الدولة الحمدانية بالموصل وعلاقتها بهجرة الاشراف لوسط وجنوب العراق " دراسة تاريخية تحليلية وفق الادلة وعامل الزمن والارتباط بين الوجود الشيعي الموصلي والتصوف الشيعي العلوي
نشأت الدولة الحمدانية في القرن الرابع الهجري في ظل ضعف الخلافة العباسية، وبرزت في الموصل وحلب بقيادة بني حمدان من قبيلة تغلب العربية. كان مؤسسها الفعلي ناصر الدولة الحسن بن عبد الله، وبلغت أوجها في عهد سيف الدولة علي بن عبد الله بن حمدان الذي جعل من حلب مركزاً للعلم والأدب. امتدت حدودها من الموصل والجزيرة شرقاً إلى حلب وأنطاكية غرباً، وارتبطت بعلاقات متقلبة مع الخلافة العباسية بين الولاء والاستقلال. تميّزت سياستها الدينية بالتسامح واحتضان العلماء من مختلف المذاهب، وكان لها ميل نحو الزيدية والإمامية مع قرب من أهل السنة، كما شهدت ازدهاراً صوفياً واسعاً تأثر بمدارس الحلاج والجنيد والفارابي. وفّرت الدولة الحمدانية ملاذاً آمناً للسادة الحسينيين الذين هاجروا من الحجاز والكوفة وبغداد نتيجة الملاحقات السياسية. استقر كثير منهم في الموصل، ومنهم أجداد الأمير فرج الحسيني الموصلي الذي حمل لاحقاً إرثهم الديني والسياسي نحو الجنوب. لقد هيّأت الموصل بيئة علمية وصوفية خصبة شكّلت نقطة انطلاق للهجرة الحسينية إلى البطائح وميسان في العصور اللاحقة. تعد مملكة ميسان من أقدم الكيانات العربية في جنوب العراق، تأسست نحو منتصف القرن الثالث قبل الميلاد على يد الكلدانيين العرب، وجعلت من مدينة خاركس المحمرة لاحقاً عاصمة لها. عرفت ميسان بتنوعها الديني واللغوي، فقد ضمّت عرباً وآراميين وفرساً وسرياناً، وكانت لغتها الرسمية الآرامية، وتُرجمت نصوصها إلى الإغريقية والفارسية. تأثرت بثقافات الفرس والترك لاحقاً، ومع الفتح الإسلامي كانت جزءاً من أرض البصرة لكنها تميّزت ببيئتها المائية الواسعة التي شكلت عائقاً أمام الجيوش. ويُروى أن الإمام علي عليه السلام مرّ بأطرافها أثناء تحركه إلى البصرة في معركة الجمل. كما وُجد فيها قبر النبي عزير عليه السلام الذي عاش في القرن السادس قبل الميلاد، وهو من أنبياء بني إسرائيل الذين بُعثوا بعد السبي البابلي، مما يدل على عمق التعدد الديني في ميسان القديمة. ولد السيد أحمد الرفاعي في البطائح سنة 512 هـ، من ذرية الإمام موسى الكاظم، وأسس الطريقة الرفاعية التي انتشرت في جنوب العراق. كان له تأثير روحي بالغ في مناطق العمارة، وخرج من مدرسته عدد من الأقطاب أبرزهم السيد عمار الداعي الصوفي، وهو من أجداد السيد فرج العذاري الحسيني. تُنسب تسمية العمارة في أحد الآراء إلى هذا السيد عمار، الذي أسس طريقته العمارية وانتقل بعدها إلى الشام أو المغرب العربي. شكّلت هذه المدرسة الرفاعية الأرض الروحية التي مهدت لقدوم الأشراف الحسينيين واستقرارهم في البطائح. بعد سقوط الدولة الحمدانية في القرن الخامس عشر الميلادي، هاجر الأمير فرج بن عذار الحسيني من الموصل باتجاه الجنوب عبر ذي قار حتى وصل ميسان. اختار منطقة كرمة علي ومجمع دجّه على ضفاف الفرات موطناً له، حيث وجد بيئة آمنة تحكمها الأعراف القبلية المتصالحة. كوّن تحالفات واسعة مع قبائل ربيعة وبني لام، فحافظ على نسبه العلوي الشريف مع انخراط أسرته في التركيبة القبلية المحلية، مما جعل البعض يظنهم من ربيعة أو تميم، وهو اندماج اجتماعي أكثر منه نسبياً. عرف السيد فرج بحكمته وزعامته الروحية، وكان له مضيف يُقصد للصلح والمشورة، وتناقلت الأجيال قصائد في مدحه. ومن ذريته السيد عمارة العذاري الذي قاد ثورة المشاحيف عام 1915 ضد الاحتلال البريطاني في العمارة، واستشهدت ابنته أم رمانة التي سميت المنطقة باسمها لاحقاً. أدار السيد فرج علاقاته مع القبائل بعقل سياسي رصين، فأسس شبكة تحالفات تحفظ الأمن وتضمن الاستقرار، واستطاع عبرها أن يدمج الطابع العلوي الصوفي في بنية المجتمع الميساني. كان لذريته دور بارز في نشر القيم الحسينية ومناهضة الانقسام القبلي والطائفي، وبقيت العمارة مركزاً روحياً يجمع العشائر على الولاء لأهل البيت. هذا الامتداد العلوي في ميسان أعاد للمنطقة هويتها التاريخية كجسر حضاري بين الموصل والجنوب العربي. إن الهجرة الحسينية من الموصل إلى ميسان ليست مجرد انتقال جغرافي، بل مسار حضاري وديني طويل جسّد تلاقي الصوفية العلوية بالبيئة الجنوبية العراقية. تبدأ القصة من الدولة الحمدانية التي آوت السادة الحسينيين، مروراً بالمدرسة الرفاعية التي هيّأت الروح الميسانية، وصولاً إلى الأمير فرج العذاري الذي جسّد قيم النسب والسياسة والروح. وهكذا ظلّت ميسان عبر العصور مرآةً لوحدة النسب والرسالة، وموطناً للأشراف والعلماء والمتصوفة، ورمزاً دائماً للسلام العراقي العلوي.
المصادر والمراجع
1. Bosworth, C. E. The Hamdanids of Aleppo, Cambridge, 1967
2. Philip K. Hitti, History of the Arabs, London, 1960
3. Wilferd Madelung, The Succession to Muhammad, Cambridge, 1997
4. محمد بن يعقوب الكليني، الكافي، قم
5. أبو نصر الفارابي، كتاب الموسيقى الكبير، بغداد
6. السيد أحمد الرفاعي، الكتاب الرفاعي، بغداد، القرن السادس الهجري
7. Le Strange, G. Mesopotamia under the Hamdanids, London, 1900
8. الطبري، تاريخ الرسل والملوك، بغداد


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!