كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

الدولة والسفينة… حين يستنزف الماء ويطالب بالصمت

الدولة والسفينة… حين يستنزف الماء ويطالب بالصمت

 في إحدى الحكم الخالدة المنسوبة إلى الفيلسوف الصيني كونفوشيوس، يشبه كيان الدولة بالسفينة ويشبه الشعب بالماء الذي يحملها. فالسفينة مهما بلغت قوتها أو فخامتها لا تستطيع الإبحار من دون الماء، كما أن هذا الماء نفسه قادر إذا اختل التوازن، على إغراقها
ليست هذه الحكمة مجرد صورة بلاغية، بل رؤية سياسية وأخلاقية عميقة للعلاقة بين الحاكم والمحكوم، علاقة تقوم على الاعتماد المتبادل، لا على الهيمنة أو الإقصاء
لكن ماذا لو حاولت السفينة أن تبحر ضد الماء؟
وماذا لو أجبر الماء على حملها وهو مثقل، صامت، ومحروم حتى من حق الاعتراض؟

الدولة حين تفقد بوصلتها
في التجربة العراقية المعاصرة، تبدو الدولة وكأنها سفينة فقدت اتجاهها. فبدلا من أن تكون القوانين أداة لتنظيم الحياة العامة وتحقيق العدالة الاجتماعية، تحولت في كثير من الأحيان إلى وسائل ضغط تثقل كاهل المواطن، وتمنحه القليل مقابل الكثير الذي يطلب منه.
تشريعات لا تراعي الواقع المعيشي، وقرارات تتخذ بمعزل عن احتياجات الناس، ومؤسسات تعاني من فساد بنيوي، كل ذلك جعل مفهوم الدولة لدى المواطن أقرب إلى عبء ثقيل منه إلى مظلة حماية. وهنا لا تعود السفينة رمزاً للأمان، بل تتحول إلى هيكل متآكل، ترمم واجهته بينما تتسع الثقوب في داخله.

الشعب… ماء مرهق
أما الشعب العراقي، فهو ذلك "الماء" الذي ما زال يحمل السفينة رغم كل شيء، يحملها عبر الصبر الطويل، وتحمل الأزمات، والقبول بواقع خدمات متردية، وبطالة متفشية، وتفاوت صارخ بين من يملك السلطة ومن يكتوي بنارها.
هذا الشعب ليس صامتاً لأنه راض، بل لأنه منهك، ليس ساكناً لأنه ضعيف، بل لأنه جرد مراراً من أدوات التأثير، حتى بات يشعر بأن صوته لا يصل، وأن مشاركته لا تغير
السكوت هنا لا يمكن تفسيره على أنه ولاء مطلق أو قبول دائم، بل هو في كثير من الأحيان سكوت العاجز، أو صمت من أثقل عليه الحمل حتى لم يعد قادراً على الصراخ.

الخلل في العلاقة
تكمن الإشكالية الجوهرية في أن العلاقة بين الدولة والشعب، وفق منطق الحكمة القديمة، يجب أن تقوم على التوازن لكن الواقع العراقي يظهر علاقة مختلة: الدولة تطالب الشعب بالتحمل الدائم دون مساءلة وتحمله نتائج الفشل السياسي والاقتصادي. بينما تصادر إرادته، أو تفرغ مشاركته من مضمونها
في هذا السياق، تتصرف السلطة وكأن السفينة هي الأصل، والماء مجرد وسيلة، بينما الحقيقة التاريخية تقول إن السفن لا تخلد، لكن الشعوب هي التي تبقى.
اخيرا
إن بقاء الدولة العراقية واستقرارها الحقيقي لا يتحققان بكثرة القوانين، ولا بشدة القبضة، بل بإعادة بناء الثقة مع الشعب، وإشراكه فعلياً في القرار، وضمان أن تكون العدالة هي البوصلة، لا المصالح الضيقة
فالماء قد يظل هادئاً طويلاً لكن السفينة التي تستهين به تنسى أن الهدوء ليس ضعفاً، بل انتظار لحظة التوازن أو الانفجار.

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!