كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

قوارير العراق


قوارير العراق في موسوعة حديثة
*الدكتور سعد الحداد 
للحليين باع طويل في انتاج السِّير والتراجم ، ابتداءً بما يتعلق بعلم الرجال وفهارس المؤلفين والكتب وصولًا الى السِّير العامة بأَصنافها وأَشكالها المتنوعة. فهذه المدينة أَنتجت الكثير من تلك المصنفات، وقدمت العديد من الأَسماء اللامعة المشتغلين في هذا المجال ، وليس هنا بصدد الحديث عنهم ، لكن اللافت للنظر أَنَّ الحلَّة هي أَكثر الحواضر التي امتازت بكُتَّابِ التراجم والسِّير وغيرها من الموسوعات على مرِّ القرون.  
وليس بوسع المرء إلَّا أَن يقف مُطريًا أَمام آخر منجزٍ ظهر للقرَّاء نَهَدَتْ بتأليفِهِ امرأةٌ، فتحت بصبرها وأَناتها آفاقًا رحبةً لتصل لمبتغاها، وتقدِّمَ للناس ماينفعهم، ويغنيهم عن البحث وهدر الوقت. فهذا الباب من التأليف شائكٌ أَحيانًا ومتعبٌ على الرغم ممَّا فيه من امتياز الحصول على المعلومات وكشف خفايا ما توارى عن الانظار وإضاءة أَسرار تؤدي إلى الإحاطة بجوانب من سيرة علم ما، أَو إرضاء لنزعة الفضول للوصول الى كنه سيرته .
فتجربة العمل في تقصِّي سير الإعلام وتراجمهم وآثارهم وما يتعلق بهم من جوانب مختلفة في مستوياتها ومجالاتها. وقدرة الإمساك بكل شاردة وواردة هي تجربة تحاط دائمًا بثمار النفع العام في مخرجاتها، غير أَنَّها تتطلب الصَّبر والتأني وبذل المال والجهد. ويجب فيها صدقية النقل وأَمانة الاشارة للمصدر. ومعالجة ما يراه المؤلف خارج السياق كالخطأ المطبعي، أَو الموقف التأريخي المحرَّف، أَو نقل بلا تمحيص، فيشير إليه تصويبًا، وتصحيحًا. أَو يتجاهل إعادة نشره فليس كل ما يكتب من ثناء ومدح هو حقيقة مطلقة. وليس كل ما ينشر مؤهل للتصديق به، لكثرة المغالاة أَو المحاباة وغيرها، وعلى المتصدي التمحيص والتدقيق والمحايدة كي لايقع في المحذور فيكون عمله زَبَدًا.   
وليس كل ما دوِّنَ كان خاضعًا لشروط صارمة، فبعض المؤلفين في هذا الباب لم يكلفوا أَنفسهم عناء الاتصال بالأَحياء ممَّن يرومون الكتابة عنهم ليتأكدوا من صحة معلومة ما أَو الأخذ المباشر شفاها عن العَلَمِ نَفسِهِ، وربَّما يعزف بعض الأَعلام عن التحدّث في سيرتهم. ومنجزهم وعطائهم زهدًا ظنًّا منهم أَنَّهم لم يقدموا ما يستحق الذكر أَو النشر، وفي ذلك إجحاف كبير للتوثيق التاريخي. 
وكم مثل ذلك في كتب الأَدب والسير والتراجم التي يرى فيها القارئ أَو الباحث نقصًا مخيبا للآمال وهو أمام نتاجٍ مبهر لعلم لم تدون سيرته إلَّا بسطر أَو سطرين، وربَّما ورد الاسم فقط ولدينا شواهد كثيرة للأسف الشديد حرمت الأَجيال اللاحقة من التَّعرف على حياة ذلك العَلَم والاحاطة بظروفه الحياتية والمجتمعية والعوامل المؤثرة المرتبطة بإبداعه. فكثير من الدراسات بمساراتها المختلفة تنتزع التفسير للوصول إلى تحديد موقف ما من خلال الربط بين النتاج ومؤلفه.
 وخلاصة القول أَنَّ العمل في باب السِّير والتراجم عملٌ مُضنٍ مُتعبٌ مرهقٌ، لكنَّه جميلٌ ولذيذٌ يُقدِّمُ وجبةً طازجةً قليلةَ التكلفةِ، كثيرةَ الفائدةِ، تُغنيكَ عن ساعاتٍ من البحثِ في أَرطالٍ من الورقِ للإلمام بسيرة شخص ما.
وما جادَ به مِدادُ السيدة الفاضلة رجاء العسلي في تدوين سِير النساء حصرًا هو عرفانٌ بتلك الطاقات الخلاقة في بلد الجمال يضاف إلى بساتين ما تقدم من عالم رحب في إشباع رغبة التعرف على سير مبدعات أَو عاملات لهنَّ نشاط يمتاز عن غيره بالتفرّد والسُّمو.
