صفحة الكاتب : علي علي

حكم قره قوش
علي علي

   الحزم، الصرامة، العدل، الجرأة ومفردات أخريات لامناص من التحلي بها لمن أوكلت اليه مهمة صنع القرارات، يقابلها طبعا حسن التدبير والتدبّر في صياغتها والغور في أبعاد تداعياتها، مع الأخذ بعين الاعتبار الرعية التي ستشملها هذه القرارات، لاسيما حين يكون صانعها راعٍ ويدرك أن كلنا رعاة ومسؤولون عن رعيتنا.

  ولكن يبدو أن هذه القواعد في الإدارة لاتصح في كل الأزمنة والأماكن، وهذا ما أثبتته لنا بعض القرارات التي تصدر من لدن أرباب الدولة العراقية الحالية، سليلة حضارات السومريين والبابليين والأكديين، ومن شخوص تتربع على عروش قيادية من المفترض أن يكونوا أحفاد حمورابي ونبوخذ نصر، إذ الرعية تنتظر منهم التصرف السليم والرأي السديد في اتخاذ القرارات، ولاسيما السياسية منها، ولكن رياح العراقيين على مابدا تأتي دوما بما لاتشتهي السفن.

فبالرجوع الى الأحداث التي تدور في الأوساط السياسية خلال السنوات الماضية، نرى -أول ما نرى- أن التخبط في اتخاذ القرارت -ولاسيما المهمة والحساسة منها- عنوان وسمة وخصلة ملازمة لأولي أمرنا السياسيين، وأمرهم هذا يذكرني ببيت للشاعر زهير بن أبي سلمى يقول فيه:

رأيت المنايا خبط عشواء من تصب

            تمته ومن تخطئ يعمّر ويهرمِ

  والعشواء هي الناقة العوراء، فهي ترعى العشب الذي أمامها من جانب واحد، وهو الجانب الذي تراه عينها السليمة، وتخبطها في حالها هذا هو ذاته تخبط ساستنا، ولاسيما رئيسي المجلسين التشريعي والتنفيذي. إذ يتضح من خلال القرارات التي تصدر بين الحين والآخر، أنها تتخذ وفق مبدأ (شلّه واعبر)، او على منهج (قره قوش). وقره قوش كلمة تركية مركبة من مفردتين الاولى (قره) ومعناها اسود، والثانية (قوش) ومعناها نسر، وهو حاكم مشهور كان يحكم إحدى الدول، وروى عنه التأريخ أنه كان رجلا ظالما، يأمر الناس بما فوق طاقتهم، والويل ثم الويل ثم الويل لمن لايمتثل لها، واسمه الحقيقي بهاء الدين بن عبد الله الاسدي، وعرفت قراراته بالندرة، ولم يكن يراعي بإصدارها ما يترتب عليها من تبعات يتحملها مواطنو بلدته، حتى غدا حكمه مثلا في الظلم والغرابة والطرافة أيضا، فجرى عليه المثل القائل (حكم قره قوش). ويستشهد به المتكلم حين ينعت حاكما او قاضيا بغرابة القرارات الصادرة عنه. ومن قراراته الجائرة وغير المنصفة، يروى أن القضاء أصدر حكما بالإعدام شنقا على مجرم، وقد جرت العادة على تنفيذ الحكم في ساحة كبيرة في المدينة، وعلى مرأى جمهور غفير من أهلها، وبحضور (قره قوش) نفسه، ولما أزفت ساعة التنفيذ جاءوا بالمجرم وأصعدوه على منصة الإعدام، إلا أن القائمين على العملية تأخروا بتنفيذها بعض الوقت، وبينما هم في لغط وقيل وقال وتخبط في إتمام عملية الإعدام، استفسر (قره قوش) عن السبب في هذا الإرباك واللبك، فقالوا له أن الرجل المحكوم بالإعدام قصير، ورقبته لاتطال حبل المشنقة. فما كان من حاكمنا الفذ (قره قوش) إلا أن ألقى بنظرة فاحصة على جمهور الأهالي المتجمعين في الساحة، فإذا به يشير الى أطولهم قامة، ويأمر بجلبه واستبدال الرجل القصير المحكوم به، ولم يكن للمنفذين بد من الانصياع لأوامره، فأخلوا سبيل القصير، ونفذوا حكم الإعدام بالرجل الطويل المسكين، الذي لاذنب له سوى أنه مواطن في ولاية (قره قوش)..!

أرى أن ولاية (قره قوش) تشبه ولايتنا العراق الى حد كبير، و (قره قوش) نفسه يشبه كثيرين من الحكام الذين تعاقبوا على حكم العراق، من حيث اتخاذ القرارات والبت بها وتنفيذها، مع فارق بسيط أن الأول بطش بالرجل الطويل، أما الآخرون فلم ينجُ من بطشهم الطويل ولاالقصير، ما دام التخبط في اتخاذ القرارات ديدنهم وسجيتهم.

