كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

بينَ الضجيجِ والصمتِ … أينَ نضعُ إنسانيتنا؟

 في صخبِ الحياةِ اليومية، يغدو الضجيجُ سيدْ المشهد: ضجيجُ العملِ المتراكم، وضجيجَ الأخبارِ المتلاحقة، وضجيجَ الطموحاتِ التي لا تعرفُ السكونَ ومعَ ذلك، يتوارى خلفَ كلِ هذا هديرُ آخرٍ أكثرِ عمقٍ … صمتٍ لا يلتفتُ إليهِ أحد. وكأننا نسينا قوله- سبحانهُ وتعالى- (ما يلفظُ منْ قولٍ إلا لديهِ رقيبٌ عتيد) سورةَ ق: 18، فكثرَ الكلامُ وقلَ الإحساس.
 إنهُ صمتُ الاحتياجاتِ التي لمْ تفصح، وصمتَ أولئكَ الذينَ لا يجيدونَ سؤالُ العون، أوْ الذينَ آثروا أنْ يخفوا وجعهمْ في صدورهمْ صونا لكرامتهم. صمتٌ لا يسمع، لكنهُ أثقلَ منْ كلِ الضجيج. وكما قالَ الأديب المصري( مصطفى صادقْ الرافعي): الصمتُ أجملَ فنونِ الكلام، غيرَ أنَ هذا الصمتِ أحيانا لا يكونُ جمالاً … بلْ وجعا مستترا. 
  لمْ يعدْ الفقرُ وجها مكشوفا كما كان؛ لمْ يعدْ يرى دائما في الثيابِ الباليةِ أوْ الملامحِ المتعبة. قدْ يختبئُ خلفَ أناقةٍ هادئة، أوْ يتسللُ في نبرةِ موظفٍ بسيطٍ يحاولُ مجاراةَ قسوةِ الأيام، أوْ يلوحُ في عيني أبٌ يعدْ الأيامَ بقلق، ساعيا لتأمينِ احتياجاتِ أسرتهِ أوْ ثمنِ دوائه. هكذا أصبحَ الفقرُ اليومَ … أكثرَ خفاء، وأكثرُ وجعا، وأشدُ صمتا.
 وكأنما يردد المعنى الذي أشارَ إليهِ الشاعرُ الأمويُ الأخطل:
 إنَ الكلامَ لفي الفؤادِ وإنما  ......    جعلَ اللسانُ على الفؤادِ دليلاً 
إنَ هذا النوعَ منْ العوزِ لا يقفُ عندَ إشاراتِ المرور، ولا يمدُ كفهُ طلبا، بلْ يختبئُ في صمتٍ أثقلَ وقعا وأشدُ قسوة. تكمنَ المعضلةُ في أنَ المجتمعَ غالبا لا يرى إلا ما يظهرُ للعين؛ نتأثرُ بالمشاهدِ المباشرة، ونسارعُ حينُ تكونُ الحاجةُ معلنة، لكننا نتغافلُ عمنْ يعيشونَ في الظل، حيثُ تتسعُ الفجوةُ بينَ منْ يسألُ فيلبي، ومنْ يصمتُ فينسى.  وهنا تتجلى قيمةَ السلوكِ الإنسانيِ الذي أشارَ إليهِ قولهُ تعالى: (وإذا خاطبهمْ الجاهلونَ قالوا سلاما) سورةَ الفرقان: 63.
وفي المقابل، تحولُ العطاءِ لدى بعضِ الناسِ إلى سلوكٍ موسمي، أقرب إلى عادةٍ اجتماعيةٍ منهُ إلى التزامٍ إنسانيٍ أصيل؛ مبادراتٍ ترتبطُ بمناسبة، أوْ مساعداتِ تقدمٍ في أطرٍ محدودة. ورغمُ ما تحملهُ منْ خير، فإنها تظلُ قاصرةً عنْ بناءِ شبكةِ أمانٍ حقيقيةٍ لمنْ يعانونَ حاجةٌ مستمرة. وقدْ قيلَ قديما: إذا كانَ الكلامُ منْ فضة، فالسكوتُ منْ ذهب، لكنَ الإنسانيةَ ليستْ في الصمتِ عنْ الحاجة، بلْ في كسرِ صمتها- بلطف-  فالإنسانيةُ لا تقاسُ بقدرِ ما نعطي فحسب، بلْ بعمقِ وعينا بمنْ نعطيهم. 
     إنَ تبحثُ عنْ المحتاجِ في صمت، أنْ تسألَ دونَ أنْ تحرج، أنْ تعينَ دونَ أنْ تجرحَ كرامةُ أحدٍ … تلكَ هيَ القيمُ التي تصنعُ الفارق، وتمنحَ العطاءَ معناهُ الحقيقي. وفي هذا المعنى يقولُ أبو العتاهية: الصمتُ زينْ والسكوتُ سلامةً فإذا نطقتُ فلا تكونُ مهذارا كم منْ إنسانٍ كانَ يمكنُ أنْ تتبدلَ حياتهُ لوْ وجدَ يدا تمتدُ إليهِ في اللحظةِ المناسبة.
   قدْ لا يستطيعُ الفردُ حلَ جميعِ المشكلات، لكنهُ قادرٌ على أنْ يبدأَ منْ محيطهِ القريب: جارٍ يحتاجُ إلى دعم، عاملٌ بسيطٌ يمرُ بضائقة، أوْ مبادرةٍ صغيرةٍ تجمعَ أشخاصا لمساندةِ حالاتٍ محددة بشكلٍ مستمر . 
  هذهِ الخطواتِ البسيطة، حينُ تتكرر، تصنعَ أثرا عميقا. تعيدَ الأملَ إلى عائلةٍ محتاجة، وتمنحَ فرصةٌ لطالبِ عجزٍ عنْ تسديدِ أقساطِ دراسته، وتخففَ ألما مريضا لا يملكُ ثمنَ دوائه.
    قدْ تكونُ سببا في إسعادِ طفلٍ لمْ يتمكنْ أهلهُ منْ شراءِ ملابسِ العيدِ لهُ كأقرانه، أوْ في إنقاذِ أطفالٍ ينامونَ على الجوعِ ويستيقظونَ على الدعاء. 
في النهاية، نحنُ لا نعيشُ بمعزلِ عنْ بعضنا، مهما بدا لكلٍ واحدٍ منا عالمهُ الخاص. فالمجتمعُ يقاسُ بقدرتهِ على رعايةٍ أضعفَ أفراده، لا بحجمِ إنجازاته. وبينَ صخبُ الحياةِ اليومية، يبقى السؤالُ الأعمق: هلْ نصغي لذلكَ الصمت؟ أمْ نتركهُ يضيعُ في زحامِ الضجيجِ … حيثُ تختفي إنسانيتنا دونَ أنْ نشعر؟

الانسانية.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!