كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

بكت السماء

عندما نتحدث عن الإعجاز الكوني، يقف العقل متفكرًا حائرًا أمام خالق هـٰذا الكون العظيم، فلا يملك إلا التسليم والإذعان له تعالى، إن جميع ما خلق الله من موجودات وإن كان بعضها جامدًا لا حياة فيه فهو بشكل أو بآخر يشعر ويتفاعل ويترك بصمة فريدة لا يمكن تجاهلها أو نسيانها.
خلق الله سبحانه الكون وجعله مسخرًا للإنسان لإعماره وجعل كل منهما مؤثرًا في الآخر فتأثير الإنسان المادي على الكون أمر واضح جلي بناءً وهدمًا.
ويتأثر الكون بموت المؤمن ففي الحديث النبوي (إذا مات المؤمن بكت عليه الملائكة وبقاع الأرض التي كان يعبد الله عليها وأبواب السماء التي كان يصعد أعماله فيها وثلم ثلمة في الإسلام لا يسدها لإن المؤمنين حصون الإسلام كحصون المدينة) (١)
لكن كلما تسافل الإنسان كان كأن لم يكن  ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاء وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ﴾ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفُضَيْلِ الْهَمْدَانِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عن أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)، قَالَ: «مَرَّ عَلَيْهِ رَجُلٌ عَدُوٌّ لِلَّهِ وَ لِرَسُولِهِ، فَقَالَ: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاء وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ﴾، ثُمَّ مَرَّ عَلَيْهِ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ (عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ)، فَقَالَ: لَكِنَّ هَذَا لَتَبْكِيَنَّ عَلَيْهِ السَّمَاءُ وَ الْأَرْضُ، وَ قَالَ: وَ مَا بَكَتِ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ إِلاَّ عَلَى يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا وَالْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ (عَلَيْهِمُ السَّلاَمُ).(٢)
فكلما تكامل الإنسان كلما كان تأثيره على هـٰذا الكون أقوى 
وعن علي بن الحسين (عليه السلام) قال: إن السماء لم تبك منذ وضعت إلا على يحيى بن زكريا والحسين بن علي (عليهما السلام)، قلت: أيُّ شيء بكاؤها؟ قال: كانت إذا استقبلت بالثوب وقع على الثوب شبه أثر البراغيث من الدم.
إن بين يحيى بن زكريا والإمام الحسين عليهما سلام الله شبهًا كبيرًا من نواح عدة، خصوصًا في طريقة القتل وسببها، وإن يوم الحسين أشد وأعظم، فقد وقف يحيى بن زكريا أمام فرعون زمانه ينهاه عن المنكر فما كان منه إلا أن قتله ووضع رأسه الشريف في طست، وإن سيد الشهداء وقف أمام الظلم فضحى بنفسه وبأهل بيته وأصحابه حتى لم يبق منهم باقية، وقدم القرابين الواحد تلو الآخر لله تعالى شيوخًا وشبابًا وأطفالًا وهو يخاطب الله عزوجل قائلًا (إن كان هذا يرضيك فخذ حتى ترضى) وهـٰذا الإيمان العظيم ظهر بشكل بارز في سلوكه فقد كان عليه السلام في أعلى درجات الرضا والتسليم فكان يقول (إنا قوم نسأل الله ما نحب فيمن نحب فيعطينا، فإذا أحب ما نكره فيمن نحب رضينا).
وتشهد له المواقف المريرة يوم العاشر عند اشتداد المصائب عليه وذلك لما قتل رضيعه بين يديه قال (هوَّن ما نزل بي أنه بعين الله) وقوله حين أصيب بسهم (اللهم إن هـٰذا فيك قليل)
وقد وفق الشاعر إبراهيم بن أدهم حين قال على لسان الإمام الحسين عليه السلام:

تركتُ الخلقَ طرًا في هواك    وأيتمتُ العيال لكي أراك
فلو قطَّعتني في الحبِّ إربًا      لما مال الفؤاد إلى سواك

قال الإمام علي بن الحسين عليه السلام: (لما اشتد الأمر بالحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام، نظر إليه من كان معه فإذا هو بخلافهم، لأنهم كلما اشتد الأمر تغيرت ألوانهم، وارتعدت فرائصهم ووجلت قلوبهم، وكان الحسين عليه السلام وبعض من معه من خصائصه تشرق ألوانهم، وتهدأ جوارحهم، وتسكن نفوسهم.
فقال بعضهم لبعض: انظروا لا يبالي بالموت!! فقال لهم الحسين عليه السلام:
صبرًا بني الكرام فما الموت إلا قنطرة تعبر بكم عن البؤس والضراء إلى الجنان الواسعة والنعيم الدائمة، فأيكم يكره أن ينتقل من سجن إلى قصر؟ وما هو لأعدائكم إلا كمن ينتقل من قصر إلى سجن وعذاب، إن أبي حدثني عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): إن الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر. والموت جسر هؤلاء إلى جنانهم، وجسر هؤلاء إلى جحيمهم، ما كذبت ولا كذبت). (٣)
فلا عجب أن يبكي الكون بأسره دمًا لابن سيد الأنبياء والمرسلين وابن سيد الوصيين وابن سيدة نساء العالمين صلوات الله عليهم أجمعين 

رزءٌ إذا اعتبرته شَمْسُها انكسفت    فَمِثْلُها العِبْرةُ الكبرى لمُعْتَبِر
وإن بكى الْقَمَرُ الأعلى لِمَصْرَعِهِ    فما بكى قَمَرٌ إلاَّ على قَمَرِ
أيُّ الَمحَاجِرِ لا تبكي عليكَ دماً    أبكيت والله حتى محجر الحجر
………………….
(١) تفسير الميزان - السيد الطباطبائي - ج ١٨ - الصفحة171
(٢) البرهان في تفسير القرآن للسيد هاشم البحراني ج٥ص١٤
(٣) بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج٤٤ص٢٩٧
(٣) بحار الأنوار ج٤٥ص٢١١

44-29.png

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!