صفحة الكاتب : جعفر إمامي

الإمام الشيرازي وأطروحته الإنسانية (اللاعنف)
جعفر إمامي

 في مكتبةٍ يضيقُ بها المكان وتتسعُ بها رؤى المعرفة، والمجاورة لمرقد العلامة أحمد بن فهد الحلّي (قدس الله سره الشريف) بمدينة كربلاء المقدسة، كانت لي زيارة سريعة لها قبل سنوات، بعد التشرّف بزيارة مرقدي الإمام الحسين وأخيه أبي الفضل العباس (عليهما السلام)، وأوّل ما وقع عليه نظري كتاب حملَ عنواناً عظيماً شدّني إليه بقوّة وهو (اللاعنف في الإسلام) للإمام المجدّد السيد محمد مهدي الشيرازي (أعلى الله مقامه) فحفّزني جداً على اقتنائِهِ وضمّه لمكتبتي الشخصية، فقد قلت في قرارة نفسي أنّ عليّ تصفّحه جيداً وقراءة ما كتبهُ سلطان المؤلفين الإمام الشيرازي.
وقبل الوقوف على هذا الكتاب، فإنّ علاقتي كقارئ بالإمام الشيرازي (قدس سره) علاقة أصفها بالمتينة، فأنا معجب جداً بكتاباته ومؤلفاته القيّمة، خصوصاً وأن الرجل لم يدعْ مجالاً معرفياً إلا وكتب فيه ووضع نظرياته وأطروحاته وبأسلوب سلس وواضح ويلبي فضول القرّاء للمعرفة، ثمّ أنّ ما تختزنه الذاكرة الشيعية عن حياة هذا الرجل وسيرته وهي ذاتها التي يتصف بها السادة الأجلاء من آل الشيرازي ورجال الدين العظماء، تدفعني دائماً للوقوف على آثارهم وتراثهم المعرفي، ولذا أقول مرة ثانية قرأت للإمام الشيرازي بوصفي قارئاً ذوّاقاً ومحبّاً لهذا الرجل الألمعي.
أما عن (اللاعنف في الإسلام).. فهذا العنوان بحدّ ذاته أطروحة إسلامية عالية القيمة تصدّرت هذا الكتاب وكانت عتبته الأولى أمام القارئ للغوصِ في بحر الإمام الشيرازي والتقاط جواهره الثمينة.. بل هي ثقافة أصيلة وراسخة عمل عليها النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) ومن بعده أئمتنا المعصومون (عليهم السلام)، وضرورة حياتية لنا جميعاً، خصوصاً وإننا كعراقيين ومسلمين تعبنا كثيراً من الحروب التي أنهكت جسد أمّتنا وشتتنا، فيأتي كتاب الإمام الشيرازي ويقول بصريح العبارة لنا ولأعداء الإسلام أيضاً.. أن الثقافة الإسلامية المحمّدية الأصيلة هي ثقافة تدعو للسلم وترفض الحرب مهما كانت مسمّياتها.. وبأنّ العنفَ لا يولّد إلا العنف.. ولذا ولكي يختصر الإمام الشيرازي الطريق وضع عنوانه لكتابه وهو كما قلت نظريته وأطروحته المُثلى (اللاعنف) ليسدّ الطريق أمام المتصيدين بالماء العكر.. وليضعنا أمام حقيقتنا وتراث ديننا الذي لم يكن يوماً إلا ديناً للمحبّة والتسامح والألفة بين جميع بني البشر، على الرغم مما حاول أعداء الإسلام من صناعة جماعات متطرّفة تدّعي الإسلام إلا أنّها تسيء له ما أوتيت من قوّة ومال حرام.. كأمثال تنظيم القاعدة وأخواتها من داعش والنصرة وغيرها ذات الإرث الأموي المحمّل بالضغينة والحقد للعترة النبوية الطاهرة ولأتباعهم الذينَ عاشوا أبشع الظلامات ولكنهم صبروا واحتسبوا وكان هدفهم دائماً