يعدّ مبدأُ " سيادةِ القانونِ فوقَ الجميعِ " ركنا أساسيا في بناءِ الدولِ وقياسِ تقدمها، بغضِ النظرِ عنْ شكلِ أنظمةِ الحكمِ فيها فهذا المبدأ، كما هوَ معلوم، يعني أنْ يطبقَ القانونُ على الجميعِ بلا استثناء، وأنْ يظلَ ميزانُ العدالةِ قائما لا يميلُ لفئةِ على حسابٍ أخرى. وقدْ عبرِ القرآنِ الكريمِ عنْ هذا المعنى في قولهِ تعالى: (يا أيها الذينَ آمنوا كونوا قوامينَ بالقسطِ شهداء للهِ ولوْ على أنفسكمْ ) ، سورةُ النساء: (135) . لتبقى العدالةُ مرجعا لا يقبلُ التلاعبُ به. يرتبطَ مبدأ (القانونُ فوقَ الجميع) بفكرةِ سيادةِ القانون، الذي يعني أنَ الجميعَ خاضعٌ للقانونِ دونَ استثناء: الحكامُ والمحكومون، الأفرادُ والمؤسسات. ظهرتْ فكرةَ سيادةِ القانونِ بوضوحِ في الفكرِ السياسيِ الأوروبيِ منذُ القرنينِ (17 و 18) معَ فلاسفةٍ مثلٍ (جونْ لوكْ ومونتسكيو) الذينَ أكدوا ضرورةُ خضوعِ السلطةِ للقانون.
تعمدَ بعضُ الدولِ الحديثةِ العهدَ بالديمقراطية، في تفريغِ هذا المفهومِ منْ محتواه، فتغدو سيادةُ القانونِ شعارا لا واقعا، تثقلهُ الاستثناءاتُ والامتيازاتُ التي تمنحُ لمجموعاتٍ محددة، تفصلَ القراراتُ على مقاسها وتعلو على منْ سواها- بلا وجهِ حق- وكما يقولُ المثل: " إذا فسدَ الحاكمُ فسدَ الزمانُ "، لأنَ الفسادَ يبدأُ صغيرا ، ثمَ يتمددُ حتى يصيرَ ثقافةً، تهمشُ الصالحينَ وتكرسُ نفوذ غيرُ الأكفاء. ومما شهدَ عليهِ العالمُ مؤخرا، استقالتْ رئيسةُ البرلمانِ النرويجيِ (إيفا كريستينْ هانسن) بعدَ الكشفِ عنْ استخدامها شقةً حكوميةً رغمَ امتلاكها منزلاً قريبا منْ العاصمة، ما يعدُ مخالفةً للقواعدِ التي أثارتْ جدلاً واسعا في البلادِ باعتبارِ المنصبِ الأعلى في البرلمانِ يفترضُ أنْ يجسدَ النزاهة، فالكذبُ لا يصنعُ قائدا، ومنْ يخدعُ المؤسساتِ التشريعية، لا يمكنُ أنْ يكونَ ممثلٌ لشعبٍ اختاره. هذهِ التجربةِ تذكرنا بأنَ الشفافيةَ ليستْ ترفا، بلْ معيارا لمدى احترامِ المسؤولِ لنفسهِ قبلَ منصبه.
وفي المقابل، نجدُ الكثيرُ منْ الأحزاب والكتلِ السياسيةِ الحديثةِ بالديمقراطية، تحاولَ جاهدةً بكلِ الطرقِ منْ إعادةِ تدويرٍ لوجوهٍ سياسيةٍ في مناصب الدولة القيادية، من التي شاختْ أفكارها، مرفوضةً منْ شعبها، وانكشفتْ تواريخها، حتى صارتْ سيرها معروفةً منْ المقدمةِ إلى الخاتمةِ بسببِ العنادِ السياسيِ الذي يطغى على صوتِ العقل. وكأنهمْ لمْ يسمعوا الحكمةُ القائلة: " منْ كررَ نفسَ الأدوات، أعادَ نفسَ النتائجِ ". بينما يتغاضى عن صوت الشعبُ المطالب بالتغيير، وتواجه مطالبهُ بالصمت.
إنَ التغييرَ الحقيقيَ يحتاجُ إلى إرادةٍ لا إلى عذر، فاستمرارُ تجاهلِ صوتِ الشعب، والإصرارُ على إدارةِ الدولةِ بالطريقةِ ذاتها، لا يؤدي إلا إلى مزيدٍ منْ التراجع.
قالَ الله سبحانهُ وتعالى: (إنَ اللهَ لا يغيرُ ما بقومٍ حتى يغيروا ما بأنفسهمْ ) . سورةُ الرعد: (11 ) . فلا نهضةً بلا إصلاح، ولا إصلاح بلا احترامٍ للقانون، ولا احترام للقانونِ دونَ مساواةٍ بينَ الجميع. حكاما ومحكومين. إنَ الأمةَ التي تريدُ النهوض، تمتلكَ منْ العقولِ والنخبِ والخبراتِ ما يكفي لقيادةِ التغيير المطلوب شعبيا، ولكنْ لا بدَ منْ فتحِ الأبوابَ لهم، لا سدها بوجوهٍها بسام الانتخابات المعروفة.....! ويبقى الأملُ قائما ما دامتْ الشعوبُ تنطقُ بالحق، وما دامتْ الأصواتُ الحيةُ تردد: " كفى ".


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!