صفحة الكاتب : د . صادق السامرائي

قراءة نفسية لقصيدة أنشودة المطر!!
د . صادق السامرائي
 سأحاول أن أجري تشريحا نفسيا لقصيدة أنشودة  المطر للشاعر العراقي ورائد الشعر الحر بدر شاكر السياب , آملا أن أكتشف أعماق اليراع الذي كتبها والنفس التي تفاعلت مع مفرداتها وإيقاعاتها ونبضاتها العاطفية والإنفعالية والفكرية , وكيف بقيت ذات طعم خالد في النفس العربية. 
وقد قرأت العديد من الكتابات عن القصيدة , وهذه المحاولة تهدف إلى وعي الصورة الشعرية وتحليل مكوناتها التعبيرية النفسية والعقلية. وربما ستثير نقدا غاضبا , أو ستحسب على أنها حالة أخرى , لكنها قراءة نفسية بحتة.
 
تبدأ القصيدة بكلمة "عيناك" , والعين العراقية من أغنى عيون الدنيا بما تبوح به من المعاني واللغات التي تعجز عن إحتوائها أبجديات البشرية جمعاء. ذلك أن الروح العراقية بجميع طاقاتها وقدراتها الخلقية والإبداعية تنحبس في الأعماق ويتعذر التعبيرعنها بالكلمات , فتتحول العيون إلى ينابيع بوح صادق وأليم ومضرج بالحزن والمرارة والحرمان. لكن الشاعر يقلب تلك الصورة المأسوية فيقرن بين غابات النخيل البصراوية المتهامسة عند السَحر والمعبرة عن طاقات الحياة والعطاء. وفي هذا توحد وتمثل عشقي مطلق يكون العاشق فيه لا يرى حبيبته كما هي وإنما مثلما يتمثلها في خياله ورؤاه الشعرية المعتقة في قوارير الحب الفتان. 
وبهذا تكون العينان في حالتي تمثل جمالي متساوق مع نبضات الأشواق والأحلام واللهفة. وهذا توحد جزئي يريد به الكلية لأن وجود الحبيبة وصورتها الخيالية قد تكثفت في العينين. ولذلك فأن التعبير يمتلئ بالصدق والحس الشاعري الإنساني العراقي الفياض , لأن ما يريده العراقي وخصوصا المرأة من شدة إنحباسه يفيض من العيون , فتكون النظرة العراقية أغنى من كتاب. 
ويبدو أن الشاعر يجيد قراءة العيون ويترجم أبجدية النظرات بأسلوب إنتصر فيه على قيود الشعر العمودي وحرر النفس والروح من أصفاد العروض الثقيلة , فكانت العيون منطلق الإرتقاء بثورة الحرية الفكرية والفنية , لأن العيون ترمز للحرية والجمال والصفاء والإنتماء.
عيناكِ غابتا نخيلٍ ساعةَ السحر
في وقت السحر تكون العيون الناعسة المستريحة متحررة من أعبائها فتبدو في غاية النقاء والروعة الخلابة التي تداعب أنياط القلوب , فكان الوصف دقيقا وموسوعيا فيما تلاه من تطورات في الصورة الشعرية والتركيبات الأسلوبية المؤثرة في النفس والروح.
أو شرفتانِ راحَ ينأى عنهُما القمر
في هذا رسم لحالة النعاس وبهاء بريق الحياة المنبثق من العيون التي تكثفت فيها طاقة الوجود والنماء والتجدد والبقاء. وكأن وهج الروعة بدأ يخبوا بإنسيابية نأي القمر عن الأشهاد وقت السحر الصافي الساكن العذيب. 
عيناكِ حين تبسمانِ تُورقُ الكروم
وهنا يتحول رفيف الأجفان إلى إبتسامات , لكن المقل الثرية بالمشاعر والأحاسيس كأنها سكرى بالأشواق والأمل , ولهذا أورقت الكروم لتسقيها بسلاف روحٍ إنتشر.
وترقصُ الأضواءُ.. كالأقمارِ في نهر
دفق الحياة الوثاب في فضاء العينين إستنزل الأكوان وامتد في رحاب المطلق البعيد  , فصارت الأضواء تنعكس فيه وتتلألأ الأقمار وتتجدد الصور.
 
