صفحة الكاتب : رجاء بيطار

وبالوالدين إحسانا"  
رجاء بيطار

رباه، رحماك يا رب..! أخرجني من هذه الدوامة يا إلهي..!
كانت الكلمات تمخر عبابه، وتتساقط متلاحقة من بين شفتيه كأوراق الخريف، كانت الألفاظ تصطدم بالمدى؛ لترتد إليه صماء جامدة، لا تحرك في كيانه خشوعه، حتى لكأن امرءاً سواه كان يصلي..!
آلمه بروده، أثار في أعماقه خيبة وحسرة، ويلاه، ما لهذا الفؤاد لا تمسه قشعريرة الحب الإلهي، والتغلغل في عشقه الأزلي..؟! ما بال أعطافه لا تهتز لوقع المناجاة، ومقلتيه قاحلتين لا يرويهما معين الروح بغيث الفؤاد؟ أين نشوة الطاعة الحقة للخالق، والتي طالما رفعته إلى أعلى عليين؟
 اعتصر منه الألم دموعاً، لم تكن دموع المناجاة التي تشفي النفس وتجلو كدرها، لم يدرِ ماذا أصابه، ماذا غيّر رقة فؤاده، فجعل ابتهاله مجرد ألفاظ خالية من الحياة،  لا بد أنه أذنب ذنباً عظيماً، وما هذه القسوة في قلبه إلا حصاد ذلك الذنب..!
مسح دموعه متخاذلا، وراح يفتش في طوايا ذاكرته، تذكر عدة صغائر، ولكنه لم يتذكر ذنباً واحداً ذا أهمية وجرم، ليكون هو السبب، هل هو توالي الصغائر؟! كلا، فهو لم يصرّ يوماً على خطأ ارتكبه، بل هو يبادر تواً إلى الاعتذار والاستغفار، والاستغفار يجلو أدران النفس ويطهرها، إذن، هو ليس تراكم الصغائر..!
قطع عليه خلوته وقع أقدام تقترب على مهل، ودخلت سكينة، توجّهت إليه ببسمة رقيقة وهي تقول:
- هل أنهيت صلاتك يا محسن؟
أجابها بحدة:
- كلا، ليس بعد، ماذا هناك؟
انطفأت ابتسامتها وهي تجيب: لا شيء، سوى أن أخاك منذرا قد اتصل، وهو يريد محادثتك بأمر ضروري.
- قولي له أنني أصلي، وسأتصل به فيما بعد..!
- وهل أنت حقاً تصلي يا محسن؟!
أزعجه تعليقها فكاد ينهرها، ولكنها انسحبت بمثل الهدوء الذي دخلت به.
وقف ثانية للصلاة، ولكن صورة سكينة ملأت الفراغ حوله، لقد أساء إليها بجفائه، وهي أكثر ما تكون لطفاً.
ترك مكانه، لحق بها إلى المطبخ حيث كانت تحضر مائدة الغداء، رأى في عينيها  حزناً، شعر بحبه لها يتعاظم، فهي تملأ البيت حناناً وطهراً وسعادة، لعله يغفل عن هذه الحقيقة أحياناً، أمسك بيدها هامساً:
- سكينة، هل أنت غاضبة مني؟
- كلا، بل عاتبة..!
وتركت يده وهي تتابع عملها، فلاحقها يقول:
- أنا آسف يا حبيبتي، لست أدري لِمَ كنت سريع الانفعال هكذا..!
رفعت إليه نظرة مدهوشة وهي تقول: أتعتذر مني أنا؟ إذن، ما حال أمك؟!
حدّق في عينيها الحزينتين بحيرة، ما بها أمه؟! إنه ما تعوّد من سكينة أن تشتكي من أمه قط، فهي تحبها كما لو أنها التي ولدتها..! 
وتابعت سكينة: إن أخاك منذراً يريد التحدث إليك بشأنها..!
أطلق آهة قصيرة، إنها أمه..! شعر بأن سداً ما كان قائماً أمامه قد تهاوى، إن تقصيره تجاهها هو الذي يضنيه، ويقف حائلاً بينه وبين ربه..!
واجهته وهي تتنهد قائلة: كفى يا محسن، أرجوك، أحضرها إلى هنا وأنهِ هذه المعضلة.!
لم يرد، فعادت تلح:
- لِمَ التردد يا حبيبي، أتخشى أن لا تستطيع الانفاق عليها، أم تخشى أن تتكدر راحتك؟
انتفض لوقع كلماتها، كانت كقذيفة مدوية هزت كيانه وأيقظت وجدانه، ولكن، لماذا هو بالذات؟! إنه لا يزال حديث عهد بالزواج، وامرأته حامل في بداية حملها، وقد لا تتمكن من القيام على شؤون أمه المريضة، بينما منذر متزوج منذ سبعة أعوام، وامرأته...
قاطعه شحوب مفاجئ في وجه سكينة، هرع إليها بلهفة يسندها، مضت لحظات فاستعادت هدوءها ولونها الوردي، ونبرتها الملائكية وهي تهمس له:
- محسن، ماذا تحسب سيكون شعوري الآن لو تخيّلت أن هذا الطفل الذي أضمه في أحشائي، أغذيه بدمي وخفقات فؤادي، وأتحمل لأجل رؤيته المكاره، سيصبح يوماً، وبعد أن ألده وأربيه ليكبر ويستغني عني، متضايقاً من وجودي أو على الأقل محتاراً في شأني، يتردد في إيوائي ببيته يوم أمرض، وقد آويته في جسدي تسعة أشهر طوال، وبين ذراعي بضع سنين، وفي قلبي عمري كله؟!
جف ريقه وهو يستمع، وغمغم يسأل:
- سكينة، وهل أنت قادرة على مساعدة أمي أثناء النهار، لو أتيت بها لتسكن معنا؟
هبت واقفة وهي تقول: ويحي، وهل أمك عاجزة يا محسن؟ أم هل أنا عاجزة كذلك؟!
اتسعت ابتسامته، وهم بمغادرة الغرفة، فاستوقفته قائلة:
- إلى أين؟
- إلى الصلاة، ثم نتغدى، ثم نذهب لإحضار أمي..!
- أما الصلاة فأجل، وأما الغداء، فلن أتناول لقمة واحدة قبل إحضارها..! هزج فؤاده وهو يتوجه إلى غرفته، وصلى، ربما كما لم يصلِّ من قبل، إنها أمه، علة وجوده وحياته، فكيف يقصر نحوها وهي المبتدئة بالجميل، لم تفكر يوم كانت تهبه أنفاسها وتشاطره كيانها، هل سيتمكن أن يرد لها ذاك الإحسان يوماً؟! وهيهات لذلك الإحسان أن يُرد..!

