• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : المقالات .
                    • الموضوع : اسطوانة مشروخة اسمها....التنمية .
                          • الكاتب : د . أحمد فيصل البحر .

اسطوانة مشروخة اسمها....التنمية

 قبل عدة أيام، اتخذت قراري أن أبحث عن عمل. وبالفعل قمت بطباعة سيرتي الذاتية الانيقة وبدأت بالبحث في الانترنت وكان بحثي موفقا حيث أني وجدت المئات من الوظائف الشاغرة. قلت في نفسي لماذا الناس في بريطانيا يشتكون البطالة مع كل هذه الوظائف المتراكمة التي تبحث عمن يشغلها؟؟ كنت سعيدا ومتفائلا بأنني سأجد وظيفة جيدة..لكن الصورة بدأت تتضح شيئا فشيئا مع كل اخفاق يحصل لي في كل وظيفة اتقدم لكي املأ الفراغ فيها. فهنالك وظائف تم رفضي فيها لأنني لا املك الشهادة الفلانية في التدريب عليها ومن الجهة الفلانية بالذات، وتلك الوظيفة جائني منها اعتذار لطيف مع عبارة تقول لي بأن مستواي اعلى من المطلوب في هذه الوظيفة. وما بين الأعلى والأدنى تبددت الامال حتى ظننت بأنني لا أصلح لأي وظيفة في هذه البلاد..عندها عرفت سبب البطالة لديهم وبطلت حيرتي و عجبي فيما يخص هذا الأمر.
لكنني بعد حين استطعت ان احصل على عمل بسيط ومؤقت في احد مصانع الاغذية المشهورة وكانوا في حاجة ماسة لأيدي عاملة وخصوصا من الطلبة. وبالفعل ذهبت في اول يوم لكي اباشر عملي. كنت أتوقع ان احصل على كتيب للارشادات او على الاقل على شخص يقوم بأرشادنا خصوصا ان المصنع مشهور وذو سمعة جيدة. وعند وصولنا تم اخذنا الى غرفة خاصة لكي نغير ملابسنا ثم اعطوا لكل واحد منا حذاءا خاصا وبدلة عمل وغطاء للرأس وقفازات بلاستيكية ثم دخلنا الى غرفة التعقيم وبعد ذلك تم زجنا مباشرة في خضم العمل دون نصيحة واحدة او تنبيه او تدريب. لم اعرف حتى من هو رئيسي في العمل لأن الجميع يرتدي نفس الملابس. المهم وبعد اسبوع من العمل اكتملت الصورة لدي بجميع ابعادها. ففي اليوم الاول تم الاستغناء عن ثلاثة من العاملين ولم نعرف لماذا لكننا كنا نعمل وحسب. وكان هنالك فترة استراحة لمدة عشرين دقيقة كل ثلاث ساعات. وكنت كلما اتقنت عملا معينا كأن اتقن مثلا العمل على ترتيب المنتوج وفحصه قبل التغليف يتم نقلي الى محور اخر كأن اقوم بالتغليف وعندما اتقن التغليف يتم نقلي الى فرع اخر وهكذا. في البداية سألت احد الأشخاص الذي جاء ليخبرني بوجوب انتقالي الى مرحلة اخرى من العمل..سألته لماذا لا يمكنني البقاء هنا وخصوصا انني الان اتقن هذا العمل وغيري يرتكب الاخطاء فيه، لكنه قال لي انه يجب ان انتقل حالا وكفى. في المحصلة، وبعد اسبوع وجدت نفسي اعرف كل صغيرة وكبيرة في القسم الذي كنت اعمل فيه..من النقل وحمل الصناديق الى الاشراف على عمل المكائن وقراءة العدادات وكل هذا من غير ان اقرأ كلمة واحدة عن كيفية العمل وكيف اصبح عاملا ماهرا وغير ذلك. أما الأشخاص الذين تم الاستغناء عنهم فالسبب يعود الى انهم دخلوا الى المصنع دون أن يقوموا يتعقيم انفسهم رغم انه لايمكن لأي شخص ان يدخل الى المصنع من غير ان يمر عبر تلك الغرفة مما يدل على ان كل جوانب المصنع تخضع للأشراف والمراقبة الدقيقة بكاميرات سرية لكنهم حتى لم يحسسونا بوجودها ولم يحذرونا منها او من ارتكاب الاخطاء.