 
 
يرجُّهُ المجدافُ وَهْناً ساعةَ السحر
 وكأنه يقرأ لغة الأجفان ويقرنها ببيئته ويقارن ما بين إيقاعاتها الناعسة وحركة المجداف الذي يحركه إنسان هده تعب الليل وهو يسعى بالظفر بصيد يعينه على مشقة الأيام.
كأنّما تنبُضُ في غوريهما النجوم
.....  وفي هذا المقطع لم يكتفي بما يرى بل أخذ يغوص عميقا جدا في قاع
 العيون بمنظاره الشعري وآلة خياله التواق, فيرى نجوما أخرى , لأن العيون صارت طبقات أكوان ومختصر وجود أعظم.
وتغرقان في ضبابٍ من أسىً شفيف...
ويخيل للقارئ أن الرحلة الخلابة في عيون المعشوقة قد تحولت إلى صورة بانورامية , لأن الحبيبة تتوطن خيالا متدفقا ومعبرا عن طاقات لا محدودة تخشى منها الحروف والكلمات. وهكذا تهب ومضات الأسى وتتبارق حولهما , فيراهما الشاعر ضبابا لأن صفاء النظر قد شابه التعب وأفقده بعد المنال توهج حرارته ونماء إرادته الإنسانية.
كالبحرِ سرَّحَ اليدينِ فوقَهُ المساء...
هذا النهر الدافق قد سكن في بحر ذي أمواج صاخبة لا تهدأ لكن المساء أوهمنا بسكينته , وما هو إلا قوة فوارة معتلجة بالطاقات. وانطبقت الأجفان وما كان الشاعر يرى إلا سواد المقل قبل أن تغيب الحبيبة في رحلة الهجوع وأنها البحر.
دفءُ الشتاءِ فيه وارتعاشةُ الخريف...
وكأنه يقرن ما بين البحر والعيون حيث الدفئ اللذيذ في أعماقه المسكونة بالأحياء وأمواجه التي قرنها بالخريف , وهذا يرمز إلى غياب الجمال وإنعدام العطاء والتواصل الفعال مع الأشياء, فهدأت الحبيبة واستوحش الحبيب.
والموتُ والميلادُ والظلامُ والضياء...
في لحظة التبصر والإدراك العميق لمعاني القوانين الكونية العظمى , المنبثق من مشهد العيون في رحلتها الحرمانية القاسية , تشخص المتناقضات وتنطبق الكليات على الجزئيات , ويكون صوت الحياة واحد. غياب وحضور , وحضور وغياب , ودوران في قفص الوجود كالبلبل المذبوح بصوته الفتان, وما غناؤه إلا بكاء أليم وإنفجارات روح في حنجرة الأسير.
فتستفيقُ ملء روحي، رعشةُ البكاء...
بهذا الوعي الأليم يفقد الإنسان لغاته ويبدأ البكاء صولته لكي ينقي الأعماق من صديد هول الحرمان وفقدان الرجاء , فينأى بما يريد إلى غير وجهته , أي يتسامى إلى ما لايريد لكي يحافظ على ما يريده ويبتغيه من الآمال والرغبات المخنوقة في دياجير فؤاده الكسير.
ونشوة وحشية تعانق السماء...إنها نشوة متدفقة ذات سمات حرمانية , ومعوقات أرضية , فلا يمكنها أن تتحقق فوق التراب ولا بد لها أن تطوف السماء , وترج أركانها , لأنها من شدة الإختناق فقدت صوابها وتوحشت وأمعنت بصيرورتها الفنائية العلوية , فتماهت بطاقة السماء.
كنشوةِ الطفلِ إذا خاف من القمر...
ويدخل الطفل في المشهد ليرمز إلى تحطم القيود , والتمني بالتعبير عن الرغبات المكبوتة بحرية الطفل الذي لا يعرف الممنوع , وأنه يسعى إلى ما يريده بحرارة عواطفه وطاقة مشاعره البقائية. نشوة العاشق المتيم المحروم , تشق لها دروبا في خلجان النفس وتصل إلى ما تريده من اللذة والتوحد مع المعشوق.
كأنَّ أقواسَ السحابِ تشربُ الغيوم 
المقطع يشير إلى تعبير رمزي عن الرغبة الجياشة المتحرقة التواقة للإندماج المطلق في بدن المحبوب , والتغلغل بكيانه والسريان بعروقه. ويتحقق بعد ذلك الإعتصار العنيف , فينزفان حقيقتهما الذاتية ويسريان في كيان الوجد السرمد. وكأن السحاب ذكرا والغيوم أنثى أو العكس.
وقطرةً فقطرةً تذوبُ في المطر
هذا التداخل الإنساني الروحي العميق يتجسد بأن الحبيبين قد تحولا إلى صيرورة واحدة متسربة في الصيرورات الأخرى , وأن اللذة القصوى تتجسد في ذلك.
وكركرَ الأطفالُ في عرائش الكروم...
وبعد التفاعل الخيالي مع المحبوبة المأسورة بالممنوعات والتقاليد الجائرة , يكون التحدي بطاقات الخيال فيتحقق كل التفاعل في الفضاء , وتلد مسيرة العشق أثمار التلاحم النفسي والبدني , فيكون الشاعر في حضرة الخيال المجسد لما لايكون إلا فيه.
ودغدغت صمتَ العصافيرِ على الشجر..
.وبغتة يستفيق من رحلته العميقة في العيون , ويصغي إلى إنشودة المطر التي أخذت تنبه الأحياء والبشر....
أنشودة المطر 
مطر
مطر
مطر...
العلاقة بين الإنسان العراقي والمطر ليست حميمة , وإنما هي قاسية وتشير إلى ما سيحصل من سيول وفيضانات وتداعيات مأساوية إلى بضعة عقود مضت, برغم أن المفهوم العام هو الخير , لكن الأعماق الخفية ترى غير ذلك , فللمطر تداعيات نفسية وسلوكية ذات نتائج متعددة في دنيا العراقيين. ففي القصيدة حزن حرماني موجع وقاسي يستدعي الذكريات المتلائمة معه والمؤازرة لسيرورته العاطفية وكثافته الإنفعالية القاتمة. ومن أقسى حالات الحزن أن تتلقى المدارك إشارات الخير والنماء على أنها غير ذلك , فيكون المطر مفتاحا لبوابة الأحزان التي تندلق معانيها وشواهدها في عبارات القصيدة.
 
