صفحة الكاتب : رجاء بيطار

ضلوع البقيع
رجاء بيطار

 قفوا نبكِ من ذكرى الأحبة في البقيع

فعسى تطوف عيوننا بالكعبة العصماء في عمق النجيع
وترفّ أفئدةُ لنا، كحمائم الطف الملطّخة النصوع
وتطير تبحث عن ربيع..
 بلى.. ولطالما سألني القلب عن معنى (البقيع)، فحار مني اللبّ، وأنا أبحث في معاجم الروح وقواميس السماء، فما وجدت لها إلا معنىً واحداً، هي (بقاع) الجنان، انكسرت ألِفها مع انكسار الضلع الأول، فغدت (بقيعاً)، ثم انفرجت حروفها لتضمّ كل تلك الضلوع، وتنوح من بعيد على تلك الربوع، وتناجي الأحبة الغرباء المبحرين في يمّ الصقيع..
وتتوالى أسماء العترة الهادية: "ما منا إلا مسمومٌ أو مقتول" صدقت يا أبا البتول، وما منكم إلا غريبٌ في الأقطار قد غدا للغرباء وطنا، أو قريرٌ في الجوار قد حُرم أن يكون لهم سكن.
ترى، ما الحكمة في ذلك؟!
أن يكون جوارك الآمن وجنتك العلية، لمحبيك ومحبي بضعتك الزكية، غربة.. لا تستهلّ فيه دموعهم وتنتفض عنده قلوعهم إلا سراً وتقية، بينما تنطلق الأفئدة هناك، في تلك الجنان القصية، لتمتلئ الأصوات والآهات والصدور بالزفرات، فلا تخاف الأذية؟!
وأقلّب صفحات التاريخ مراراً، أنقّب فيها عن كنوزٍ غدت عندنا أسراراً، فرمنا اكتشافها عسانا نحوز انتصاراً.. وأي انتصارٍ ذاك، حينما تشرق السطور بأنوار الطور الساطعة من الرقّ المنشور، المنزل على نبيٍّ محبورٍ بقدرٍ مقدور..
بلى.. ويهلّ من جانب ضلع البقيع المكسور نور.. وأمعن النظر، فإذا هو باقر العلم الأكبر، خامس الأئمة الغرر سادات البشر، سميّ النبي ووريث علمه وعلم الوصي، ابن الخيرتين من هاشم، علويّ ابن علويَّين، أمه فاطمة بنت الحسن الزكي، وأبوه زين العابدين علي بن الحسين (عليهم جميعاً أفضل السلام) ولا نبالغ إن قلنا: إنه أكرم نسب، فهو وليد السبطين، ولا عجب.
ويكفينا معرفةً بفضله، سوى كرم محتد آبائه المتصل بنبي الرحمة عبر الأئمة، قول ولده الإمام الصادق(عليه السلام) في أمه:
 "كانت جدتي صدّيقةً لم يُدرك في آل الحسن مثلها".  
ويزيدنا بياناً بحالها ما ذكر على لسان ولدها الباقر(عليه السلام) نفسه:
"كانت أمي قاعدةً عند جدار، فتصدّع الجدار، وسمعنا هدةً شديدة، فأشارت بيدها وقالت: "لا وحق المصطفى ما أُذن لك في السقوط"، فبقي معلّقاً حتى جازته، فتصدّق عنها أبي بمئة دينار".
إيه يا أم الأئمة، تقسمين على الجماد فيطيعك، أفلا أقسمتِ على تلكم القلوب القاسية التي حال بينها وبين حب أوليائك هوى النفس، لعلها تتصدع وتتدكدك؟!
