البسوس تلك الحرب التي امتدت لسنوات طويلة بين بكر وتغلب، ومن أشهر أيام العرب في الجاهلية، وقد ورد ذكرها في عدد كبير من المصادر التاريخية والأدبية، وسميت المعركة بالبسوس نسبة إلى ناقة امرأة تسمى (البسوس)، وهي خالة الجساس بن مرة البكري.
وكان سبب وقوع هذه المعركة أن كليب ملك العرب قد أصدر قرارا بمنع الرعي إلا لإبله ونوقه، فلما رأى ناقة البسوس وهي ترعى مع إبله رماها بسهم فقتلها، فوقعت بعدها تلك الحرب الضروس التي استمرت لعقود من الزمن بين بكر وتغلب.
أبو فراس الحمداني (الحارث بن سعيد) الشاعر الحمداني الفريد المتضلع بالتاريخ، وفي شعره وثائق تاريخية مهمة عن أيام العرب، وفي إحدى قصائده يقول في رثاء قريب له:
وما نحن الا وائل ومهلهل
صفاءً والا مالك ومتمم
وائل هو كليب، ومهلهل أخيه الذي رثاه وبكى عليه طول عمره، أما مالك فهو الصحابي الجليل مالك بن نويرة، ومتمم أخيه الذي رثاه بقصائد شجية.
يُشبّه الحمداني نفسه في هذا البيت الرثائي بحال المهلهل بن ربيعة في شدة بكائه كليبا الذي قتله جساس بن مرة، وبحال متمم الذي رثى أخاه مالك بن نويرة بقصيدة تعد من فرائد الأدب العربي، والمتتبع لقصائد أبي فراس يجد مقتطفات مهمة من مواقف حرب البسوس، فيقول في إحدى روائعه:
وفي طلب الثناء مضى بجير
وجاد بنفسه كعب بن مام
كعب بن مام ذلك الرجل العربي الذي آثر صاحبه على نفسه في الصحراء ومع شدة العطش فمات عطشا ليحيا صاحبه
وبجير هو ابن الحارث بن عباد أو ابن أخيه على رواية أخرى، وهو الذي أرسله الحارث بن عباد إلى المهلهل بن ربيعة (الزير سالم)، فإما أن يقتله ويصلح به بين العرب ويتوقف هذه الحرب الطويلة التي أنهكت العرب، فالشاعر هنا يثبت إرسال بجير من قبل ابن عباد إلى المهلهل، ولكن المهلهل قتله قائلا "بوء بشسع نعل كليب"، مما أثار غضب الحارث بن عباد، وهو ما يشير إليه الشاعر الحمداني في قصيدة أخرى:
وبنو عباد حين أحرج حارث
جروا التخالف في بني شيبان
بنو عباد هم بطن من بطون بني شيبان، اعتزلوا البسوس حيث يُؤثَر عن الحارث بن عباد قوله "هذه حرب لا ناقة لنا فيها ولا جمل"، ولكن بعد ما فعله المهلهل بابنه بجير انضم الحارث بن عباد وقومه إلى الحرب، وهو ما أسماه التخالف أو التحالق في بني شيبان.
خلوا عديا وهو صاحب ثأرهم
كرما ونالوا الثأر بابن ابان
عدي بن ربيعة هو الاسم الحقيقي للمهلهل (الزير سالم)، وفي هذا البيت تأكيد واضح على أن المهلهل (عدي) قد نجى من تلك المعركة المشهودة، وهو ألد أعداء ابن عباد وبكر، واستبدلوه ب (امرؤ القيس ابن ابان) قائد جيوش المهلهل وصاحبه الحميم.
ويؤكد الحمداني هذا المعنى في قصيدة أخرى له قائلا:
وافلت بعد الاسر من كف حارث
عدي ولم يصفح له صفح عامد
استطاع المهلهل النجاة من سيف الحارث بن عباد وجنده إذ أسره الحارث في المعركة، وهو لا يعرفه لشدة الظلام، فقال بن عباد يا فتى ارشدني الى المهلهل، فقال له الزير سالم أَوَ تعفو عني، قال نعم وهذا وعد مني، فقال له المهلهل فأنا المهلهل، حينها استشاظ الحارث بن عباد غضبا، وقال لقد خدعتني يا مهلهل، فقال له الزير أَوَ راجع عن صفحك وعفوك، فقال ابن عباد ما كان ابن عباد ليرجع عن عهد او وعد وعده، ولكن ارشدني الى رجل من قومك يكون كفؤا لك، فقال الزير فإن كان ولا بد فابن ابان
ما في عسكري مثله شرفا وسؤددا،
فتركه ابن عباد وطلب ابن ابان ونال الثأر منه...
وفي هذا كله نجد أبي فراس الحمداني ملما بكل تفاصيل أيام العرب، وفي طيات شعره تجد الكثير من الملاحم والنوادر والمواقف، فهو بحق الشاعر الأديب المؤرخ الفريد الذي جعل من الكلمة والشعر وثائق تؤرخ الأحداث بعين العارف لها، وهو إذ يورد هذه الحوادث التاريخية فإنه يركز في كل منها على اظهار العبرة من تلك الأحداث لا مجرد الذكر والحشو، بل يذكره تأكيدا على فكرة او شاهدا على قضية حدث في عهده أو عبرة باقية ..

التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!