برأيي تلك هي التنمية بصورتها الحقيقية كونها جزء لايتجزأ من التجربة والممارسة العملية المبنية على أسس وضوابط مهنية وخطوات عملية مدروسة بشكل عملي لانظري وحسب. وعندما تعود بي الذاكرة الى العراق وبالتحديد الى حكايتي مع التنمية، أجد وللأسف الشديد أن التنمية لدينا ليست سوى حبر على ورق فاخر مطبوع بعناية ليباع في المكتبات "لرواد التنمية" لدينا من المساكين الذين أوهمتهم كثرة القراءة في مثل هذه الكتب بتحقيق نجاحاتهم الزائفة التي وضعهم في قمة مقلب القمامة. وقد يقول قائل منهم ان هذا الوصف مجحف وبأنني متأثر بالحضارة الغربية وماديتها...لكنها الحقيقة دون زيادة او نقصان. كنت انا نفسي احد هؤلاء المساكين رغم ان شيئا في داخلي ظل يتسائل في حيرة وشك وذلك لأنني في الأصل مترجم ووظيفة المترجم تكمن في قدرته الابداعية على تحويل نص من لغة الى لغة مع وجوب الحفاظ على عناصر النص الأصلي وتجنب تغريب النص لدى قراءه من الطرف الاخر اي اللغة المنقول اليها وهو مايسمى في عرف  المترجمين بتجنيس النص. كان كل من حولي من القراء والمنظرين واصحاب المنظمات والمؤسسات التنموية يتهافتون لقراءة الكتب التنموية ذات العناوين الرنانة (كيف تصبح مديرا ناجحا..القيادة الادارية...ادارة الذات..قصص النجاح ..البرمجة العصبية الخ) وكانوا يقرأون ويقرأون لهذا الكاتب او ذاك ويستمعون لذلك المدرب التنموي او ذاك. وفي بادئ الامر حذوت حذوهم في قراءة تلك الكتب وغيرها من طقوس التنمية المقدسة لديهم حتى اصابتني التخمة ولكن من غير ان أشعر بأي نوع من انواع التغيير الايجابي الذي يحدثونني عنه..حتى انني كنت احاول ان احفظ ما أقرأه وأنا لا انكر انه كان كلاما مهما وجميلا ولكن هذا الكلام بالذات كان أول مايتبخر من ذهني ويذهب ادراج الرياح. وكنت الاحظ ان هذا الامر يحدث مع الجميع ولذلك كان أولئك المساكين يتشبثون بقوة بسراب التنمية فتارة يقيمون المحاضرات وتارة اخرى الدورات التدريبية المحفوفة بالمشاركة وغير ذلك. والى هذه اللحظة ولكي لا يسيئ احد فهمي أقر واعترف انني كنت منهم ولا انكر انني مثل كل من عرفتهم من مريدي الطريقة التنموية كانت احلامنا وطموحاتنا مشروعة وحقيقية ومشرفة، لكن المشكلة كانت ولاتزال تكمن في التمييز بين الحقيقة والوهم لاغير. كما انني لا انكر فائدة الدورات التدريبية والكتب وغير ذلك ولكن اعود لأؤكد على قضية الوهم والسراب ومن يؤمن انه شخص ناجح قادر على التغيير رغم ان التغيير لايوجد الا في ذهنه فقط.
انني عبر هذه السطور البسيطة، اعلن براءتي من التنمية النظرية ومن اتباعها ومريديها في عالمنا العربي كما انني اتهمهم واتهمها بالسعي والتامر ضد التنمية وذلك ان جعلوها حبيسة الكتب وأوهموا انفسهم والجميع بأنهم يحققون النجاحات وهم في الحقيقة سكارى اخذتهم نشوة القراءة في التنمية الى تصورات مغلوطة جعلتهم يرون السراب حقيقة والفشل نجاحا منقطع النظير. ولنأخذ على سبيل المثال ماريع التنمية التي تنفذها المنظمات التنموية في بلدنا العزيز كمشاريع مكافحة البطالة والمشاريع التأهيلية في مجال التربية والتعليم او مشاريع اجراء المسوحات والدراسات وغير ذلك وللأسف كلها تحصل على التمويل (وأنا هنا اود ان اسجل اتهامي لتلك الجهات بأنها هي ايضا تصنع الوهم وتشارك في بناء الفشل بسبب منحها اموالا لمثل هذه المشاريع التي لم تحدث تغييرا الا في جيوب مدمني التنمية النظرية). لكنني لا أنكر ايضا أن هنالك مشاريع لابأس بها نوعا ما كالمشاريع المهنية رغم ان المشكلة في الحالتين واحدة وهي تكمن في أن المنفذين لتلك المشاريع هم أنفسهم بحاجة الى تأهيل، اضافة الى تقديم نية الربح على نية النجاح وما خفي في الصدور لا يعلمه الا الله، كما يجب ان لاننسى النتائج التي تتحصل من تنفيذ مثل هكذا مشاريع وهل أدت الى حصول تغيير ايجابي وهل ان حجم التغيير يكافئ حجم الجهد المبذول والاموال التي تم انفاقها الخ. 