كلا، بل هي قلوبٌ أشد قسوةً من الحجارة، فذا طاغية بني أمية يقتل أطهار بني هاشم، ويتطاول على الآل الأكارم، ويسبيك ويسبي بعلك وابنك فيمن يسبي من آل الرسول، بعدما تذوقون حر المصاب وفقد الأحباب.
 وها أنت يا مولاتي تساندين سيدتك زينب الكبرى في حفظ ركب الطهر من أزلام العهر، وتحوطين زوجك العليل وطفلك الأثيل من ذاك الشر، فتكونين واحدةً من تلكم النساء العظيمات اللواتي صنَّ الرسالة والإمامة من الكيد والمكر.
وأما سيد عصره، عالم آل محمد، من بقر العلم وشقّه وأظهره، فذاك لبّ الحديث وجوهره، وقد سبق إليه باللقب جده النبي الأكرم(ص) إذ قال لصاحبه جابر بن عبد الله الأنصاري:
"يا جابر، إنك ستبقى حتى تلقى ولدي محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب(عليه السلام)، المعروف في التوراة بالباقر، فإذا لقيته فأقرئه عني السلام".
بلى.. هو الباقر، من تفتّحت عيناه في حجر جده سيد الشهداء(عليه السلام)، فرأى ظلامته وعاش مأساة كربلاء، وسبي طفلاً ابن أربعٍ في من سُبي من آل أحمد الأصفياء، ثم عاد إلى مدينة جده وقد خبر على صغر سنه عمق البلاء، وعايش أباه زين العابدين(عليه السلام)، وتتلمذ على يديه الحانيتين، حتى شاهد بأم العين استشهاده مسموماً بعد حين، أسوة بجده المجتبى الأمين.
وكان له من خلاف الأمويين على الحكم فرصة في إظهار علم آبائه الدفين، وتخريج الفقهاء والعلماء والعابدين، حتى قيل فيه:
"ما رأينا العلماء عند أحدٍ أصغر علماً منهم في مجلس أبي جعفرٍ الباقر(عليه السلام)"
ولكنه كما وعد جده المصطفى(ص)، لم يسلم من سمهم الزعاف، فها هو هشام بن عبد الملك الأموي يرسل إليه يستدعيه إلى دمشق، هو وولده الصادق(عليه السلام)، ظاناً أنه قادرٌ على الإنقاص من قدره أمام أهل الشام، بعدما رآه من عظمته في عيون أهل الحجاز، ولكنه خسئ وتُبّر عمله، فحبسه فصار أهل السجن مريدين له، فأشخصه إلى المدينة مسرعاً عساه يكتفي أمره، وأرسل قبله من يشيع في الناس أنه ساحر، فلما مرّ على (مدين) غلّق أهلها أبوابهم في وجهه، فدعا عليهم كدعاء نبيهم شعيب(عليه السلام)، وكاد ينزل بهم عذاب كعذابه، لولا أن تداركوا الأمر ففتحوا له مرعوبين، وقد اكتشفوا مكانته من حيث أريد لهم أن يكونوا عنه غافلين.
لقد كاد له الطاغية من كل جانب، فكان كيده في تضليل، حتى إذا أعياه أمره، أوعز إلى عامله على المدينة أن يدس له السم، لتكتمل مسيرة الشهادة الحسينية بشهيد جديد، عاش كربلاء في طفولته، وكرّ على البلاء في شبابه وكهولته، فكان مصيره مصير آبائه الأتقياء النجباء من آل النبي وعترته، صالحٌ بعد صالح، وشهيد في إثر شهيد، حتى يحكم الله بين الحق والباطل بما يريد، وهو خير الحاكمين.

