• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : المقالات .
                    • الموضوع : الثورات مسروقة دوما؟!! .
                          • الكاتب : د . صادق السامرائي .

الثورات مسروقة دوما؟!!

علّقت زميلتي على الثورة التونسية بقولها أنها زارت تونس في ألفين وواحد ومرة أخرى في الفين وخمسة عشر , ولم تجد فرقا إيجابيا بل تدهورا تحدثك عنه البطالة والتسول وكثرة النفايات في شوارع العاصمة التونسية.

وعلّق زميل آخر على الثورة المصرية بقوله هناك فرق ما بين أن يقوم الجيش بالثورة وأن يأخذ الجيش الثورة.

إذا أفترضنا في الحالتين إن الذي جرى في البلدين ثورة , فأن النتائج الطبيعية لأية ثورة أنها تُسرق من قبل الآخرين ولا يملكها الذين قاموا بها.

وحتى لو قام الجيش بالثورة فأن أحد أفراده سيستحوذ عليها ويذيق رفاقه مرارة الحياة والإقصاء , وهذا معروف في الثورات التي قامت بها الأحزاب والمؤسسات العسكرية.

وبخصوص ما جرى في تونس ومصر أنهما يشتركان بالعفوية والشبابية والتعبير عن طاقات محبوسة , وجدت الزمان والمكان اللازمين لإنفجار محتويات الأعماق الجمعية والتفاعلات التي نجمت عنها.

في حالة تونس فأن الشباب الذي قام بالتغيير لا يمتلك القيادة والخبرة , ولهذا ظهرت القوى والأحزاب التي لها تأريخ تنظيمي وتصارعي مع السلطة التي تغيّرت , وبهذا أخذت الثورة أو وضعت يدها عليها , لكن تونس تفاعلت مع الحالة بأساليب دستورية وروح وطنية عالية وتمكنت من الخروج من قبضة تداعياتها بأعجوبة وقدرة أدهشت المحللين والمفكرين.

وحصل الشيئ نفسه في مصر فالثائرون لا يمتلكون القيادة والخبرة , وأخذ الثورة منهم مَن لم يشاركوا فيها , وفقا لآخر تصريحاتهم قبل تنحي الرئيس , ولم يُشاهَدوا مع الجماهير , ولكن بعد أن تغيّرت الأوضاع وأصبح الواقع جليا , نهضت الأحزاب ذات التنظيمات العريقة وأخذت الثورة من أصحابها , وكان الأخذ مشفوعا بتوجهات عقائدية وإنطلاقات غير معاصرة وذات تداعيات غير حميدة , مما حدى بالجيش إلى أخذها لإنقاذ الوطن من قبضة المجهول وآتيات الويل والثبور.

ولاتزال الثورتان بلا قيادة ثورية من أصحابها , لقلة الخبرات والقدرات الشبابية على القيادة والنجاح في صناعة الحاضر الأفضل والمستقبل الأرقى , لكن واقع الأمور المعاصرة يشير إلى أن أي تغيير عليه أن يكون إنسيابيا , وعلى الشباب أن يثابر بإكتساب الخبرات , وإطلاق النشاطات الإبتكارية التفاعلية اللازمة لصناعة الحياة الأقدر على التنامي والوصول إلى الأهداف والأمنيات المرسومة.

وما أصاب الثورتين أن الجماهير التي إندلعت طاقاتها , توهمت بأن مجرد تغيير النظام سيحل مشاكلها , وهذا خطأ قاتل , ذلك أنها أصبحت أمام مرآة نفسها ومسؤوليتها التي لا تعرف ولا تَخبُر ولا تقدر عليها , أي أن ما جرى نقل السلطة من النظام الحاكم إلى الجماهير , وبما أنها لا تمتلك خبرة في ممارسة المسؤولية فأنها لا تزال تريد من النظام القائم أن يحل مشاكلها , وكأنها تعفي نفسها من الدور الذي عليها أن تقوم به , والذي إختارته فوجدت أنها في ورطة.

فالديمقراطية في جوهرها ورطة كبيرة لمن لا يعرفها ويجهل مفرداتها الإقتصادية والتعبيرية , لأنها مسؤولية تُلقى على الناس , وعليهم أن يدركوا واجباتهم ودورهم , ويشاركوا في بناء الحياة لا الحكومة والنظام , فالحكومة الحقيقية في النظام الديمقراطي محلية جدا ومؤسساتية جدا , أي أن الحكومة عبارة عن حكومات متداخلة من الحيّ إلى المدينة فالعاصمة.

وهنا تكمن محنة الثورتين التونسية والمصرية , وما نجم عنهما من فورانات متعاقبة وعدم قدرة على المسير إلى أمام بخطوات متكاتفة.

فالعلة ليست بمن أخذ الثورة , فذلك يكاد يكون مصيرا طبيعيا للثورات , لكنها في الذين قاموا بالثورة , وما أدركوا أن ما قاموا به يضعهم في مأزق تحمل المسؤولية , التي تحتم عليهم العمل الجماعي الإيجابي النشيط لبناء الحاضر والمستقبل , وإبتكار فرص العمل وشق سبل الإنطلاق إلى حيث يتطلعون.

وهذه الرؤية نفتقدها في مجتمعاتنا , ولهذا فأن من الضروري أن تتوفر القيادة المستوعبة لما يعتمل في أعماق الشباب , فتأخذ بأيديهم إلى منصات الإنطلاق السليم , وإلا فأن التيهان سيكون مصير الثورتين , وما ينجم عنه من تداعيات إتلافية وتناثر عشوائي للطاقات المحبوسة.

ولابد من حضور مناهج التفكير الإقتصادي , والإبتعاد عن السلوك الإعتقادي الطوباوي , الذي يرتقي إلى مستوى الأوهام , فالديمقراطية في جوهرها إلتزام أخلاقي سلوكي إقتصادي مجتمعي تفاعلي , يتحلى بإنضباطية عالية وتضحيات يومية غالية , وإنها الإقرار الصريح بتحمل المسؤولية المشتركة للنهوض بالواقع الوطني بكافة جوانبه , ولا مكان للتشكي والتأوّف والتمني والتلاوم , وإنما للعمل والجد والإجتهاد , والتعبير الإيجابي عمّا يكنزه الإنسان من طاقات وتطلعات طيبة.

والمجتمعات المتعودة على أنظمة حكم فردية أو إستبدادية , يكون إختيارها للنظام الديمقراطي من أصعب وأخطر الخيارات , لجهلها الكامل بآلياته مفرداته ومعانيه السلوكية , على المستوى الفكري والنفسي والروحي والإعتقادي و مما يدفع بها إلى مهاوي الخسران.

ولا خيار أمام الثورتين إلا الثبات , وتنمية قدرات الشباب ووضع الأسس الصائبة لحياة ديمقراطية ذات قيمة إقتصادية حضارية معاصرة , أما القول بالثورة على الثورة فهذا سلوك إنتحاري وتدمير للذات والموضوع , والقفز إلى سقر!!

د-صادق السامرائي
 




  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=73798
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2016 / 01 / 30
  • تاريخ الطباعة : 2021 / 06 / 19