 وسبب الاندفاع في التأليف له ما يحفزه في نفس السَّيدة العسلي، وهي ترى بأُمِّ عينيها ما كان يبذله زوجها المرحوم خليل إبراهيم نوري من جهد للوصول إلى غايته في كتابه الموسوم (من رائدات النهضة الحديثة في العراق 1920-1958م) والصادر سنة 2024م. فكانت أَن وضعت بصمَتَها لنصفِ قرن، وهي تخطو بتؤدة للوصول إلى مبتغاها باحثةً تسألُ عن كلِّ شيء، وتبحث عما ينفعها في عملها ، وكم كانت وفية وهي تواصل خطواتها على آثار الراحل، فتكون بذلك امتدادًا طيبًا فتح مجالًا للحركة في إتمام ما بدأَ به الراحل من جهة، ولها في قهر روتين الحياة اليوميَّة والإصرار على تقديم النافع والجديد فهو مفتاح السعادة والشعور اللذيذ بالإسهام بما ينفع الناس.
لقد قدَّمتْ السَّيدةُ المؤلفة نماذجَ باهرةً من نسوةِ العراق اللائي أَضاءتْ سيرُهنَّ اشراقًا معرفيًّا يَنُمُّ عن استمرار الإرث الحضاريِّ مع روح هذا البلد العظيم بثقافاته واثنياته المتعددة. وجمعتْ بين دفتين مالم يجمع لعقول مختلفة في التفكير والاتجاه والانتماء فكان خير ما يصوِّر بعض الملامح لنصف قرن من تاريخ العراق (1920-1970).  
وقُسِّمَ الكتابُ الى ثمانية أَبواب هي (الأَدب والشعر، الأَكاديميات، الفنون، التربية والتعليم، الطبّ والصيدلة، الصحافة، سياسيات وناشطات، القضاء)، وعدد النساء المترجم لهنَّ في كلِّ باب على التوالي( 90، 70، 68، 59، 49، 34، 32، 11)، ما مجموعه(413) امرأة مبدعة ورائدة عراقية (اسهمن جميعًا في رسم ملامح عراق يطمح الى الحداثة والتطوير)  ، وجاءت نسبة الأَديبات والشواعر أَعلى الأَبواب، وهو شيء طبيعي لما يتمتع به هذا الباب الإبداعي من خصائص مجتمعية ومعرفية ، فالعراق هو بلد الشعر والأَدب بخلاف الأَبواب الأخرى الحافلة بالمهن، وربما يدخل الإبداع مع المهنة فلا ضير أَن تكون الطبيبة شاعرة أَو المحامية شاعرة أَو الصّحافية شاعرة وهكذا ، لكنَّ الشهرة في هذا الباب هي الأَوسع إلَّا في حدود المهن نفسها لما للنفس البشرية من مَيلٍ فطريّ الى المشاعر والأَحاسيس أَكثر من المهن بأَنواعها. وصدر الكتاب بصفحاته (470) صفحة من القطع الوزيري عن مؤسسة أَبجد للترجمة والنشر والتوزيع في بابل سنة 2025م. وافتتح بإهداء جميل من المؤلفة إلى أُمِّها التي وصفتها بـ(الحنون المبدعة... حبًّا، وفاءً، وامتنانًا). ومن المبدعة الأمِّ انطلقت السَّيدة العسلي إلى مبدعات العراق تقديرًا لدورهنَّ في بناء المجتمع والوطن. 
وحرصت المؤلفة على أَن ترفقَ مع كلِّ ترجمة صورة شخصية، وممن تعذَّر الحصول على صورتها عبَّرت عنها بتخطيط لوجه امرأة مطموسة المعالم. 
ومن الأَمانة العلمية أَشارتها إلى مصادر التراجم التي استعانت بها، واكتفت بذكر مصدر واحدٍ أَو مصدرين اثنين دونَ الإشارة إلى رقم صفحاتِ المصدر المنقول عنه. وَعرَّفت باللواتي ترجمَتْ لهنَّ في مفتتح الترجمة بصفتهنَّ الرَّسمية في أَبواب الكتاب، ثمَّ أَلحقت الصفات الأخرى، فمثلًا: (آمال عبد القادر الزهاوي.. أَديبة، وشاعرة وصحيفة...)، 
أَو (سعاد خيري.... كاتبة سياسية، وباحثة ومؤرخة)، وهكذا. أَو عند ذكر امتيازات خاصة فنقرأ مثلًا في ترجمة (سرية الخوجة.... أَوّل سفيرة ودبلوماسية عربية...)، أَو (ملك رزوق غنام.... أَوّل طالبة قانون في كلية الحقوق سنة 1932م)، أَو (بدرية إسكندر إسماعيل الجبوري.... أَوَّل مُدرِّسة في مدينة الحلّة..)، أَو (نعيمة عبد الحسين الوكيل.... باحثة وصحيفة ومحامية.. وهي أَوَّل امرأة رئيسة تحرير مجلة سياسية في العراق ، وهي مجلة "14 تموز" ). أَي أَنَّ المؤلفة استطاعت أَن تعطي إيجازًا جامعًا للريادة والإبداع معًا.
هذا ما استطاعت (موفقةً) السَّيدة رجاء عبد الكاظم العسلي أَن تَجمعه وتُحرِّره، ولو قُيِّضَ لها أَن تَتَقَصَّى أَكثر لكانت الحصيلةُ أَكبر، فليس من عملٍ إلَّا اعتراه النقصُ، فالكمالُ لله وحده تعالى، ولها في الطبعات القادمة مُتَّسعٌ للإضافة والاستدراك ان شاء الله. 

 

طباعة
2025/11/07
1,608
تعليق

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!