هو التعريف بمذهب أهل البيت (عليهم السلام) القائم على السلام والتسامح وليس العنف والدمار والقتل والتنكيل، فنقرأ في مقدّمة كتاب الإمام الشيرازي: " في التاريخ: إنّ من أبرز صفات الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) انّه كان لا عنفاً إلى أبعد حدّ، وقد دعا القرآن الكريم المسلمين قاطبة أن يدخلوا تحت ظلّ هذا القانون، فقال عزّ من قائل: (ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً)، ولا يخفى أنّ السلم أقوى وأكثر دلالة من اللاعنف"، فنجد هنا أنّ الإمام الشيرازي يؤكّد بأن (اللاعنف) هو قانون عام للمسلمين يدعوهم دائماً إلى ترسيخ هذه الثقافة قبالة الحركات الدموية التي صنعها الاستعمار ورحّبت بها العقول المتعفّنة.
وبعدَ استغراق معرفي جميل في الآيات القرآنية الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة التي تؤكد على مبدأ وقانون اللاعنف.. يضعنا الإمام الشيرازي على معالم لثقافة (اللاعنف)، وليعلّمنا هذا الرجل أن اللاعنف يشمل القول والبيئة والسياسة والمرأة وحتى في التعامل مع الحيوانات (أجلّكم الله).. بمعنى أنه شامل لكل مفاصل حياتنا وتعاملاتنا وأقوالنا وحركاتنا.. بل وحتّى في سكوننا!، ثم يبين (رضوان الله تعالى عليه): أنه "عندما يتأمّل الإنسان في تاريخ الإسلام العزيز يجد أنّ معظم المصائب والرزايا التي عانى منها المسلمون على امتداد التاريخ هي ناجمة عن سياسة العنف التي كان يستخدمها الحكام خلافاً لسيرة رسول الله (صلى الله عليه وآله)  والإمام أمير المؤمنين والأئمة الطاهرين (عليهم السلام)، وعلى عكس ما ورد في القرآن الكريم والسنة المطهرة"، موضحاً أن "الحكام المستبدين الذين استولوا على المسلمين من دون شرعية لم يلتزموا بتعاليم الإسلام الداعية إلى اللين واللاعنف وكانوا من وراء ضعف المسلمين"، وهنا يظهر جليّاً كيف يشخّص الإمام الشيرازي المصلحة السياسية والاجتماعية للمجتمعات الإسلامية، مذكّراً إيانا بما حمله التاريخ الإسلامي من مآسٍ وويلات وظلامات بسبب سياسة العنف المقيتة التي اتخذها الحكامُ الظلمة، وهي لعمري سياسة معاوية اللعين التي لا تزال سارية المفعول في النفوس الضعيفة والمتناسلة في القلوب الحاقدة حتّى وقتنا الحاضر، ويجب علينا كمحبين وأتباعٍ لأهل البيت (عليهم السلام) رفض هذه الثقافة والعمل على تأصيل وترسيخ الثقافة الصحيحة (اللاعنف) لتكون منهجاً حياتياً متبعاً.. من أجل أنْ.. ننهض بأمتنا الإسلامية ومجتمعنا.. ثم يختتم الإمام الشيرازي كتابه بالقول: "نؤكد على ضرورة اتخاذ سياسة السلم واللاعنف في جميع مجالات الحياة كما أمر الله (عزّ وجل) ورسوله (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته الطاهرون (عليهم السلام) بذلك، وكما هو واضح في سيرتهم العطرة".. 
فهل سنسمع ونعي فلسفة وأطروحات هذا الرجل؟