هنالك أمر مهم ولابد من استيعابه وهو ان النجاح لا يمكن ان يسمى نجاحا دون ان يكون واقعا ملموسا نعيشه ونتفيأ ظلاله كما ان النجاح لايمكن تحقيقه من خلال اشخاص لايمتلكون القدرة على تحقيقه فمن يقرأ عن قصص النجاح ليس بالضرورة شخص ناجح بل على العكس فهو شخص دون مستوى الفشل حتى يثبت العكس. وللأسف فأن الكثيرين يوهمون انفسهم أنهم ناجحون فقط لأنهم سلكوا طريق النجاح كأن يكون لدى شخص أو منظمة معينة مشاريع ونشاطات ومكاتب وموظفين وأنهم لايزالون على قيد الحياة وهذا بالضبط هو الشكل الجديد للفشل لدينا. مثل هذه الكتل الحكومية وغير الحكومية أصبحت شائعة لدينا وهو ماعنيته انفا بالسراب فهي تؤمن بأنها في عداد الناجحين كونها لاتزال تتنفس حتى ولو بالاستعانة بجهاز تنفس اصطناعي، والذي يشاهد برنامج خواطر على قناة ام بي سي يدرك حجم المأساة والفجوة الكبيرة بيننا وبين العالم الغربي ماديا وخلقيا وسلوكيا رغم ان المجتمع الغربي نفد رصيده من القيم منذ زمن بعيد كما يخبرنا سيد قطب في كتابه الشهير "معالم في الطريق". والسبب في استمرارية الوجود لديهم مرتبطة بالتغيير نحو الافضل أو بمعنى اخر التطوير، ومع ان هذا التطوير ليس سوى تطوير مادي الا انه انعكس ايجابا على السلوك الاخلاقي لديهم وعلى القوانين الوضعية التي برمجت هذا السلوك ليحفظ للحياة المادية وجودها وديمومتها. أن كل النظريات والقوانين والمفاهيم التي نقرأها ونؤمن بها قامت في الأصل على مبدأ التجربة العملية ثم وضعت في الاطار المعرفي بعد ان اكتسبت شكلها النهائي واصطبغت بصبغة النجاح كونها حققت تغييرا واقعيا على الأرض. ولو نظرنا في واقعنا..فنحن نمتلك حقولا للتجارب أفضل مما كان لديهم كون البيئة لدينا لاتزال تحتفظ بعالم القيم..واليوم يشهد الغرب نفسه أن دبي أفضل من لندن وباريس وواشنطن كونها تمثل تجسيدا حقيقيا لنجاح منقطع النظير جاء نتيجة لتفاعل عالم المادة مع عالم القيم. كما ان نموذج أمارة دبي يؤكد أن اوربا والعالم الغربي ليسوا أفضل حالا منا بل على العكس لأن مفاتيح العالم المادي يمكن اكتسابها أو استيرادها على عكس عالم القيم الذي لا يمكن استيراده وهذا ما يبرر ظهور الشيوعية والماركسية والليبرالية وغيرها كبدائل بعد انهيار الكنيسة بمجيء الثورة الصناعية في القرن الثامن عشر.
أخيرا وليس اخرا ولكي اختم حديثي أقول: أن الدخول لا يتم الى من الباب وأن لكل باب مفتاحه، وأقصد الدخول الى عالم التنمية وفك اسراره وطلاسمه وهذا لايتم بالاكتفاء بقراءة كتب التنمية او بأقامة الدورات التدريبية وغير ذلك لأنها أشبه بدخول الدار من الشباك. لابد من التجربة ودخول معترك الممارسة العملية وتجرع الفشل والتعلم منه لأنه ، وكما تقول كتب التنمية نفسها، هو الطريق الوحيد للنجاح. الامر الثاني وهو المهم أن لكل صنعة أصحابها، فمتى يدرك من يمتطون صهوات التنمية اليوم، أنهم لايزالون في أول الطريق وأن عليهم تعلم المشي أولا فالطريق طويلة وشاقة والرحلة مليئة بالعقبات والصعاب ولايصلح لها الا من هو مستعد ومؤهل لخوض غمارها عن استحقاق وجدارة.
               
     
 



  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=9354
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2011 / 09 / 07
  • تاريخ الطباعة : 2021 / 11 / 29