أن أخطر أنواع القيود تلك التي تقيد الفكر وتؤسره وتمنعه من التفكير السليم والمنطقي ، السجن الحقيقي هو الذي يكبل العقل بأغلال وقيود العشوائية الفكرية المبعثرة، فالقيود الجسدية ترى وتحس وتلمس بينما المعنوية النقيض تماماً منها، إن المشكلة التي عانى منها الأمام علي (ع) بعد توليه للخلافة هو كيف يحرر الأمة والرعية ويعيد لهم الوعي والأدراك بأنهم أحرراً ؟، بعد التغيب الممنهج الذي تشبعوا به ، هذا التفكير يحتاج جهداً جهيد هو كيف يعيد للجسد المقيد بأنماط العبودية التي غيرت وجه الحقيقية لديه ؟ كان يريد الامام للناس أن يكون لهم وعياً ذاتياً هم يشكلونه بفهمهم وأدراكهم ليشكلوا مسيرة حياتهم الصيحية عن طريق الحرية التي ينعمون بها ، الاستعباد الخفي الذي حذر منه الامام هو أن تسلط الطغاة على الأنسان ثم يكون نسخة ممسوخة وأداة طيعة ليس لها وجود يخدم بيئتهم السلطوية، ثم يبدأ بعد ذلك المرء بأنتاج آليات يتبناه بأعتبارها جزء من مشروعه النهضوي أنما هي مشروع خراب ومدمر للنفس البشرية، أراد الأمام الانضباط الداخلي في المراقبة الذاتية لسلوك وأفعال الناس من خلال توفير وتأمين الجانب المعيشي لهم ليشعروا بألأمان ، وهو القائل ( لو كان الفقر رجلا لقتلته) لأنه يدرك أن التحكم بقوت الانسان والمساومة عليه يجعل منه عبداً ذليلاً وبمرور الزمن يتحول هذا الأذلال الى فقدانه لقيمه ومبادئه ، وقوله عليه السلام : ( الّلهمّ إنّك تعلم أنّه لم يكن ما كان منّا تَنافُساً في سُلْطان، ولا اْلتِماساً من فضول الحطامِ، ولكن لنُرِيَ المعالِمَ من دينك، ونُظْهِر الإصلاحَ في بلادِك، ويأمن المظلُومونَ مِنْ عبادك ، و تُقامَ المُعَطَّلةُ مِن حُدودِكَ) تنبأ الامام أن السجون الحقيقية ليست تلك المبنية من الحديد والفولاذ المحاطة بالأسوار وكاميرات المراقبة حديثاً التي من الصعب الفرار منها ، بل تلك التي يُسجن بها أرادته وهويته وروحه والتي هي المحرك الأساسي لعزيمته ، حتى الانغلاق والتطرف المعرفي عالجة (ع) بالحب المودة والتسامح والعفو وإلاحسان ولعل قاتله خير دليلاً وشاهداً على ماكان يُحدث به الناس عن أقواله في التسامح فقد أطعمه من طعامه وسقاه من مشربه فضلاً عن المعاملة الحسنى وهو القاتل لخليفة المسلمين ، الثقافة التي كان يحملها علي ليست نظريات بل كانت ترجمة فعليه لكل حرف ينطق به مع المسلمين وغيرهم من الملل الأخرى في تقبل رؤاهم وأطروحاتهم ومناقشته بالحسنى .

التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!