  

رجاء بيطار
 (للدخول لصفحة الكاتب إضغط هنا)

    طباعة   ||   أخبر صديقك عن الموضوع   ||   إضافة تعليق   ||   التاريخ : 2021/06/03



كتابة تعليق لموضوع : وبالوالدين إحسانا"  
الإسم * :
بريدك الالكتروني :
نص التعليق * :
 



حمل تطبيق (كتابات في الميزان) من Google Play



اعلان هام من قبل موقع كتابات في الميزان

البحث :



أحدث التعليقات كتابة :



  علّق لطيف عبد سالم ، على حكايات النصوص الشعرية في كتاب ( من جنى الذائقة ) للكاتب لطيف عبد سالم - للكاتب جمعة عبد الله : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته شكري وامتناني إلى الناقد المبدع الأديب الأستاذ جمعة عبد الله على هذه القراءة الجميلة الواعية، وإلى الزملاء الأفاضل إدارة موقع كتابات في الميزان الأغر المسدد بعونه تعالى.. تحياتي واحترامي لطيف عبد سالم

 
علّق جعفر عبد الكريم الحميدي ، على المرجع الشيخ الوحيد الخراساني يتصدر مسيرة - للكاتب علي الزين : أحسنت أحسنت أحسنت كثيرا.. اخي الكريم.. مهما تكلمت وكتبت في حق أهل البيت عليهم السلام فأنت مقصر.. جزيت عني وعن جميع المؤمنين خيرا. َفي تبيان الحق وإظهار حقهم عليهم السلام فهذا جهاد. يحتاج إلى صبر.. وعد الله -تعالى- عباده الصابرين بالأُجور العظيمة، والكثير من البِشارات، ومن هذه البِشارات التي جاءت في القُرآن الكريم قوله -تعالى- واصفاً أجرهم: (أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ.. تحياتى لكم اخي الكريم