  

جعفر إمامي
 (للدخول لصفحة الكاتب إضغط هنا)

    طباعة   ||   أخبر صديقك عن الموضوع   ||   إضافة تعليق   ||   التاريخ : 2020/07/22



كتابة تعليق لموضوع : الإمام الشيرازي وأطروحته الإنسانية (اللاعنف)
الإسم * :
بريدك الالكتروني :
نص التعليق * :
 



حمل تطبيق (كتابات في الميزان) من Google Play



اعلان هام من قبل موقع كتابات في الميزان

البحث :



أحدث التعليقات كتابة :



  علّق سعدون الموسى ، على أساتذة البحث الخارج في حوزة النجف الأشرف - للكاتب محمد الحسيني القمي : الله يحفظهم ذخرا للمذهب

 
علّق احمد السعداوي الزنكي ، على العشائر الشيعية في ناحية "السعدية" بمحافظة ديالى العراقية تتصدى لهجوم تنظيم "داعش" الإرهابي : كلنا سيوف بيد الشيخ عصام الزنكي ابن عمنا وابن السعديه الزنكيه الاسديه

 
علّق سلام السعداوي الاسدي ، على نَوالُ السَّعْداويُّ بينَ كَيْلِ المَدِيحِ وَكَيْلِ الشَّتائم! - للكاتب زعيم الخيرالله : نحن بيت السعداوي الزنكي الاسدي لايوجد ترابط بيننا مع عشيره السعداوي ال زيرج

 
علّق جعفر عبد الكريم الحميدي ، على المرجعية الشيعية هي صمام الأمان  والطريق لأهل البيت - للكاتب علي الزين : لقد ابتليت الأمه الإسلامية في زماننا َكذلك الا زمنه السابقة بكثير ممن يسعون إلى الإهانة إلى الدين او المذهب. َولاغرابة في الأمر. هنالك في كل زمان حاقدين اَو ناقصين. َوبسبب ماهم فيه من نقص او عداء. يوظفون عقولهم لهدم الدين او المذهب.. لعتقادهمان ذلك سوف يؤدي إلى علو منزلتهم عندالناساوالجمهور.. تارة يجهون سهامهم ضد المراجع وتارة ضد الرموز.. حمى الله هذا الدين من كل معتدي.. أحسنت أيها البطل ابا حسين.. وجعلكم الله ممن تعلم العلم ليدافع او من أجل ان يدافع عن هذا الدين العظيم

 
علّق نداء السمناوي ، على لمحة من حياة الامام الحسن المجتبى عليه السلام - للكاتب محمد السمناوي : سيضل ذكرهم شعاع في طريق الباحثين لمناقبهم احسنت النشر

 
علّق علاء المياحي ، على جريمة قتل الوقت. - للكاتب إيزابيل بنيامين ماما اشوري : احسنتم سيدتي الفاضلة وبوركت جهودكم ..كنت اتمنى ان اعرفكم واتابعكم ولكن للاسف الان قد علمت وبدأت اقرأ منشوراتكم..دكمتم بصحة وعافية

 
علّق محمد مصطفى كيال ، على الأنوار - للكاتب إيزابيل بنيامين ماما اشوري : {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } [النور35] . انه الله والنبي والوصي.

 
علّق منير حجازي ، على الحشد الشعبي يعلن بدء عملية كبرى لتجفيف هورة الزهيري آخر معاقل الإرهاب في حزام بغداد : تخريب البيئة وخلق بيئة للتصحر عملية غير انسانية من قبل دولة المفروض بها تمتلك الامكانيات الجوية الكبيرة التي تقوم بتسهيل مهمة اصطياد الارهابيين والقضاء عليهم . يضاف إلى ذلك ما هو دور القوة النهرية التي تتجول في دجلة والفرات والحبانية وغيرها . ما بالكم امعنتم في ارض العراق وموارده تخريبا . سبب انقطاع الامطار هو عدم وجود المناطق الرطبة الموازية التي تغذي الفضاء بالبخار نتيجة لقلة المياه على الأرض .

 
علّق سلام الجبوري ، على مظلومية الزهراء عليها السلام في مصادر الشيعة الإمامية قراءة تحليلية موجزة - للكاتب السيد زين العابدين الغريفي : السلام عليكم سيدنا نطلب من سماحتكم الاستمرار بهذه البحوث والحلقات لاجل تبصير الناس وتوعيتهم

 
علّق عشيره السعداوي الاسديه ال زنكي ، على نَوالُ السَّعْداويُّ بينَ كَيْلِ المَدِيحِ وَكَيْلِ الشَّتائم! - للكاتب زعيم الخيرالله : عشيره السعداوي في مصر ليس كما هيه بيت السعداوي ال زنكي الاسديه

 
علّق دلشاد الزنكي خانقين ، على العشائر الشيعية في ناحية "السعدية" بمحافظة ديالى العراقية تتصدى لهجوم تنظيم "داعش" الإرهابي : السلام عليكم نحن عشيره الزنكي في خانقين واجدادي في السعديه وحاليا متواصلين مع الزنكنه وقبل ايام اتصل علينا الأخ وابن العم ابو سجاد الاسدي من بغداد ويرحب بنا الشيخ محمد لطيف الخيون قلت له ان شيخنا اسمه الشيخ عصام الزنكي قال لي ان الشيخ عصام تابع لنا

