يا سيدتي...
أيتها السحابةُ التي ظلّلتْ قلبَ محمّد
يا آخرُ ما تبقّى من دفءِ النبوّة
حين كانت الأرضُ تتعلّم معنى الرحمة
من خطواتِك الهادئة
يا امرأةً كانت إذا مشت
تفتحُ الملائكةُ الطرقَ لها
وتنحني الجدرانُ خجلاً
من نقاءِ نظرتِها
كيف أستقبلُ رحيلكِ
والليلُ بعدكِ
صار أكثرَ وحشة
وأكثرَ ثقلاً
وأكثرَ قسوةً على القلوبِ
التي لم تتعلم العيشَ بغير ظلّك ؟
كيف أشرحُ للريح
أنكِ رحلتِ...
وأن البيتَ الذي كنتِ فيه
ما عاد بيتاً
بل صار تاريخاً يتذكّرُ وجعكِ
ويتذكّرُ يدَكِ
وهي تُمسِكُ الألم
وتخبّئه وراء ابتسامةٍ
كي لا يحزنَ الحسنُ والحسين ؟
يا سيدتي...
يا انفطارَ قلبٍ
لم يُروِهِ ماءُ الدنيا
يا نهرَ دمعٍ
ظلّ يجري في ذاكرةِ الأجيال
منذ أن أغلقتِ عينيك
على آخرِ ما تبقى من نورِ الصبر
أيتها الطاهرة
يا مَن صارت وصيتُكِ
جرحاً يسكنُ المدينة
وصمتاً يقفُ عند بابكِ
ينتظرُ أن يعودَ صوتُكِ
ليملأ أروقةَ الأيام
كم يشبهُ رحيلُكِ
غروباً مفاجئاً
يغادرُ دون أن يمنحَ العيونَ
فرصةَ الاعتياد
ودون أن يتركَ للقلوب
وقتاً لتتصالحَ مع الفقد
يا سيدتي...
يا يدًا كانت إذا رفعتها للسماء
استحى القدرُ أن لا يستجيب
يا قلباً لو انشطرَ
لأضاءت أنصافُهُ
أركانَ الأرضِ الأربع
أخبريني...
كيف استطعتِ أن تتحمّلي كلَّ ما جرى ؟
كيف استوعبتِ ذاك الألم
الذي لو نزلَ على جبلٍ
لتصدّع ؟
وكيف خبأتِ وجعكِ
عن عينَي أبي الحسن
كي لا تزيدي جرحه ؟
يا سيدتي...
حتى الترابُ
الذي غطّى جسدكِ بكى
والليلُ الذي استقبل رحيلكِ
انخفضتْ نجومُه
كأنها ترفضُ
أن تُضيءَ في غيابك
يا من كنتِ لحظةَ رحيلكِ
أشدَّ حضوراً
وأقربَ إلى أرواحِنا
من كلِّ ما نراه
يا من صار اسمُكِ
نبوءةَ حزنٍ
تسكنُ كلَّ قلبٍ يعرفُ معنى الطهر
سلامٌ عليكِ...
سلامٌ يخرجُ من حنجرةٍ
تعوّدتِ البكاءَ بصمت
سلامٌ على قبركِ
الذي لا نعرف مكانه
فصار كلُّ مكانٍ مكانَك
وكلُّ أرضٍ
قابلةً لأن تكونَ ارضاً لكِ
سلامٌ عليكِ
حين كنتِ ضحكةً صغيرة
تفتحُ بابَ البيتِ على الفرح
وحين أصبحتِ أمّاً
تعطي من قلبها
ولا تأخذ شيئاً
وحين صِرتِ نوراً
يبتعد عن جسدِهِ
ليعود إلى الله
يا سيدتي...
ما أطهرَكِ !
وما أثقَلَ ذكراكِ
على قلبٍ
يعرفُ أنكِ لم تكوني امرأةً فقط
بل معنى ورمزاً
وحلماً لا ينتهي
سلامٌ عليكِ...
في الموت، وفي الحياة
وفي كلِّ ما يتذكّرُه الناس
وفي كلِّ ما لا يستطيعون نسيانَه...


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!