  

رجاء بيطار
 (للدخول لصفحة الكاتب إضغط هنا)

    طباعة   ||   أخبر صديقك عن الموضوع   ||   إضافة تعليق   ||   التاريخ : 2021/05/20



كتابة تعليق لموضوع : ضلوع البقيع
الإسم * :
بريدك الالكتروني :
نص التعليق * :
 



حمل تطبيق (كتابات في الميزان) من Google Play



اعلان هام من قبل موقع كتابات في الميزان

البحث :



أحدث التعليقات كتابة :



  علّق لطيف عبد سالم ، على حكايات النصوص الشعرية في كتاب ( من جنى الذائقة ) للكاتب لطيف عبد سالم - للكاتب جمعة عبد الله : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته شكري وامتناني إلى الناقد المبدع الأديب الأستاذ جمعة عبد الله على هذه القراءة الجميلة الواعية، وإلى الزملاء الأفاضل إدارة موقع كتابات في الميزان الأغر المسدد بعونه تعالى.. تحياتي واحترامي لطيف عبد سالم

 
علّق جعفر عبد الكريم الحميدي ، على المرجع الشيخ الوحيد الخراساني يتصدر مسيرة - للكاتب علي الزين : أحسنت أحسنت أحسنت كثيرا.. اخي الكريم.. مهما تكلمت وكتبت في حق أهل البيت عليهم السلام فأنت مقصر.. جزيت عني وعن جميع المؤمنين خيرا. َفي تبيان الحق وإظهار حقهم عليهم السلام فهذا جهاد. يحتاج إلى صبر.. وعد الله -تعالى- عباده الصابرين بالأُجور العظيمة، والكثير من البِشارات، ومن هذه البِشارات التي جاءت في القُرآن الكريم قوله -تعالى- واصفاً أجرهم: (أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ.. تحياتى لكم اخي الكريم

 
علّق ابو مديم ، على لماذا حذف اليهود قصة موسى والخضر من التوراة ؟ - للكاتب مصطفى الهادي : السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته : ملاحظة صغيرة لو سمحت سنة 600 للميلاد لم يكن قد نزل القرآن الكريم بعد حتى ان الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن قد خلق بعد حسب التواريخ حيث ولد عام 632 ميلادي

 
علّق احمد ابو فاطمة ، على هل تزوج يسوع المسيح من مريم المجدلية . تافهات دخلن التاريخ. - للكاتب إيزابيل بنيامين ماما اشوري : منذ قديم العصور دأب منحرفي اليهود الى عمل شؤوخ في عقائد الناس على مختلف أديانهم لأهداف تتعلق يمصالهم الدنيوية المادية ولديمومة تسيدهم على الشعوب فطعنوا في أصول الأنبياء وفي تحريف كتبهم وتغيير معتقداتهم . فلا شك ولا ريب انهم سيستمرون فيما ذهب اليه أجدادهم . شكرا لجهودكم ووفقتم

 
علّق سعدون الموسى ، على أساتذة البحث الخارج في حوزة النجف الأشرف - للكاتب محمد الحسيني القمي : الله يحفظهم ذخرا للمذهب

 
علّق احمد السعداوي الزنكي ، على العشائر الشيعية في ناحية "السعدية" بمحافظة ديالى العراقية تتصدى لهجوم تنظيم "داعش" الإرهابي : كلنا سيوف بيد الشيخ عصام الزنكي ابن عمنا وابن السعديه الزنكيه الاسديه

 
علّق سلام السعداوي الاسدي ، على نَوالُ السَّعْداويُّ بينَ كَيْلِ المَدِيحِ وَكَيْلِ الشَّتائم! - للكاتب زعيم الخيرالله : نحن بيت السعداوي الزنكي الاسدي لايوجد ترابط بيننا مع عشيره السعداوي ال زيرج

 
علّق جعفر عبد الكريم الحميدي ، على المرجعية الشيعية هي صمام الأمان  والطريق لأهل البيت - للكاتب علي الزين : لقد ابتليت الأمه الإسلامية في زماننا َكذلك الا زمنه السابقة بكثير ممن يسعون إلى الإهانة إلى الدين او المذهب. َولاغرابة في الأمر. هنالك في كل زمان حاقدين اَو ناقصين. َوبسبب ماهم فيه من نقص او عداء. يوظفون عقولهم لهدم الدين او المذهب.. لعتقادهمان ذلك سوف يؤدي إلى علو منزلتهم عندالناساوالجمهور.. تارة يجهون سهامهم ضد المراجع وتارة ضد الرموز.. حمى الله هذا الدين من كل معتدي.. أحسنت أيها البطل ابا حسين.. وجعلكم الله ممن تعلم العلم ليدافع او من أجل ان يدافع عن هذا الدين العظيم

 
علّق نداء السمناوي ، على لمحة من حياة الامام الحسن المجتبى عليه السلام - للكاتب محمد السمناوي : سيضل ذكرهم شعاع في طريق الباحثين لمناقبهم احسنت النشر

 
علّق علاء المياحي ، على جريمة قتل الوقت. - للكاتب إيزابيل بنيامين ماما اشوري : احسنتم سيدتي الفاضلة وبوركت جهودكم ..كنت اتمنى ان اعرفكم واتابعكم ولكن للاسف الان قد علمت وبدأت اقرأ منشوراتكم..دكمتم بصحة وعافية

 
علّق محمد مصطفى كيال ، على الأنوار - للكاتب إيزابيل بنيامين ماما اشوري : {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } [النور35] . انه الله والنبي والوصي.