 
تثاءبَ المساءُ والغيومُ ما تزال
تسحّ ما تسحّ من دموعها الثقال... 
هنا يتجلى الكسل والتراخي وفقدان العزيمة والإستسلام , فتغيب روح التحدي والمواجهة والإصرار على صناعة الحياة , فصار المساء يتثاءب متكاسلا ومحاصرا بيأسه وحزنه , وكأن الغيوم تشاركه همومه فتبكي بدلا عنه , أو تبكي معه , لأن دموعها قد تخزنت وتكثفت وإزدادا ثقلا وغزارة لدرجة ما عادت تمتلك القدرة على لجم جماح تدفقها وإنهمارها الغزير على سفوح الآلام.
كأنّ طفلاً باتَ يهذي قبلَ أنْ ينام...
وفي ذروة هذا اليأس والقنوط , يتحقق الهذيان , أو تخيل الأشياء الغير موجودة , فيكون الإنسان في أجواء تساقط المطر وكأنه السجين المقيد , الأسير في ذاته ومكانه ولا يمتلك القوة على الحركة والتعبير عن الحياة الجميلة بقدر ما يستكين لأراجيف التصورات والرؤى السوداوية, التي تستدعي ما يناهض الحياة. 
بأنّ أمّه - التي أفاقَ منذ عام...
المقطع حاد في التعبير عن الفقدان وشدته وقوته العاطفية وتأثيره في السلوك والتفاعل مع المحيط , وكأنه يريد القول بأن الإنسان في بلاده , قد فقد الرعاية والأمومة , فاصبح تائها بلا دليل ولا تربية , وإنما يتخبط ويتأمل على أن شيئا ما سيتحقق ذات يوم ويتمكن من التفاعل الصحيح مع الحياة.
فلم يجدْها، ثم حين لجَّ في السؤال...البحث عن المفقود لا يؤدي إلى نتيجة وإنما تدفع إلى سلوكيات مخادعة وتضليلية تجانب الحقيقة وتنكرها , لأننا لا نريد أن نواجه أنفسنا بل نخدعها , ونبرر لها ما تقوم به , ونسقطه على غيرها إن كان غير مقبول. وهذا سياق ثابت في تربيتنا منذ الطفولة وينعكس على تفاعلاتنا في المجتمع عموما.
قالوا له: "بعد غدٍ تعود" ...
وهكذا يتم تجسيد سلوك الكذب والتضليل كأسلوب مريح ومساهم في مساعدة الإنسان على مواجهة الحرمان, فلا يتأكد العمل بالبحث والجد والإجتهاد , وإنما بالتجافي والتجاهل وخداع الذات وتخديرها حتى تستكين وتذعن لحالها وظروفها لكي تبقى وتتواصل مستعذبة البؤس والحرمان.
لا بدّ أنْ تعود...
يتأكد الكذب ويتكرر بحيث يكون اليقين محض افتراء , فكيف يكون الصدق بعد ذلك هو السلوك المفيد , ما دام الطفل قد كُذِب عليه في أدق حالاته الإنفعالية وأصعبها. فكيف تعود الأم ؟ في هذه الحالة عليه أن يتخيلها ويتوهمها ويتصور كيف تتفاعل معه وتستجيب لحاجاته , وبهذا يتم خلق إنسان مقطوع عن مجيطه , ومنشطر عنه وبذلك لا يمكنه أن يغيره أو يضيف إليه لأنه في حالة إنقطاع تام عنه.
وإنْ تهامسَ الرِّفاقُ أنّها هناك...
مرة أخرى يتكرر مشهد مأساوي تربوي يؤدي إلى بذر الشك وعدم الثقة في الإنسان , فالكذب الموجع , والتفاعل الذي يدعو إلى الحيرة وعدم الثقة ينمي قدرات الشك عند الإنسان , ولذلك فأن العراقي يكون ميالا للشك وسوء الظن كثيرا بغيره وحتى بأقرب الناس إليه.                                                            في جانبِ التلِ تنامُ نومةَ اللحود،...
نعم إنها هناك لكننا نكذب عليك لكي نتخلص منك ومن تداعيات معرفتك بحقيقة أمرها , فلن نقول لك الصدق وما عليك إلا أن تكتشفه بنفسك بعد رحلة شقاء وكدر , وفي ذلك تنمية لمشاعر الغضب والعدوان والكراهية والإنتقام , لأن الطفل سيبقى يتساء بحسرة عن ذلك الكذب والتضليل الذي صاغ حياته بطريقة أخرى , وأخذها في مسالك متعثرة وغير مجدية , وحالما إصطدم بالواقع القاسي , تنطلق مشاعره وإنفعالاته المحبوسة المضغوطة فتفعل ما تفعله في محيطه الظالم المضاد لمسيرته الآدمية.
تسفُّ من ترابها وتشربُ المطر ...
هذا تعبير ثقيل وأليم , فالمطر لا يصلح للأحياء وإنما هو يتسرب إلى مواضع الأموات ويزيدهم موتا. وبهذا تتحقق الصورة الحقيقية العراقية عن علاقة العراقي بالمطر , ولا بد من الغوص في أعماق الصورة وتعبيراتها السلوكية والإنفعالية. المطر فعل تراجيدي عراقي غريب , لا يمكن تفسيره بسهولة , فالإنسان يستاء من المطر ولا يريده و لأن البيوت كانت من الطين , وتصريف المياه متخلف وغير موجود , وكم يفيض النرهان بسبب المطر ولا يستطيع الإنسان من مواجهة شراسة الفيضان , وكأنه العدوان الذي يهاجم الناس كل ربيع , حتى نهاية الستينيات من القرن العشرين. ولم يستريح العراقيون من فيضانات النهرين إلا في العقود الخمسة الماضية. فالمطر عدوان , ولا ينفع إلا الأموات , وقد يخلصهم من فم التراب ويجرفهم إلى حيث الذوبان في تيارات المياه التواصل مع دورة الماء في الطبيعة المتغيرة. وهذا موقف سلبي ومناقض لطبيعة الأشياء , فالمطر هو الخير , والعراقي ما تعلم مهارات التواصل مع المطر وإستثمار مياهه في التنمية الإقتصادية , حتى غاب المطر و وعزّ وندر فصار الجفاف ضاربا والمطر عزيزا ومجهولا في أكثر الأحيان.
 