  

علي علي
 (للدخول لصفحة الكاتب إضغط هنا)

    طباعة   ||   أخبر صديقك عن الموضوع   ||   إضافة تعليق   ||   التاريخ : 2021/08/24



كتابة تعليق لموضوع : حكم قره قوش
الإسم * :
بريدك الالكتروني :
نص التعليق * :
 



حمل تطبيق (كتابات في الميزان) من Google Play



اعلان هام من قبل موقع كتابات في الميزان

البحث :



أحدث التعليقات كتابة :



  علّق كمال لعرابي ، على روافد وجدانية في قراءة انطباعية (مرايا الرؤى بين ثنايا همّ مٌمتشق) - للكاتب احمد ختاوي : بارك الله فيك وفي عطاك استاذنا الأديب أحمد ختاوي.. ومزيدا من التألق والرقي لحرفك الرائع، المنصف لكل الاجناس الأدبية.

 
علّق ابو سجاد الاسدي بغداد ، على العشائر الشيعية في ناحية "السعدية" بمحافظة ديالى العراقية تتصدى لهجوم تنظيم "داعش" الإرهابي : نرحب بكل عشيره الزنكي في ديالى ونتشرف بكم في مضايف الشيخ محمد لطيف الخيون والشيخ العام ليث ابو مؤمل في مدينه الصدر

 
علّق سديم ، على تحليل ونصيحة ( خسارة الفتح في الانتخابات)  - للكاتب اكسير الحكمة : قائمة الفتح صعد ب 2018 بأسم الحشد ومحاربة داعش وكانوا دائما يتهمون خميس الخنجر بأنه داعشي ويدعم الارهاب وبس وصلوا للبرلمان تحالفوا وياه .. وهذا يثبت انهم ناس لأجل السلطة والمناصب ممكن يتنازلون عن مبادئهم وثوابتهم او انهم من البداية كانوا يخدعونا، وهذا الي خلاني ما انتخبهم اضافة لدعوة المرجعية بعدم انتخاب المجرب.

 
علّق لطيف عبد سالم ، على حكايات النصوص الشعرية في كتاب ( من جنى الذائقة ) للكاتب لطيف عبد سالم - للكاتب جمعة عبد الله : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته شكري وامتناني إلى الناقد المبدع الأديب الأستاذ جمعة عبد الله على هذه القراءة الجميلة الواعية، وإلى الزملاء الأفاضل إدارة موقع كتابات في الميزان الأغر المسدد بعونه تعالى.. تحياتي واحترامي لطيف عبد سالم

 
علّق جعفر عبد الكريم الحميدي ، على المرجع الشيخ الوحيد الخراساني يتصدر مسيرة - للكاتب علي الزين : أحسنت أحسنت أحسنت كثيرا.. اخي الكريم.. مهما تكلمت وكتبت في حق أهل البيت عليهم السلام فأنت مقصر.. جزيت عني وعن جميع المؤمنين خيرا. َفي تبيان الحق وإظهار حقهم عليهم السلام فهذا جهاد. يحتاج إلى صبر.. وعد الله -تعالى- عباده الصابرين بالأُجور العظيمة، والكثير من البِشارات، ومن هذه البِشارات التي جاءت في القُرآن الكريم قوله -تعالى- واصفاً أجرهم: (أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ.. تحياتى لكم اخي الكريم

 
علّق ابو مديم ، على لماذا حذف اليهود قصة موسى والخضر من التوراة ؟ - للكاتب مصطفى الهادي : السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته : ملاحظة صغيرة لو سمحت سنة 600 للميلاد لم يكن قد نزل القرآن الكريم بعد حتى ان الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن قد خلق بعد حسب التواريخ حيث ولد عام 632 ميلادي

 
علّق احمد ابو فاطمة ، على هل تزوج يسوع المسيح من مريم المجدلية . تافهات دخلن التاريخ. - للكاتب إيزابيل بنيامين ماما اشوري : منذ قديم العصور دأب منحرفي اليهود الى عمل شؤوخ في عقائد الناس على مختلف أديانهم لأهداف تتعلق يمصالهم الدنيوية المادية ولديمومة تسيدهم على الشعوب فطعنوا في أصول الأنبياء وفي تحريف كتبهم وتغيير معتقداتهم . فلا شك ولا ريب انهم سيستمرون فيما ذهب اليه أجدادهم . شكرا لجهودكم ووفقتم

 
علّق سعدون الموسى ، على أساتذة البحث الخارج في حوزة النجف الأشرف - للكاتب محمد الحسيني القمي : الله يحفظهم ذخرا للمذهب

 
علّق احمد السعداوي الزنكي ، على العشائر الشيعية في ناحية "السعدية" بمحافظة ديالى العراقية تتصدى لهجوم تنظيم "داعش" الإرهابي : كلنا سيوف بيد الشيخ عصام الزنكي ابن عمنا وابن السعديه الزنكيه الاسديه

 
علّق سلام السعداوي الاسدي ، على نَوالُ السَّعْداويُّ بينَ كَيْلِ المَدِيحِ وَكَيْلِ الشَّتائم! - للكاتب زعيم الخيرالله : نحن بيت السعداوي الزنكي الاسدي لايوجد ترابط بيننا مع عشيره السعداوي ال زيرج

