• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : ثقافات .
              • القسم الفرعي : ثقافات .
                    • الموضوع : سياحة فكرية ثقافية (9 ) الايمان والشرك .
                          • الكاتب : علي جابر الفتلاوي .

سياحة فكرية ثقافية (9 ) الايمان والشرك

جاء في اللغة شاركه واشركه في امره أي جعله شريكا له فيه ، واشرك بالله جعل له شريكا في ملكه فهو مشرك ، والشرك الكفر ، والمشركون الواقعون في شراك الدنيا وحبائلها ، والاشراك بالله هو الاعتقاد بأن لغير الله اثرا في تصاريف الاقدار بغير السنن والطرق التي شرعها الله لنا . قال تعالى في محكم كتابه الكريم (( وما اكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين ، وما تسألهم عليه من اجر ان هو الا ذكر للعالمين ، وكأين من اية في السموات والارض يمرون عليها وهم عنها معرضون ، وما يؤمن اكثرهم بالله الا وهم مشركون )) 103 – 106 يوسف
الآيات الكريمة السابقه تنفي الايمان الخالص النقي الصافي عن اكثر الناس بالرغم من توفر الدلائل الظاهرة والواضحة التي لو انتبه الناس لها لامنوا بالله الخالق القدير ايمانا خالصا ، لكن اكثر الناس يمرون على هذه الايات وهم معرضون وغير منتبهين لها اويتجاهلونها ، ورغم دعوتك لهم يامحمد للايمان ، وانت لم تطلب شيئا منهم غير ان يؤمنوا بالله لكنهم لا يؤمنون (( وما اكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين )) وهذا الخطاب الموجه الى الرسول (ص ) يريد ان يبين له حقيقة ان الناس حسب طبيعتهم البشرية لا يمكن ان يتصفوا جميعا بالايمان الخالص الذي تريده انت لهم يامحمد ، بل اكثر الناس يتناسب ايمانهم مع امكاناتهم وطاقاتهم وقدراتهم ، فلا يمكن ان يتساوى الناس في درجة الايمان فلكل انسان درجته ، حتى ان بعض الناس يخيل الى الكثيرين انهم مؤمنون لكنهم في الواقع بعيدون عن الايمان الحقيقي ، كما ان البعض منهم يخيل الى الكثيرين انهم غير مؤمنين لكنهم في الواقع مؤمنون ويحملون درجة من درجات الايمان ، كذلك اكثر الموحدين المؤمنين لايحملون التوحيد الخالص (( وما يؤمن اكثرهم بالله الا وهم مشركون )) . فالايمان النقي لاكثر الناس لا يتحقق من الناحية الواقعية ، لان الايمان الخالص لابد ان يكون موقعه القلب ويجب ان يصاحبه الخضوع والخشوع والحب والاستسلام لله تعالى اضافة الى تحقق الارادة في ذلك ، ومن الناحية الواقعية لا يتساوى الناس في هذا الامر ، فالايمان يكبر ويضعف بصدق التوجه لله تعالى والعبادة الخالصة له،ونحن في عبادتنا وفي خطابنا مع الله سبحانه انما نخاطب ونعبد ونعمل ونتصرف وفق بشريتنا وقدراتنا وامكاناتنا ولسنا متساوين في ذلك ، فالانبياء والائمة والصالحين والاولياء انما يتعاملون مع الله تعالى بمستوى غير ما يتعامل به الناس الاخرون ، ونحن الاكثرية كبشر عاديين مهما ارتفعنا في عالم التنزيه فأننا نقع في حبائل التشبيه ، وهذه هي قدرتنا كبشر فالتنزيه الخالص للخلص من عباد الله تعالى ، كالانبياء والمعصومين ، وتعبيراتنا في الحديث مع الله تختلف من انسان الى اخر ، فعندما يخاطب الراعي ربه ويشبهه بأوصاف بشرية فهذه قدرته ووسعه ، وعندما يخاطب نبي او امام ربه فانه يخاطبه بلسان وخطاب كونه نبيا او اماما معصوما ، فلا يمكن ان يتساوى الخطابان ، فخطاب الانسان العادي لله تعالى فيه تشبيه واشراك لكنه مقبول ، لانه تعالى يعلم بالنوايا ، ويعلم بقدرات المخاطب وثقافته وبيئته التي توحي له بالتعبيرات ،ويبين العارف المولوي هذه الحقيقة وهي (( اننا كلما ارتفعنا في عالم التنزيه فمع ذلك نبتلى بشوائب التشبيه ، لاننا نستوحي من قوالبنا الذهنية لوصف الله تعالى وننظر الى الذات المقدسة من خلال رؤية خاصة لا تنفك عن وجودنا . فلا يوجد انسان متحرر من التشبيه بصورة كاملة ويدرك كنه الذات المقدسة كما هي بتجريد تام للذهن من جميع العوارض والصفات البشرية،نعم يمكن لهذه التشبيهات ان تشتد او تضعف في الافراد حيث كانت غليظة بالنسبة للراعي ، لكن االمولوي يؤكد اننا جميعا متورطون في اجواء التشبيه لان الله تعالى يعلم ان الانسان غير قادر على التخلص من التشبيه بصورة كاملة . فأمرنا بالتنزيه والحركة المستمرة في هذا الخط)) عبد الكريم سروش
