• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : المقالات .
                    • الموضوع : جرح بحاجة الى تضميد .
                          • الكاتب : د . أحمد فيصل البحر .

جرح بحاجة الى تضميد

لست ادري لماذا يخطر العراق فجأة على البال كلما مررت بجانب ذلك السور. ذلك السور التأريخي الذي تحوط ذراعاه مدينة يورك فيمنحها خصوصيةً تميزها عن باقي المدن الانكليزية ويجذب اليها السياح والزائرين بعد أن كان سدا منيعا بوجه الغزاة والطامعين لأكثر من ألف عام. أنه يذكرني بالعراق في شموخه وفي عراقته وأصالته, لكنه أيضا يثير في داخلي مشاعر الحسرة والألم على اثارنا ومعالمنا التاريخية التي فرطنا بها. 
أحببت في ذلك السور سكونه المهيب وصموده في وجه الغزاة على مر العصور..تساءلت بيني وبين نفسي وأنا أنظر الى تفاصيله واحجاره وأدراجه, كم من الغزاة ماتوا على اعتابه وكم من الدم سال على تلك الاحجار البالية رغم صلابتها..ثم انتبهت الى ان هنالك بعض الاحجار الجديدة قد وضعت بعناية فسألت عنها فقيل لي ان بعض الاجزاء قد تدمرت بفعل الحروب والبعض الاخر سُرق لكن هذا كله لم يؤثر بشكل كبير على السور لانه لايزال محافظا على شكله البهي وروعته وصلابة هيكله. أومأت برأسي الى الامام والخلف في أشارة مني لمحدثي بالموافقة والاعجاب, وقلت في نفسي: ماأشبه سورهم هذا بالعراق!!
كان محدثي عراقيا أيضا..لكنه ترك العراق منذ ثلاثين سنة وهو عالم كيميائي يعمل استاذا في جامعة يورك. انه العراقي الوحيد في يورك وانا فرحُ به لكن ليس كفرحه هو بي. سألته في احد المرات, كم عراقيا تعرف في بريطانيا يادكتور؟؟ فاجابني بأنه يعرف الاستاذ الفلاني في برمنكهام ويعرف البروفسور الفلاني في ليفربوول الخ. لكنني كنت أريد وبشدة ان أتعرف على مزيد من أبناء جلدتي هنا في المهجر. وجاءت الفرصة حينما دُعيت الى المؤتمر السنوي الرابع عشر لرابطة الاكاديميين العراقيين. فرحت جدا بالدعوة وكانت عامة لكل العراقيين في عموم المملكة المتحدة..لكن ما كدر صفو فرحتي هو أنني أعيش في يورك وهي بعيدة نسبيا مما يعني ان تكاليف الذهاب الى لندن ستكون باهضة باالنسبة لي. وفي الصباح ذهبت كعادتي الى الجامعة سيرا على الاقدام وفي الطريق لوح لي احد الزملاء وهو من السعودية لأركب معه في سيارته الى الجامعة. وبعد ان تبادلنا التحايا والسؤال عن الصحة والاحوال الخ سألني زميلي: ليش يادكتور أحمد ماتشتري سيارة؟؟ وخصوصا انت معاك عائلتك؟؟ اجبته بانني وعائلتي من المغرمين بالمشي. كان الرجل فرحا جدا ذلك اليوم وأخذ يثني على حكومة بلاده ويزهو ويفتخر بانتماءه اليها. خطر لي ان اسأله عن كيفية السفر الى لندن بأقل التكاليف لكنه سبقني بقوله لي: يادكتور انت كما تعلم.. بانني والحمد لله شخص ثري وقد جئت هنا لادرس على نفقتي الخاصة لكن حكومتنا, جزاها الله كل خير, أصدرت امرا بشمول الطلبة على النفقة الخاصة برعايتها وقد اتصلت بي السفارة قبل عدة ايام وذهبت اليهم ودفعوا لي كل التكاليف التي صرفتها من أول يوم وضعت فيه اقدامي هنا..