• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : المقالات .
                    • الموضوع : العيد العنيد!! .
                          • الكاتب : د . صادق السامرائي .

العيد العنيد!!

العيد يتكرر في حياتنا كل عامٍ مرتين , وما تجدد العيد فينا وبنا , وأظن المتنبي لو كان حيا لأعاد قول: " عيد بأية حال عدت يا عيد....بما مضى أم بأمر فيك تجديد".

ولو أن الرصافي بيننا لكرر قول: " لقيتها ليتني ما كنت ألقاها...تمشي وقد أثقل الإملاق ممشاها" , أما الجواهري فسيردد: " نامي جياع الشعب نامي...حرستك آلهة الطعام".

أما شعراء اليوم فأنهم خرس عميٌّ صمٌّ في غياهب السريالية والفنتازيا يتشاعرون!!

 

العيد الذي أريد له أن يكون إحتفالية عقلية روحية قلبية نفسية ورمزية لإنجازات حضارية , وتواصلات إرتقائية معبّرة عن جوهر رسالة السماء التي ترجمها بالعمل الساطع المبين , الرسول الكريم وصحبه الأكرمين , فكانت أعيادهم تشير إلى إنجازاتهم وإنطلاقاتهم الأخلاقية والفكرية والتفاعلية السامية مع خلق الله أجمعين.

 

فكانت أعيادهم تتنامى وتكبر وتزدان بأفراح جديدة وإنجازات أصيلة , وما كانت أعيادهم متشابه أو ذات رتابة , ولا أوقات ندب وحسرات وبث آلام وتوسلات , وإنما كانت ذات روح منتصرة متوثبة وبصائر نافذة متوقدة وأرواح نبيلة طاهرة , فكانت تلك الأعياد مهرجانات سعادة وبهجة وشكر على فضل الله ونعمه , وإظهارا لإنتصارات المسلمين وتقدمهم وتطورهم.

 

فما تشابهت أعياد المسلمين منذ فتح مكة حتى وفاة الرسول الكريم , وتواصلت على هذا النهج من بعده لعقود  , ثم تحوّلت إلى أوقات للحديث عن القهر والظلم والإستعباد والفساد , وأمة الإسلام قد إمتد وجودها في بقاع الأرض كافة.

 

وترانا اليوم , نتبادل التهاني مع بعضنا ولا ندري نهنيئ بعضنا بماذا , والمسلم يقتل المسلم , ومدننا تدمَّر والناس يشردون والمعتقلات تزدحم والسجون تكتظ , والأقبية السرية يُعذب فيها المسلم أخاه المسلم , وهو يصلي أمامه ويصوم , والكل يفعل ما يفعل من الإثم والعدوان على الله ورسوله وكتابه , ويدّعي إنّه مسلم بل ومرجع أو إمام , ما دامت لحيته طويلة وعمامته عامرة وكبيرة , وقد إستعبد الرعاع والجهلاء وسخرهم لتنفيذ نوازع أمارة السوء التي يسوّغ رغباتها بالدين.

 

فالعيد ما عاد عيدا وإنما تأبينا لأمة , وقراءة لسورة الفاتحة على موتاها وما ينزل بها من النواكب بجهود أبنائها , الذين تم تأهيلهم لتنفيذ أجندات أعداء الأمة والدين وبإسم الأمة والدين.

 

إن القول بوجود عيد ما عاد له معنى ولا قيمة , لأن الفعل القبيح والعمل المشين ينسفه نسفا شرسا , كما ينسف المسلمون بعضهم بعضا , ويمحقون معالم ديارهم وما تبقى من شواهد وجودهم الحضاري في كل مكان يتكلم بلغة العزة والكرامة والقدرة وتأكيد الهوية العربية الإسلامية , وقد بددوا ثرواتهم في سفك دمائهم وتدمير ديارهم وتشريد مواطنيهم.

 

إن العيد الحقيقي يتجسد بإنتصار الأمة على جهلها وضلالها وبهتانها , وإيمانها بالعقل أولا , والتأكيد على سيادة العقل ودوره الإنساني التفاعلي في رسم خارطة الوجود الحضاري العربي الإسلامي , أما أن تدوس بأقدام التجهيل والتبعية على إرادة العقل وتطفئ أنواره وتطارد أصحابه , فأن الأمة لا يمكنها أن تقول أنها في عيد , وإنما أعيادها مآتم ونواح ودموع وإزدحام في مقابر الأبرياء الذين توسدوا التراب وقاتلهم يدّعي بالدين!!

 

ترى عمّاذا نهنيئ بعضنا , أ ليس في هذا هرب من الواقع ونكران للحقيقة , وتوهم بالفرح والحياة السعيدة , ودماء الناس تنزف وبيوتهم تدمّر ومدنهم تخرّب , ويستغيثون إلى ربهم من القهر والعناء وما يواجهونه من البلاء الذي يجلبه المسلم على المسلم!!

 

وقل ما شئت وأغمض عينيك عمّا شئت , فالنعامة لا ينجيها من الصيد دس رأسها في الرمال!!




  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=83537
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2016 / 09 / 13
  • تاريخ الطباعة : 2021 / 06 / 20