كأنّ صياداً حزيناً يجمعُ الشباك...
ويلعنُ المياهَ والقدر
وينثرُ الغناء حيث يأفلُ القمر 
مطر، مطر، المطر
الفرق بين صياد همنغواي وصياد شاعرنا كالفرق ما بين القطبين , وكأن جلجامش ليس عراقيا , وكأننا ما قرأنا ملحمته التي ترجمها صياد همنغواي. الصياد حزين ويائس وتم تفريغه من طاقات التحدي والإصرار , وشحذه بالإنفعالات السلبية القاسية , والتفاعلات الإسقاطية الإستسلامية للقوى والقدرات الأخرى , أيا كان عنوانها ورمزها. ولكي يزيح مشاعره الأليمة البائسة , لا بد له من الغناء الذي يرسم فيه لوحة نفسه ويسكب أنواء عجزه. وبهذه الصور القاتمة الدامعة المتحسرة الكسيرة تتسم الأغاني العراقية والشعر العراقي الذي يؤكد في ألفاظه وإيقاعاته الرقص على أوردة نزيف الأجيال المذبوحة بالحرمان والظلم والإمتهان. وهكذا يبدو المطر وسيلة إجهاضية سلبية , تدين فقداننا لمهارات إستثماره وتوظيفه لصناعة الحياة الأفضل.
أتعلمين أيَّ حزنٍ يبعثُ المطر؟
وكيف تنشجُ المزاريبُ إذا انهمر؟
وكيف يشعرُ الوحيدُ فيه بالضياع؟
بلا انتهاء_ كالدمِ المُراق، كالجياع
كالحبّ كالأطفالِ ، كالموتى –
هو المطر ....
وتعلو صرخة النفور من المطر والتخاطب معه على أنه عدو للوجود وليس مبتدأ إنطلاق روافد الحياة ومشيد حلتها الوارفة الخضراء, فتعلن المزاريب بكاءها ويتصاعد عويلها , وتهديداتها ووعيدها لأن المطر سيجرف الأشياء وبسببه تتهاوى البنايات , لأننا ما تعلمنا كيف نجعل الطين يقاوم المطر , وإنما شيدنا بيوتنا من الطين الذي يعشق المطر ويتفاعل معه لصناعة الحياة المعطاء , وبفعلنا قد حرمنا الطين من دوره ورسالته وإعتدينا على حرمته ومصيره , فالطين من أدوات الخلق المتجدد ولا يمكن حشره في جدار. ولهذا فأن المطر الشديد عنوان وعيد وخطر.
وفي هذا المقطع تجتمع متناقضات فاعلة في السلوك العراقي , الجوع والحرمان والوحشة والقتل والمطر! فكيف تتفق مع المطر؟ إن في ذلك دليل على أن الإنسان قد تنازل عن دوره الخلاق ومسؤوليته في المساهمة بالحياة الأفضل وإستثمار المطر في صناعة الطعام وتنمية الإقتصاد. فالناس تلهو ببعضها وتستعذب سفك الدماء والتناحر والتصارع على الأشياء بسبب آفة العجز والإستسلام. ولهذا فأن كل موجد دامع حزين ويائس ولا يعرف إلا أن يرى بعيون ذات آليات إدراك محنطة.
  
