كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

لا تستخف بعدوك فالتاريخ لا يكافئ الغافلين

لا تستخف بعدوك فالتاريخ لا يكافئ الغافلين


في كل مرة يطمئن فيها القادة إلى تفوقهم العسكري أو السياسي يبدأ الخلل في التسلل إلى قراراتهم ، فالاستخفاف بالخصم مهما بدا ضعيفاً ليس مجرد خطأ تقديري ، بل بوابة واسعة لسلسلة من المفاجآت التي لا تحمد عقباها .
المشكلة لا تكمن في القوة نفسها بل في الاعتقاد بأن التفوق وحده يكفي لإغلاق اللعبة قبل أن تبدأ فعلياً ومع ذلك يثبت الواقع مرة بعد أخرى أن الخصم الذي يستهان به اليوم قد يكون هو من يغير مسار الأحداث غداً .
هذا النوع من الغرور الاستراتيجي لا يظهر فجأة بل يتشكل تدريجياً حين تتعامل القوى الكبرى مع خصومها وكأنهم تفاصيل هامشية في مشهد محسوم سلفاً لكن التجارب التاريخية من الحروب التقليدية إلى النزاعات الحديثة تؤكد أن الطرف الأضعف قد يمتلك عناصر قوة غير مرئية منها إرادة صلبة وتكتيكات مبتكرة أو قدرة على استغلال ثغرات لم تحسب جيداً وهنا يصبح الاستخفاف خطأً مضاعفاً لأنه لا يقلل من شأن الخصم فحسب بل يعمي القائد عن رؤية المخاطر الحقيقية والرئيس الامريكي دونالد ترمب مثالاً .
ان القوة العسكرية والسياسية ليست ضمانة مطلقة للنجاح بل قد تتحول إلى عبء حين تقرأ بشكل خاطئ ، فالقائد الذي يعتقد أن تفوقه يمنحه حق تجاهل خصمه يضع نفسه في موقع هش لأن الثقة الزائدة تضعف القدرة على التقييم الموضوعي .
في كثير من الأحيان لا يخسر الأقوى بسبب ضعف في قدراته بل بسبب ضعف في قراءته للواقع وهذا ما يجعل الاستخفاف بالخصم خطراً استراتيجياً لا مجرد خطأ بشري .
إن الاعتقاد بأن الخصم لن يرد أو لن يصمد أو لن يبتكر هو افتراض خطير فالتاريخ مليء بقوى كبرى فوجئت بخصومها لأنهم لم يتصرفوا وفق السيناريوهات المتوقعة وفي كل مرة يحدث ذلك تكون الكلفة أكبر بكثير مما لو تم التعامل مع الخصم بجدية منذ البداية .
من المفارقات أن الطرف الأضعف قد يكون أحياناً الأكثر قدرة على إرباك الأقوى ، فحين يدرك الخصم أنه في موقع ضعف فإنه غالباً ما يلجأ إلى تكتيكات غير تقليدية واستراتيجيات واستنزاف طويلة وتحالفات مفاجئة وكذلك استغلال نقاط الضعف في الطرف الأقوى وبالمناسبة هذه الأساليب لا تحتاج إلى قوة مادية كبيرة بل إلى ذكاء ومرونة ، وهذا ما تفعله ايران بذكاء .
وفي المقابل قد يكون الطرف الأقوى مقيداً بيروقراطياً أو سياسياً أو حتى نفسياً مما يجعله أقل قدرة على التكيف ، إن أخطر ما يمكن أن يواجهه القائد هو خصم لا يلعب وفق القواعد المتوقعة ، فالطرف الأضعف حين يدفع إلى الزاوية قد يصبح أكثر استعداداً للمخاطرة وأكثر قدرة على قلب الطاولة .
فالتاريخ ليس مجرد سرد للأحداث بل سجل للأخطاء التي تتكرر وفي كل مرة يستخف فيها الأقوياء بخصومهم تكون النتيجة واحدة وهي مفاجأة غير مرغوبة وكلفة أعلى مما كان متوقعاً .
إن احترام الخصم لا يعني الخوف منه بل يعني احترام قواعد اللعبة فالقائد الذي يحترم خصمه لا يمنحه أكثر مما يستحق لكنه أيضاً لا يقلل من شأنه وهذا التوازن هو ما يصنع الفرق بين قرار حكيم وآخر متهور .
حين يظن القادة أن اللعبة إنتهت يبدأ الخطر الحقيقي ، كما تصورت أمريكا عندما تم إغتيال المرشد الإيراني السيد علي خامنئي ، فأخطر لحظة في أي صراع هي اللحظة التي يعتقد فيها طرف ما أن اللعبة انتهت ، فالاطمئنان الزائد يخلق فراغاً في اليقظة ويجعل القائد أقل استعداداً للتعامل مع المتغيرات .
فاللعبة لا تنتهي إلا حين يقول الواقع كلمته .
فلا تستخف بعدوك فالتاريخ لا يكافئ الغافلين!

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!