 
علّق ابو مديم ، على لماذا حذف اليهود قصة موسى والخضر من التوراة ؟ - للكاتب مصطفى الهادي : السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته : ملاحظة صغيرة لو سمحت سنة 600 للميلاد لم يكن قد نزل القرآن الكريم بعد حتى ان الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن قد خلق بعد حسب التواريخ حيث ولد عام 632 ميلادي

 
علّق احمد ابو فاطمة ، على هل تزوج يسوع المسيح من مريم المجدلية . تافهات دخلن التاريخ. - للكاتب إيزابيل بنيامين ماما اشوري : منذ قديم العصور دأب منحرفي اليهود الى عمل شؤوخ في عقائد الناس على مختلف أديانهم لأهداف تتعلق يمصالهم الدنيوية المادية ولديمومة تسيدهم على الشعوب فطعنوا في أصول الأنبياء وفي تحريف كتبهم وتغيير معتقداتهم . فلا شك ولا ريب انهم سيستمرون فيما ذهب اليه أجدادهم . شكرا لجهودكم ووفقتم

 
علّق سعدون الموسى ، على أساتذة البحث الخارج في حوزة النجف الأشرف - للكاتب محمد الحسيني القمي : الله يحفظهم ذخرا للمذهب

 
علّق احمد السعداوي الزنكي ، على العشائر الشيعية في ناحية "السعدية" بمحافظة ديالى العراقية تتصدى لهجوم تنظيم "داعش" الإرهابي : كلنا سيوف بيد الشيخ عصام الزنكي ابن عمنا وابن السعديه الزنكيه الاسديه

 
علّق سلام السعداوي الاسدي ، على نَوالُ السَّعْداويُّ بينَ كَيْلِ المَدِيحِ وَكَيْلِ الشَّتائم! - للكاتب زعيم الخيرالله : نحن بيت السعداوي الزنكي الاسدي لايوجد ترابط بيننا مع عشيره السعداوي ال زيرج

 
علّق جعفر عبد الكريم الحميدي ، على المرجعية الشيعية هي صمام الأمان  والطريق لأهل البيت - للكاتب علي الزين : لقد ابتليت الأمه الإسلامية في زماننا َكذلك الا زمنه السابقة بكثير ممن يسعون إلى الإهانة إلى الدين او المذهب. َولاغرابة في الأمر. هنالك في كل زمان حاقدين اَو ناقصين. َوبسبب ماهم فيه من نقص او عداء. يوظفون عقولهم لهدم الدين او المذهب.. لعتقادهمان ذلك سوف يؤدي إلى علو منزلتهم عندالناساوالجمهور.. تارة يجهون سهامهم ضد المراجع وتارة ضد الرموز.. حمى الله هذا الدين من كل معتدي.. أحسنت أيها البطل ابا حسين.. وجعلكم الله ممن تعلم العلم ليدافع او من أجل ان يدافع عن هذا الدين العظيم

 
علّق نداء السمناوي ، على لمحة من حياة الامام الحسن المجتبى عليه السلام - للكاتب محمد السمناوي : سيضل ذكرهم شعاع في طريق الباحثين لمناقبهم احسنت النشر

 
علّق علاء المياحي ، على جريمة قتل الوقت. - للكاتب إيزابيل بنيامين ماما اشوري : احسنتم سيدتي الفاضلة وبوركت جهودكم ..كنت اتمنى ان اعرفكم واتابعكم ولكن للاسف الان قد علمت وبدأت اقرأ منشوراتكم..دكمتم بصحة وعافية

 
علّق محمد مصطفى كيال ، على الأنوار - للكاتب إيزابيل بنيامين ماما اشوري : {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } [النور35] . انه الله والنبي والوصي.