ومقلتاك بي تطيفان مع المطر
وعبرَ أمواجِ الخليجِ تمسحُ البروق
سواحلَ العراقِ بالنجومِ والمحار،
كأنها تهمُّ بالشروق
فيسحبُ الليلُ عليها من دمٍ دثار 
أصيحُ بالخيلج: "يا خليج
يا واهبَ اللؤلؤ والمحارِ والردى"
فيرجع الصدى
كأنّهُ النشيج:
"يا خليج: يا واهب المحار والردى" 
في هذا المقطع تحليق وهروب من مواجهة الواقع والصعود إلى أكوان الفنتازيا والخيال الساعي إلى إرضاء الحاجات بتصورها وتمنيها , فما دام الإنسان عاجزا عن مواجهة مصيره وقيادة أمره , فمن الأفضل أن ينداح في مواقد العيون ويناجيها ويحسبها بساط الريح , فقد تجمعت فيها أسرار المطر وعواديه وكل ما يتصل به من الأحزان والمشاعر والعواطف القاسية , فالعيون العراقية يحمّلها الرجل العراقي كل ما يريده ويراه , فينعكس ما فيه من الهموم فيها , فهي مرآة نفسه وصدى صراخات أنينه وحرمانه. وعندما يستجير بالخليج , لا يحصل إلا على الصدى وهو تعبير وتعزيز لمشاعر اليأس وعدم القدرة على الفعل والإبداع الحياتي العملي المتجدد المتسابق مع عجلات العصر الدوارة.
نعم إنه الصدى , فالواقع الذي حولنا هو الصدى الأصيل لما فينا , فما دام العجز سيدنا , فأن كل ما حولنا يبعثه ويشير إليه ويعبّر عنه بوضوح وبسالة.
 
أكادُ أسمعُ العراقَ يذخرُ الرعود
ويخزنُ البروقَ في السهولِ والجبال
حتى إذا ما فضّ عنها ختمَها الرجال
لم تترك الرياحُ من ثمود 
 في الوادِ من أثر 
أكادُ أسمعُ النخيلَ يشربُ المطر
وأسمعُ القرى تئنّ، والمهاجرين
يصارعون بالمجاذيفِ وبالقلوع 
عواصفَ الخليجِ والرعود، منشدين 
مطر.. مطر .. مطر 
في هذا المقطع تتلخص القصيدة بفكرتها الأصلية وما فيها من آليات التفاعل والحراك , فطاقات الحرمان المكبوتة بقوة مكابس الظلم والقهر والإستبداد والجهل والتبعية وسحق الإنسان وتجريده من آلة عقله , كلها تعودت الإنفجار بين حين وآخر , وحالما تنفجر تقضي على ما حولها وعلى نفسها , لأن الطاقات المنفلتة تكون عمياء مضطربة ومشوشة وتجهل العقلانية والحكمة وتنكر الهدوء , فما أن تنطلق حتى تصنع مأساة جديدة تساهم في ترسيخ متوالية المآسي العراقية. ويكون المطر عبارة عن متوالية هندسية من التداعيات والملمات القاسية التي تفتك بالشعب على مر العصور. فمن الذي يمتلك قدرات الخروج من هذه الدائرة المفرغة العراقية المأساوية الحزينة الدامعة المنهمرة الروح كالمطر؟!
 