 
علّق حسين سعد حمادي ، على صحة الكرخ / معهد الصحة العالي - الكاظمية يعقد الاجتماع الدوري لمجلس المعهد لمناقشة المصادقة على قوائم الدرجات للامتحانات النهائية و خطة القبول للعام الدراسي القادم - للكاتب اعلام صحة الكرخ : كل التوفيق والنجاح الدائم في جميع المجالات نعم الأساتذة نعم الكادر التدريسي نعم الكادر الإداري وحتى الكوادر الأمنية ربي يحفظكم جميعا وفقكم الله لكل خير

 
علّق حامد الزنكي السعداوي ، على العشائر الشيعية في ناحية "السعدية" بمحافظة ديالى العراقية تتصدى لهجوم تنظيم "داعش" الإرهابي : الف اهلا بالبطل النشمي ابن السعديه الشيخ عصام زنكي

 
علّق منير حجازي ، على العدل : 90% من احكام الاعدام لم تنفذ لهه الاسباب : المسجونون في سجن الحوت وغيره ممن حُكم عليه بالاعدام ولم يُنفذ ، هؤلاء المجرمون قاموا بتنفيذ حكم الاعدام بحق نصف مليون مواطن ومن دون رحمة او شقفة او تمييز بين طفل وامرأة وشيخ وشاب. ناهيك عن دمار هائل ومروّع في الممتلكات. المجرم نفذ حكم الاعدام بالشعب . ولكن هذا المجرم لا تزال الدولة تطعمه وتغذيه وتسهر على امنه وحمايته.ويزوره اهله ، ويتقلى المكالمات التلفونية. إنما تم الحكم بالاعدام عليه لاعترافه بجرمه ، فما معنى درجة قطعية ، وتصديق رئاسة الجمهورية الكردية . من عطّل حدا من حدود الله كان شريكا في الجرم.

 
علّق سعد الديواني ، على مظلومية الزهراء عليها السلام في مصادر الشيعة الإمامية قراءة تحليلية موجزة - للكاتب السيد زين العابدين الغريفي : احسنت الرد على الصرخية اعداء الزهراء عليها السلام الله يحفظكم ويحفظ والدكم السيد حميد المقدس الغريفي .

الكتّاب :

صفحة الكاتب : علي الكاتب
صفحة الكاتب :
  علي الكاتب


للإطلاع على كافة الكتّاب إضغط هنا

الملفات :

مقالات مهمة :



 إنسانية الإمام السيستاني

 بعد إحراجهم بكشف عصيانها وخيانتهم للشعب: المرجعية الدينية العليا تـُحرج الحكومة بمخالفة كلام المعصومين.. والعاصفة تقترب!!!

 كلام موجه الى العقلاء من ابناء شعبي ( 1 )

 حقيقة الادعياء .. متمرجعون وسفراء

 قراءة في خطبة المرجعية : هل اقترب أَجلُ الحكومةِ الحالية؟!

 خطر البترية على بعض اتباع المرجعية قراءة في تاثيرات الادعياء على اتباع العلماء

 إلى دعاة المرجعية العربية العراقية ..مع كل الاحترام

 مهزلة بيان الصرخي حول سوريا

 قراءة في خطبة الجمعة ( 4 / رمضان/ 1437هـ الموافق 10/6/2016 )

 المؤسسة الدينية بين الواقع والافتراء : سلسلة مقالات للشيخ محمد مهدي الاصفي ردا على حسن الكشميري وكتابيه (جولة في دهاليز مظلمة) و(محنة الهروب من الواقع)

 الى الحميداوي ( لانتوقع منكم غير الفتنة )

 السيستاني .. رسالة مهدوية عاجلة

 من عطاء المرجعية العليا

 قراءة في فتوى الدفاع المقدس وتحصين فكر الأمة

 فتوى السيد السيستاني بالجهاد الكفائي وصداها في الصحافة العالمية

 ما هو رأي أستاذ فقهاء النجف وقم المشرّفتَين السيد الخوئي بمن غصب الخلافة ؟

 مواقف شديدة الحساسية/٢ "بانوراما" الحشد..

أحدث مقالات الكتّاب :





 لنشر مقالاتكم يمكنكم مراسلتنا على [email protected]

تم تأسيس الموقع بتاريخ 1/4/2010 © محمد البغدادي 

 لا تتحمل الإدارة مسؤولية ما ينشر في الموقع من الناحيتين القانونية والأخلاقية.

  Designed , Hosted & Programmed By : King 4 Host . Net