حتى اجرة طبيب الاسنان التي دفعتها قبل عدة شهور لقاءعلاج اسناني هنا قامت الحكومة بتسديد كامل المبلغ لي.. وانا الان اتقاضى راتبا شهريا من السفارة وقدره 2500 جنيه استرليني. هنا شعرت بالحرج الشديد وحمدت الله تعالى أنني لم أطرح عليه سؤالي. لكن، ومن منطلق الشعور بالغيرة, قررت أن أسافر الى لندن لكي أزور ايضا السفارة العراقية. دفعت أجرة القطار وكانت حوالي مائة جنيه استرليني واستعوضت ربي فيما دفعت أملا في الحصول على شيء في سفري هذا. وفعلا حضرت الى المؤتمر وكان يغص بعقول عراقية مبدعة تحمل هموم الوطن رغم بعدها عنه. لكنني فوجئت بأن الرابطة ليس لديها اي مورد مالي والقاعة الفخمة التي عقد فيها المؤتمر كانت تبرعا من جامعة لندن وأن مأدبة الغداء التي اقيمت كلفت الرابطة تبرعات الاعضاء لسنة كاملة.. وهي كل ما كانت تملكه الرابطة من ميزانية لاتتعدى الالفي جنيه. ومع كل تلك الامكانيات البسيطة كانوا يتحدثون عن كيفية تقديم الدعم العلمي والاكاديمي للعراق. تلك العقول التي ضاقت بها السبل ورمتها ظروف الدهر والاقدار في أحضان بلاد غريبة عرفت لهم حق قدرهم وأنزلتهم منازلهم لاتزال تلهج باسم العراق وتحمل همومه رغم عسر اليد وضيق الحال بهم. كانت فرحتي لا توصف رغم انني كنت أشعر بالمرارة كلما تحسست جيوبي...كنت اريد أن اهبهم كل ما املك رغم أن كل ما املكه ليس سوى دراهم معدودة..وهم كذلك ..لكنهم كانوا يملكون كنوزا لا يحق لغير العراق أن يرثها عنهم وهي كنوز المعرفة التي يتمتع بها الغرب دوناً عن الوطن الذي هو بأمس الحاجة اليها اليوم.
وفي اليوم التالي ذهبت برفقة أستاذ عراقي فاضل الى السفارة العراقية في لندن. ولدى رؤيتي للعلم العراقي يرفرف فوق مبنى السفارة تملكني شعور غريب..كان مزيجا من الحنين والفرحة والأسى. قلت في نفسي: ها قد عدنا الى الروتين والبيروقراطية والمحسوبية وفظاظة المعاملة. لكنني لم اجد شيئا من ذلك مما أعتدت أن أراه حينما كنت في العراق. كان استقبال موظفي السفارة لنا حافلا ومهذبا وكانوا متعاونين جدا. وعندما التقيت بنائب الملحق الثقافي, السيد احمد البغدادي, أبدى الرجل تعاونا كبيرا واحتراما بالغا وكان رجلا مهذبا ومتواضعا. قلت له انني ادرس هنا على النفقة الخاصة بعد أن منحتني الجامعة مقعد الدكتوراة لديها مجانا بسبب بحث واحد قدمته فيها , لكنني لا أملك ما أعيش به. وهنا اخبرني الرجل بسلسلة اجراءات روتينية وصعبة تتيح لي بعد اكمالها..أن احصل على مبلغِ يكاد لا يسد حتى نفقات السكن.
الحقيقة لا أعرف ماذا أقول لكم بعد كل ذلك, فمصيبتنا نحن العراقيون عظيمة في الخارج, اما في الداخل فهي بالتأكيد أعظم و ادهى وأمر. لكنني أحببت أن أسلط الضوء على حقيقة الأمور فليس كل من يعيش خارج العراق يشعر بالسعادة كما أنه ليس كل من يعيش اليوم في العراق, رغم أن أغلبهم يعانون الأمرين, يشعر بالقهر والجور. لكن ماأعرفه وأسعى الى نقله عبر هذه الكلمات البسيطة هو أننا اليوم بحاجة ماسة الى أن نقف الى جوار بعضنا البعض محكومين وحكاما, وأن نتعاون ونتكاتف ونقدم كل مانستطيع, كلٌ حسب طاقته وقدرته, من أجل وطننا ومن أجل كل عراقي في الداخل والخارج وفي كل مكان. وليعلم الجميع أن التاريخ والشعوب لاتنسى ظالميها ومغتصبي حقوقها مهما طال الزمن ومهما تقلب أولئك الظالمون في نعيمهم الزائف الذي لو دام لغيرهم لما وصل اليهم. أقول...وقبل فوات الأوان...ادركوا العراقيين فأن جراحهم قد ان لها أن تضمد.
 
 

كافة التعليقات (عدد : 1)


• (1) - كتب : عائشة ، في 2012/02/06 .

اطلعت على مقالك الرائع "جرح بحاجة إلى تضميد".. جرح العراق مؤلم جداً.. كلما استمعت إلى اللهجة العراقية في الغربة أشعر بغصة.. ما أروعكم..



  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=6089
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2011 / 05 / 27
  • تاريخ الطباعة : 2021 / 11 / 29