  

د . صادق السامرائي
 (للدخول لصفحة الكاتب إضغط هنا)

    طباعة   ||   أخبر صديقك عن الموضوع   ||   إضافة تعليق   ||   التاريخ : 2016/12/30



كتابة تعليق لموضوع : قراءة نفسية لقصيدة أنشودة المطر!!
الإسم * :
بريدك الالكتروني :
نص التعليق * :
 



حمل تطبيق (كتابات في الميزان) من Google Play



اعلان هام من قبل موقع كتابات في الميزان

البحث :



أحدث التعليقات كتابة :



  علّق فؤاد عباس ، على تمرُ ذكراك الخامسة... والسيد السيستاني يغبطك ويهنئك بالشهادة ؟ : السلام عليكم.. قد يعلم أو لايعلم كاتب المقال أن الشهيد السعيد الشيخ علي المالكي لم يتم إعتباره شهيداً إلى الآن كما وأن قيادة فرقة العباس ع القتالية تنصلت عن مسؤوليتها في متابعة إستحقاقات هذا الشهيد وعائلته .

 
علّق عباس الصافي ، على اصدقاء القدس وأشقائهم - للكاتب احمد ناهي البديري : شعوركم العالي اساس تفوق قلمكم استاذ

 
علّق الحیاة الفکریة فی الحلة خلال القرن التاسع الهجری یوسف الشمری ، على صدر عن دار التراث : الحياة الفكرية في الحلة خلال القرن 9هـ - للكاتب مؤسسة دار التراث : سلام علیکم نبارک لکم عید سعید الفطر کتاب الحیاة الفکری فی اللاحة خلال القرن التاسع الهجری یوسف الشمری كنت بحاجة إليه ، لكن لا يمكنني الوصول إليه هل يمكن أن تعطيني ملف PDF

 
علّق أحمد البيضاني ، على الخلاف حول موضع قبر الامام علي عليه السلام نظرة في المصادر والأدلة - للكاتب الشيخ ليث الكربلائي : شيخنا الحبيب إن الادلة التي التي استندت إليها لا تخلوا من الاشكال ، وهذا ما ذكره جل علمائنا بيد أنك أعتمدت على كتاب كامل الزيارات لابن قولية القمي ، فلو راجعت قليلاً أراء العلماء في هذا الامر ستتبين لك جلية هذا الامر ، ثم من أين لك بالتواتر ، فهل يعقل ان تنسب ذلك إلى بعض الروايات الواردة في كتاب كامل الزيارات وتصفها بالتواتر ؟ ومن عجيب القول لم تبين حسب كلامك نوع التواتر الذي جئت به ، فالتواتر له شروط وهذه الشروط لا تنطبق على بعض رواياتك عزيزي شيخ ليث. فأستعراضك للادلة وتقسيم الروايات إلى روايات واردة عن أهل بيت العصمة (ع) ، واخرى جاءت من طريق المخالفين أستحلفك بالله فهل محمد بن سائب الكلبي من اهل السنة والجماعة ، فقد كان من اصحاب الامام الصادق فأين عقلك من نسبة هذا الكلام لابن السائب الكلبي وهو أول من ألف من الامامية في أحاديث الاحكام أتق الله . فأغلب ما ذكرته أوهن من بيت العنكبوت ، ثم لماذ لم تشير إلى الشخص الذي قال بمخالفة قبر الامير (ع) في وقتنا الحالي ، اتمنى أن تراجع نفسك قبل أن تصبح أضحوكة أمام الناس .

 
علّق سرى أحمد ، على لماذا القدسُ أقرب لنا الآن أكثر من أيِّ وقتٍ مضى؟! - للكاتب فاطمة نذير علي : تحليل راقي جداً ، عاشت الايادي 🤍 كل هذه الاحداث هي اشارة على قرب النصر بإذن الله ، "إنهم يرونه بعيداً ونراه قريباً"

 
علّق طارق داود سلمان ، على مديرية شهداء الرصافة تزود منتسبي وزارة الداخلية من ذوي الشهداء بكتب النقل - للكاتب اعلام مؤسسة الشهداء : الاخوة الاعزاء فى دائرة شهداء الرصافة المحترمين تحية وتقدير واحترام انى ابن الشهيد العميد الركن المتقاعد داود سلمان عباس من شهداء انقلاب 8 شباط الاسود1963 بلرقم الاستشهادى 865/3 بمديرية شهداء الرصافة اكملت معاملتى من مؤسسة الشهداء العراقية بلرقم031453011601 بتاريخ 15/4/2012 وتم تسكين المعاملة فى هيئة التقاعد الوطنية لتغير قانون مؤسسة الشهداء ليشمل شهداء انقلاب 8 شباط الاسود1963 وتم ذلك من مجلس النواب وصادق رئيس الجمهورية بلمرسوم 2 فى 2 شباط2016 ولكونى مهاجر فى كندا – تورنتو خارج العراق لم اتمكن من اجراء المعاملة التقاعدية استطعت لاحقا بتكملتها بواسطة وكيلة حنان حسين محمد ورقم معاملتى التقاعدية 1102911045 بتاريخ 16/9/2020 ومن ضمن امتيازات قانون مؤسسة الشهداء منح قطعة ارض اوشقة او تعويض مادى 82 مليون دينار عراقى علما انى احد الورثة وان امكن ان تعلمونا ماذا وكيف استطيع ان احصل على حقوقى بلارض او الشقة او التعويض المادى وفقكم اللة لخدمة الشهداء وعوائلهم ولكم اجران بلدنيا والاخرة مع كل التقدير والاحترام المهندس الاستشارى طارق داود سلمان البريد الالكترونى [email protected] 44 Peacham Crest -Toronto-ON M3M1S3 Tarik D.Salman المهندس الاستشارى طارق داود سلمان الاستاذ الفاضل يرجى منك ايضا مراسلة وزارة الداخلية والدوائر المعنية بالامر اضافة الى هذا التعليق  ادارة الموقع 