 
علّق منير حجازي ، على الحشد الشعبي يعلن بدء عملية كبرى لتجفيف هورة الزهيري آخر معاقل الإرهاب في حزام بغداد : تخريب البيئة وخلق بيئة للتصحر عملية غير انسانية من قبل دولة المفروض بها تمتلك الامكانيات الجوية الكبيرة التي تقوم بتسهيل مهمة اصطياد الارهابيين والقضاء عليهم . يضاف إلى ذلك ما هو دور القوة النهرية التي تتجول في دجلة والفرات والحبانية وغيرها . ما بالكم امعنتم في ارض العراق وموارده تخريبا . سبب انقطاع الامطار هو عدم وجود المناطق الرطبة الموازية التي تغذي الفضاء بالبخار نتيجة لقلة المياه على الأرض .

 
علّق سلام الجبوري ، على مظلومية الزهراء عليها السلام في مصادر الشيعة الإمامية قراءة تحليلية موجزة - للكاتب السيد زين العابدين الغريفي : السلام عليكم سيدنا نطلب من سماحتكم الاستمرار بهذه البحوث والحلقات لاجل تبصير الناس وتوعيتهم

 
علّق عشيره السعداوي الاسديه ال زنكي ، على نَوالُ السَّعْداويُّ بينَ كَيْلِ المَدِيحِ وَكَيْلِ الشَّتائم! - للكاتب زعيم الخيرالله : عشيره السعداوي في مصر ليس كما هيه بيت السعداوي ال زنكي الاسديه

 
علّق دلشاد الزنكي خانقين ، على العشائر الشيعية في ناحية "السعدية" بمحافظة ديالى العراقية تتصدى لهجوم تنظيم "داعش" الإرهابي : السلام عليكم نحن عشيره الزنكي في خانقين واجدادي في السعديه وحاليا متواصلين مع الزنكنه وقبل ايام اتصل علينا الأخ وابن العم ابو سجاد الاسدي من بغداد ويرحب بنا الشيخ محمد لطيف الخيون قلت له ان شيخنا اسمه الشيخ عصام الزنكي قال لي ان الشيخ عصام تابع لنا.

الكتّاب :

صفحة الكاتب : عدنان فرج الساعدي
صفحة الكاتب :
  عدنان فرج الساعدي


للإطلاع على كافة الكتّاب إضغط هنا

الملفات :

مقالات مهمة :



 إنسانية الإمام السيستاني

 بعد إحراجهم بكشف عصيانها وخيانتهم للشعب: المرجعية الدينية العليا تـُحرج الحكومة بمخالفة كلام المعصومين.. والعاصفة تقترب!!!

 كلام موجه الى العقلاء من ابناء شعبي ( 1 )

 حقيقة الادعياء .. متمرجعون وسفراء

 قراءة في خطبة المرجعية : هل اقترب أَجلُ الحكومةِ الحالية؟!

 خطر البترية على بعض اتباع المرجعية قراءة في تاثيرات الادعياء على اتباع العلماء

 إلى دعاة المرجعية العربية العراقية ..مع كل الاحترام

 مهزلة بيان الصرخي حول سوريا

 قراءة في خطبة الجمعة ( 4 / رمضان/ 1437هـ الموافق 10/6/2016 )

 المؤسسة الدينية بين الواقع والافتراء : سلسلة مقالات للشيخ محمد مهدي الاصفي ردا على حسن الكشميري وكتابيه (جولة في دهاليز مظلمة) و(محنة الهروب من الواقع)

 الى الحميداوي ( لانتوقع منكم غير الفتنة )

 السيستاني .. رسالة مهدوية عاجلة

 من عطاء المرجعية العليا

 قراءة في فتوى الدفاع المقدس وتحصين فكر الأمة

 فتوى السيد السيستاني بالجهاد الكفائي وصداها في الصحافة العالمية

 ما هو رأي أستاذ فقهاء النجف وقم المشرّفتَين السيد الخوئي بمن غصب الخلافة ؟

 مواقف شديدة الحساسية/٢ "بانوراما" الحشد..

أحدث مقالات الكتّاب :





 لنشر مقالاتكم يمكنكم مراسلتنا على [email protected]

تم تأسيس الموقع بتاريخ 1/4/2010 © محمد البغدادي 

 لا تتحمل الإدارة مسؤولية ما ينشر في الموقع من الناحيتين القانونية والأخلاقية.

  Designed , Hosted & Programmed By : King 4 Host . Net