٌ فِي المَسِيحِ يَسُوعَ * فَإِنْ كُنْتُمْ لِلْمَسِيحِ، فَأَنْتُمْ إِذًا نَسْلُ إِبْرَاهِيمَ، وَحَسَبَ المَوْعِدِ وَرَثَةٌ (غلاطية3: 28-29).
 
فتكون وراثة إبراهيم عليه السلام وراثة إيمان واتِّباع، وكتاب النصارى بحسب الظاهر منه لا يرى اليهود أتباعاً لإبراهيم، لأنّ الوارث لإبراهيم هو عيسى عليه السلام، واليهود لا يؤمنون به، بل يرى النصارى أنَّ اليهود ملعونون لأنَّهم ما آمنوا بالمسيح ولا أحبوه، ففي الإنجيل:
إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُحِبُّ الرَّبَّ يَسُوعَ المَسِيحَ، فَلْيَكُنْ أَنَاثِيمَا (ملعوناً) (كورنثوس الأولى16: 22).
 
والنتيجة: أن ليس في الإنجيل أيُّ نصٍّ يثبت لليهود ملكيَّة خاصة في بلادنا، بل فيه ذمٌّ لهم وبيانُ نفاقهم وخبثهم، ومن ذلك ما ورد في إنجيل متى مخاطباً كبار اليهود:
وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الكَتَبَةُ وَالفَرِيسِيُّونَ المُرَاؤُونَ! لأَنَّكُمْ تُشْبِهُونَ قُبُوراً مُبَيَّضَةً تَظْهَرُ مِنْ خَارِجٍ جَمِيلَةً، وَهِيَ مِنْ دَاخِلٍ مَمْلُوءَةٌ عِظَامَ أَمْوَاتٍ وَكُلَّ نَجَاسَةٍ. هكَذَا أَنْتُمْ أَيْضاً: مِنْ خَارِجٍ تَظْهَرُونَ لِلنَّاسِ أَبْرَاراً، وَلكِنَّكُمْ مِنْ دَاخِلٍ مَمْلُوءُونَ نِفَاقاً وَإِثْماً! (متى 23: 27-28).
وهم الفاقدون للرحمة فيه أيضاً: وَتَرَكْتُمْ أَثْقَلَ الأَمْرِ فِي النَّامُوسِ: الحَقَّ وَالرَّحْمَةَ وَالإِيمَانَ (متى 23: 23).
 
أمَّا إنجيل يوحنا فهو ينقل كلاماً عجيباً من المسيح لليهود، حين يقول لهم: أَنْتُمْ مِنْ أَبٍ هُوَ إِبْلِيسُ! وَشَهَوَاتِ أَبِيكُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَعْمَلُوا! (يوحنا8: 44).
 
لكنَّهم بكلِّ خبثٍ أجابوه قبل أن يرفعوا حجارةً ليرجموه:
فَقَالَ لَهُ اليَهُودُ: الآنَ عَلِمْنَا أَنَّ بِكَ شَيْطَانًا! (يوحنا8: 52).
 
فإذا كان هذا منهجهم مع أنبياء الله، وكانوا قد امتلؤوا نفاقاً وإثماً، لم يكن من العجب أن نرى منهم كل هذا الحقد والغلِّ والظلم والتجبُّر والطُّغيان!
 
ثالثاً: نصوص القرآن الكريم
 
إنَّ القرآن الكريم لا يقرِّر لليهود أو لبني إسرائيل حقّاً أبديّاً مطلقاً في الأرض على أساس النسب، وإنما يتحدث عن إيراثٍ وتمكينٍ وقع لهم في ظروفٍ تاريخيةٍ مخصوصة، وبشروطٍ واضحةٍ تتصل بالطاعة والصبر والاستقامة، كما في قوله تعالى:﴿وَأَوْرَثْنَا القَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الحُسْنَىٰ عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا﴾ (الأعراف37)، حيث ورثها هؤلاء حال الاستضعاف مع الصبر، وليس في الآية تأسيسٌ لامتيازٍ عرقيٍّ دائم.
 
ومن أوضح الآيات التي تحذِّر من انحرافهم قوله تعالى:
﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ الله لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ (المائدة21)، فإنَّهم لما ارتدوا وانقلبوا عوقبوا بالتيه أربعين سنة، فلو كان الوعد أبدياً أو غير مشروط لم يحرمهم الله تعالى حقَّهم.
 
ثمَّ إنَّ وراثة الأرض إنما ترتبط في كلّ الكتب السماوية بالصلاح، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ (الأنبياء105).
 
ولا يزال الزبور يحوي مثل هذه النصوص:
ففيه: (الَّذِينَ يَنْتَظِرُونَ الرَّبَّ هُمْ يَرِثُونَ الأَرْضَ).
وفيه: (أَمَّا الوُدَعَاءُ فَيَرِثُونَ الأَرْضَ).
ومن كلماته: (لأَنَّ المُبَارَكِينَ مِنْهُ يَرِثُونَ الأَرْضَ).
وفيه: (الصِّدِّيقُونَ يَرِثُونَ الأَرْضَ) (المزامير37: 9و11و22و29).
 
وكذا في الإنجيل: (طُوبَى لِلْوُدَعَاءِ، لأَنَّهُمْ يَرِثُونَ الأَرْضَ) (متى5: 5).
 
لكنَّنا قد اعتدنا على اليهود وظلمهم وخبثهم وتحريفهم لكلام الله عن موضعه، كما قال تعالى: ﴿مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ﴾ (النساء46)، وكما قال عزَّ وجل: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ﴾ (المائدة13).
 
وهؤلاء هم أشدُّ الناس عداوةً للمؤمنين بنصِّ القرآن الكريم: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا اليَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ (المائدة82).
 
فإذا اجتمعت العداوة مع قسوة القلوب! وتحريف الكلم عن مواضعه! وبنوَّة ابليس وشهواته! وانعدام الرحمة! وكلُّ نفاقٍ وإثم! كانت النتيجة (يهودياً خالصاً)! أجارنا الله منهم ومن شرورهم وسمومهم وقيحهم وخبثهم! وردَّ كيدهم إلى نحورهم، فهم قَتَلة الأنبياء والمرسلين.. وعباد الله الصالحين.
 
والحمد لله رب العالمين
 
من جوار قالع حصون اليهود، وأسد الله الغالب، أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام
فجر الأربعاء 18 ذو القعدة 1447 هـ، الموافق 6 – 5 – 2026 م

بنو_اسرائيل.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!