 
علّق Saya ، على هذا هو علي. - للكاتب إيزابيل بنيامين ماما اشوري : اللهم صل على محمد وال محمد أحسنت اختي بارك الله فيك وزادك علما ونورا.... انا اقرأ هذه المقالة في أيام عظيمة هي ليال القدر وذكرى استشهاد أمير المؤمنين علي عليه السلام وجسمي يقشعر لهذه المعلومات كلما قرأت أكثر عنه أشعر أني لا أعرف عن هذا المخلوق شيئا كل ما اقرأ عنه يفاجأني أكثر سبحان الله والحمد لله الذي رزقنا ولايته ومحبته بمحبته ننجو من النار نفس رسول الله صلى الله عليه وآله لا عجب أن في دين الإسلام محبته واجبة وفرض وهي إيمان وبغضه نفاق وكفر

 
علّق Saya ، على أسرار يتسترون عليها. - للكاتب إيزابيل بنيامين ماما اشوري : أحسنت اختي بارك الله فيك وزادك علما ونورا بالمناسبة اختي الكريمة نحن مأمورون بأن نصلي على محمد وال محمد فقد جاء عن النبي صلى الله عليه وآله لا تصلوا علي الصلاة البتراء قالوا وكيف نصلي عليك قال قولوا اللهم صل على محمد وال محمد اما بالنسبة للتلاعب فأنا شخصياً من المؤمنين بأن حتى قرأننا الكريم قد تعرض لبعض التلاعب ولكن كما وردنا عن ائمتنا يجب أن نلتزم بقرأننا هذا حتى يظهر المهدي المنتظر عجل الله فرجه الشريف

 
علّق Saya ، على رؤيا دانيال حول المهدي. - للكاتب إيزابيل بنيامين ماما اشوري : أحسنت اختي بارك الله فيك وزادك علما ونورا.... نحن الشيعة عندنا في بعض تفاسير القرآن الكريم ان كلمة "الإنسان" يقصد بها علي عليه السلام وليس دائما حسب الآية الكريمة وهنالك سورة الإنسان ونزلت هذه السورة على أهل البيت عليهم السلام في قصة طويلة... ومعروف عندنا أن المهدي المنتظر عجل الله فرجه الشريف يرجع نسبه إلى ولد فاطمة وعلي عليهما السلام

 
علّق A H AL-HUSSAINI ، على هادي الكربلائي شيخ الخطباء .. - للكاتب حسين فرحان : لم أنسه إذ قام في محرابه ... وسواه في طيف الكرى يتمتع .. قصيدة الشيخ قاسم محيي الدين رحمة الله عليه .

 
علّق muhammed ، على أسرار يتسترون عليها. - للكاتب إيزابيل بنيامين ماما اشوري : جهد تؤجرين عليه ربي يوفقك

 
علّق ابومطر ، على عذرا يا فيكتور هيجوا فأنك مخطأ تماماً - للكاتب حسين العسكري : والله لو هيجو شايفك ومتحاور وياك، كان لادخل الاسلام ولاتقرب للاسلام الحمدلله انك مطمور ولكن العتب على الانترنت اللي خلة اشكالكم تشخبطون. ملاحظة: لاادافع عن مذهب معين فكل المذاهب وضعت من قبل بشر. احكم عقلي فيما اسمع

 
علّق يوسف البطاط ، على السيدة ام البدور السواطع لمحة من مقاماتها - للكاتب محمد السمناوي : السلام عليكم ورحمة اللّٰه وبركاته أحسنتم جناب الشيخ الفاضل محمد السمناوي بما كتبته أناملكم المباركة لدي استفسار حول المحور الحادي عشر (مقام النفس المُطمئنَّة) وتحديداً في موضوع الإختبار والقصة التي ذكرتموها ،، أين نجد مصدرها ؟؟

 
علّق رعد أبو ياسر ، على عروس المشانق الشهيدة "ميسون غازي الاسدي"  عقد زواج في حفلة إعدام ..!! : لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم حقيقة هذه القصة أبكتني والمفروض مثل هكذا قصص وحقائق وبطولات يجب أن تخلد وتجسد على شكل أفلام ومسلسلات تحكي الواقع المرير والظلم وأجرام البعث والطاغية الهدام لعنة الله عليه حتى يتعرف هذا الجيل والأجيال القادمة على جرائم البعث والصداميين وكي لا ننسى أمثال هؤلاء الأبطال والمجاهدين.