 
علّق جعفر عبد الكريم الحميدي ، على المرجعية الشيعية هي صمام الأمان  والطريق لأهل البيت - للكاتب علي الزين : لقد ابتليت الأمه الإسلامية في زماننا َكذلك الا زمنه السابقة بكثير ممن يسعون إلى الإهانة إلى الدين او المذهب. َولاغرابة في الأمر. هنالك في كل زمان حاقدين اَو ناقصين. َوبسبب ماهم فيه من نقص او عداء. يوظفون عقولهم لهدم الدين او المذهب.. لعتقادهمان ذلك سوف يؤدي إلى علو منزلتهم عندالناساوالجمهور.. تارة يجهون سهامهم ضد المراجع وتارة ضد الرموز.. حمى الله هذا الدين من كل معتدي.. أحسنت أيها البطل ابا حسين.. وجعلكم الله ممن تعلم العلم ليدافع او من أجل ان يدافع عن هذا الدين العظيم

 
علّق نداء السمناوي ، على لمحة من حياة الامام الحسن المجتبى عليه السلام - للكاتب محمد السمناوي : سيضل ذكرهم شعاع في طريق الباحثين لمناقبهم احسنت النشر

 
علّق علاء المياحي ، على جريمة قتل الوقت. - للكاتب إيزابيل بنيامين ماما اشوري : احسنتم سيدتي الفاضلة وبوركت جهودكم ..كنت اتمنى ان اعرفكم واتابعكم ولكن للاسف الان قد علمت وبدأت اقرأ منشوراتكم..دكمتم بصحة وعافية

 
علّق محمد مصطفى كيال ، على الأنوار - للكاتب إيزابيل بنيامين ماما اشوري : {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } [النور35] . انه الله والنبي والوصي.

 
علّق منير حجازي ، على الحشد الشعبي يعلن بدء عملية كبرى لتجفيف هورة الزهيري آخر معاقل الإرهاب في حزام بغداد : تخريب البيئة وخلق بيئة للتصحر عملية غير انسانية من قبل دولة المفروض بها تمتلك الامكانيات الجوية الكبيرة التي تقوم بتسهيل مهمة اصطياد الارهابيين والقضاء عليهم . يضاف إلى ذلك ما هو دور القوة النهرية التي تتجول في دجلة والفرات والحبانية وغيرها . ما بالكم امعنتم في ارض العراق وموارده تخريبا . سبب انقطاع الامطار هو عدم وجود المناطق الرطبة الموازية التي تغذي الفضاء بالبخار نتيجة لقلة المياه على الأرض . .

الكتّاب :

صفحة الكاتب : يونس قاسم البياتي
صفحة الكاتب :
  يونس قاسم البياتي


للإطلاع على كافة الكتّاب إضغط هنا

الملفات :

مقالات مهمة :



 إنسانية الإمام السيستاني

 بعد إحراجهم بكشف عصيانها وخيانتهم للشعب: المرجعية الدينية العليا تـُحرج الحكومة بمخالفة كلام المعصومين.. والعاصفة تقترب!!!

 كلام موجه الى العقلاء من ابناء شعبي ( 1 )

 حقيقة الادعياء .. متمرجعون وسفراء

 قراءة في خطبة المرجعية : هل اقترب أَجلُ الحكومةِ الحالية؟!

 خطر البترية على بعض اتباع المرجعية قراءة في تاثيرات الادعياء على اتباع العلماء

 إلى دعاة المرجعية العربية العراقية ..مع كل الاحترام

 مهزلة بيان الصرخي حول سوريا

 قراءة في خطبة الجمعة ( 4 / رمضان/ 1437هـ الموافق 10/6/2016 )

 المؤسسة الدينية بين الواقع والافتراء : سلسلة مقالات للشيخ محمد مهدي الاصفي ردا على حسن الكشميري وكتابيه (جولة في دهاليز مظلمة) و(محنة الهروب من الواقع)

 الى الحميداوي ( لانتوقع منكم غير الفتنة )

 السيستاني .. رسالة مهدوية عاجلة

 من عطاء المرجعية العليا

 قراءة في فتوى الدفاع المقدس وتحصين فكر الأمة

 فتوى السيد السيستاني بالجهاد الكفائي وصداها في الصحافة العالمية

 ما هو رأي أستاذ فقهاء النجف وقم المشرّفتَين السيد الخوئي بمن غصب الخلافة ؟

 مواقف شديدة الحساسية/٢ "بانوراما" الحشد..

أحدث مقالات الكتّاب :





 لنشر مقالاتكم يمكنكم مراسلتنا على [email protected]

تم تأسيس الموقع بتاريخ 1/4/2010 © محمد البغدادي 

 لا تتحمل الإدارة مسؤولية ما ينشر في الموقع من الناحيتين القانونية والأخلاقية.

  Designed , Hosted & Programmed By : King 4 Host . Net