 
علّق منير حجازي ، على الحشد الشعبي يعلن بدء عملية كبرى لتجفيف هورة الزهيري آخر معاقل الإرهاب في حزام بغداد : تخريب البيئة وخلق بيئة للتصحر عملية غير انسانية من قبل دولة المفروض بها تمتلك الامكانيات الجوية الكبيرة التي تقوم بتسهيل مهمة اصطياد الارهابيين والقضاء عليهم . يضاف إلى ذلك ما هو دور القوة النهرية التي تتجول في دجلة والفرات والحبانية وغيرها . ما بالكم امعنتم في ارض العراق وموارده تخريبا . سبب انقطاع الامطار هو عدم وجود المناطق الرطبة الموازية التي تغذي الفضاء بالبخار نتيجة لقلة المياه على الأرض .

 
علّق سلام الجبوري ، على مظلومية الزهراء عليها السلام في مصادر الشيعة الإمامية قراءة تحليلية موجزة - للكاتب السيد زين العابدين الغريفي : السلام عليكم سيدنا نطلب من سماحتكم الاستمرار بهذه البحوث والحلقات لاجل تبصير الناس وتوعيتهم

 
علّق عشيره السعداوي الاسديه ال زنكي ، على نَوالُ السَّعْداويُّ بينَ كَيْلِ المَدِيحِ وَكَيْلِ الشَّتائم! - للكاتب زعيم الخيرالله : عشيره السعداوي في مصر ليس كما هيه بيت السعداوي ال زنكي الاسديه

 
علّق دلشاد الزنكي خانقين ، على العشائر الشيعية في ناحية "السعدية" بمحافظة ديالى العراقية تتصدى لهجوم تنظيم "داعش" الإرهابي : السلام عليكم نحن عشيره الزنكي في خانقين واجدادي في السعديه وحاليا متواصلين مع الزنكنه وقبل ايام اتصل علينا الأخ وابن العم ابو سجاد الاسدي من بغداد ويرحب بنا الشيخ محمد لطيف الخيون قلت له ان شيخنا اسمه الشيخ عصام الزنكي قال لي ان الشيخ عصام تابع لنا.

الكتّاب :

صفحة الكاتب : فاطمة العارضي
صفحة الكاتب :
  فاطمة العارضي


للإطلاع على كافة الكتّاب إضغط هنا

الملفات :

مقالات مهمة :



 إنسانية الإمام السيستاني

 بعد إحراجهم بكشف عصيانها وخيانتهم للشعب: المرجعية الدينية العليا تـُحرج الحكومة بمخالفة كلام المعصومين.. والعاصفة تقترب!!!

 كلام موجه الى العقلاء من ابناء شعبي ( 1 )

 حقيقة الادعياء .. متمرجعون وسفراء

 قراءة في خطبة المرجعية : هل اقترب أَجلُ الحكومةِ الحالية؟!

 خطر البترية على بعض اتباع المرجعية قراءة في تاثيرات الادعياء على اتباع العلماء

 إلى دعاة المرجعية العربية العراقية ..مع كل الاحترام

 مهزلة بيان الصرخي حول سوريا

 قراءة في خطبة الجمعة ( 4 / رمضان/ 1437هـ الموافق 10/6/2016 )

 المؤسسة الدينية بين الواقع والافتراء : سلسلة مقالات للشيخ محمد مهدي الاصفي ردا على حسن الكشميري وكتابيه (جولة في دهاليز مظلمة) و(محنة الهروب من الواقع)

 الى الحميداوي ( لانتوقع منكم غير الفتنة )

 السيستاني .. رسالة مهدوية عاجلة

 من عطاء المرجعية العليا

 قراءة في فتوى الدفاع المقدس وتحصين فكر الأمة

 فتوى السيد السيستاني بالجهاد الكفائي وصداها في الصحافة العالمية

 ما هو رأي أستاذ فقهاء النجف وقم المشرّفتَين السيد الخوئي بمن غصب الخلافة ؟

 مواقف شديدة الحساسية/٢ "بانوراما" الحشد..

أحدث مقالات الكتّاب :





 لنشر مقالاتكم يمكنكم مراسلتنا على [email protected]

تم تأسيس الموقع بتاريخ 1/4/2010 © محمد البغدادي 

 لا تتحمل الإدارة مسؤولية ما ينشر في الموقع من الناحيتين القانونية والأخلاقية.

  Designed , Hosted & Programmed By : King 4 Host . Net