 
علّق منير حجازي ، على الكتاب والتراب ... يؤكدان نظرية دارون   - للكاتب راسم المرواني : في العالم الغربي الذي نشأت فيه ومنه نظرية التطور . بدأت هذه النظرية تتهاوى وبدأوا يسحبونها من التدريس في المدارس لا بل في كل يوم يزداد عدد الذين يُعارضونها . انت تتكلم عن زمن دارون وادواته ، ونحن اليوم في زمن تختلف فيه الادوات عن ذلك الزمن . ومن المعروف غربيا أنه كلما تقدم الزمن وفر للعلماء وسائل بحث جديدة تتهاوى على ضوئها نظريات كانت قائمة. نحن فقط من نُلبسها ثوب جديد ونبحث فيها. دارون بحث في الجانب المادي من نظريته ولكنه قال حائرا : (اني لا أعلم كيف جُهز هذا الإنسان بالعقل والمنطق). أن المتغيرات في هذا الكون لا تزال جارية فلا توجد ثوابت ولا نظريات ثابتة ما دامت تخرج من فكر الإنسان القاصر المليء بالاخطاء. ولهذا اسسوا مختلف العلوم من أجل ملاحقة اخطاء الفكر ، التي سببت للناس المآسي على مرّ التاريخ ، فوضعوا مثلا : (علم الميزان ، معيار العلوم ، علم النظر ، علم الاستدلال ، قانون الفكر ، مفتاح العلوم ) وكُلها تندرج تحت علم المنطق. ان تشارلز دارون ادرك حجم خطر نظريته ولذلك نراه يقول : (ان نظرية التطور قد قتلت الله وأخشى أن تكون نتائجها في مستقبل الجنس البشري أمرا ليس في الحسيان). .

الكتّاب :

صفحة الكاتب : عزيز الخيكاني
صفحة الكاتب :
  عزيز الخيكاني


للإطلاع على كافة الكتّاب إضغط هنا

الملفات :

مقالات مهمة :



 إنسانية الإمام السيستاني

 بعد إحراجهم بكشف عصيانها وخيانتهم للشعب: المرجعية الدينية العليا تـُحرج الحكومة بمخالفة كلام المعصومين.. والعاصفة تقترب!!!

 كلام موجه الى العقلاء من ابناء شعبي ( 1 )

 حقيقة الادعياء .. متمرجعون وسفراء

 قراءة في خطبة المرجعية : هل اقترب أَجلُ الحكومةِ الحالية؟!

 خطر البترية على بعض اتباع المرجعية قراءة في تاثيرات الادعياء على اتباع العلماء

 إلى دعاة المرجعية العربية العراقية ..مع كل الاحترام

 مهزلة بيان الصرخي حول سوريا

 قراءة في خطبة الجمعة ( 4 / رمضان/ 1437هـ الموافق 10/6/2016 )

 المؤسسة الدينية بين الواقع والافتراء : سلسلة مقالات للشيخ محمد مهدي الاصفي ردا على حسن الكشميري وكتابيه (جولة في دهاليز مظلمة) و(محنة الهروب من الواقع)

 الى الحميداوي ( لانتوقع منكم غير الفتنة )

 السيستاني .. رسالة مهدوية عاجلة

 من عطاء المرجعية العليا

 قراءة في فتوى الدفاع المقدس وتحصين فكر الأمة

 فتوى السيد السيستاني بالجهاد الكفائي وصداها في الصحافة العالمية

 ما هو رأي أستاذ فقهاء النجف وقم المشرّفتَين السيد الخوئي بمن غصب الخلافة ؟

 مواقف شديدة الحساسية/٢ "بانوراما" الحشد..

أحدث مقالات الكتّاب :





 لنشر مقالاتكم يمكنكم مراسلتنا على [email protected]

تم تأسيس الموقع بتاريخ 1/4/2010 © محمد البغدادي 

 لا تتحمل الإدارة مسؤولية ما ينشر في الموقع من الناحيتين القانونية والأخلاقية.

  Designed , Hosted & Programmed By : King 4 Host . Net