 وهذه الرؤية تعني صعوبة التخلص من التشبيه للباري تعالى ، اذ كل انسان وفق هذه الرؤية له نسبة او درجة من درجات الشرك في التعامل مع الله الحق ، وهناك من الشرك الممنوع والذي يتساوى مع الكفر ، وهناك الشرك المسموح لانه يتناسب والطبيعةالبشرية ويتناسب ومستوى المتحدث مع الله تعالى ، ويشير سروش الى هذه الرؤية في كتابه الصراطات المستقيمه بقوله (( ويعتقد بعض العرفاء ان هذه الحقيقة صادقة حتى بالنسبة الى الانبياء الالهيين ايضا ، فكيف بالاشخاص الذين لم يصلوا الى مقام النبوة والعصمة ولم يحيطوا بجميع جوانب الحقيقة ولم يدركوا جميع ابعاد الواقع ! فكل واحد من الانبياء وبمقدار ما ادركه في وجدانه من حقيقة الالوهية عرضها لقومه بهذه الكيفية ، فالاقتباس من هذه الحقيقة متفاوت لان شخصية الانبياء متفاوته )) قال تعالى (( تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض )) البقرة 253
فالتفضيل للرسل حسب رأينا والعلم عند الله تعالى انما يكون بمقدار الكشف لهم عن الحقيقة الالهية ، فليس جميع الرسل متساوون فيما يتحقق لهم من الكشف عن الحقيقة والقرب الالهي ، وكان رسول الله محمد (ص) في قربه من الحقيقة الالهية(( وما محمد الا رسول قد خلت من قبله الرسل )) آل عمران 144  فنال من المنزلة والقرب ما لم ينله رسول اخر ، فكان محمد ( ص) من الحقيقة الالهية كما وصفه الله تعالى  (( فكان قاب قوسين او ادنى )) النجم 9 اما نحن عبيد الله البسطاء نلجأ ونتقرب الى الله تعالى بواسطة هؤلاء الانبياء والاولياء نتشفع ونتوسل بهم الى الله تعالى ، هذا التوسل بهؤلاء المقربين من الله تعالى مرفوض من قبل بعض الفرق الاسلامية بل يعده البعض شركا وكفرا ، وهذا في رأينا غير صحيح لانه ليس كفرا بل هو من الشرك المسموح والله تعالى يقول (( وما يؤمن اكثرهم بالله الا وهم مشركون ))يوسف106
والله تعالى يعلم بنوايا العبد ويلزمه بما يلزم به العبد ذاته ، فمن يعتقد ان الله سيكون قريبا منه عندما يلجأ الى التشفع والتوسل بالانبياء والائمة والصالحين فهذا من المقبول عند الله في رأينا لان نية العبد هي المتحكمة فيه ، والله هو العالم بالنوايا ، فهذا المتوسل المتوجه الى الله سبحانه وتعالى ويعتقد ان هذه هي الوسيلة التي توصله الى خالقه وبارئه ، فأ نه تعالى يتقبل منه لانه سبحانه يعامل العبد حسب نيته وعلى وسعه وقدرته (( لا يكلف الله نفسا الا وسعها)) وان كثيرا من المؤمنين ممن يتحركون في خط الضلالة ظاهرا ، فهم مؤمنون حقيقيون ،ويعاملهم الله تعالى وفق نياتهم وعلى وسعهم ، وقوله تعالى (( وما يؤمن أكثرهم بالله الا وهم مشركون )) أي ان التوحيد الخالص بين الموحدين والمؤمنين يشوبه شئ من الشرك ، فكثير من الموحدين يحملون شيئا من الشرك ولكنهم لا يعلمون ، لكن ايمانهم هذا مقبول انشاء الله تعالى ، لان الشرك على درجات ومراتب ، وايمان كثير من الناس ملوث بشئ من الشرك ، كما ان هذا هو حال الهدى والضلال والحق والباطل من حيث اختلاطهما وانتفاع الناس بهما قال تعالى (( انزل من السماء ماء قسالت اودية بقدرها فأحتمل السيل زبدا رابيا ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية او متاع زبد مثله كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء واما ما ينفع الناس فيمكث في الارض كذلك يضرب الله الامثال )) الرعد 17
هذا الاختلاط هو سنة الله في خلقه ، فالماء مختلط بالزبد ويجريان معا ،وكذلك الحق والباطل والهدى والضلال والايمان والشرك ، وفي الاية دلالة على عدم الحكم بالظاهر من الامور بل لا بد من التدقيق والتمحيص للوصول الى الحقيقة ، فالزبد تحته الماء ، والضلال يصاحبه الهدى ، والباطل وان طغى على السطح فالحق موجود ولابد من ان يظهر عاجلا او آجلا . والله يضرب هذه الامثال لغرض التوضيح والكشف اذ (( ان كثيرا من المعاني يصعب ادراكها على الافهام ،وبالخصوص عند السواد الاعظم ، والتمثيل من اجدى الوسائل لتوضيحها والكشف عنها ، بالاضافة الى ان التمثيل كثيرا ما يضقي على البيان سموا وجمالا )) التفسير الكاشف لمحمد جواد مغنية
والاية فيها دلالة على ان طرق الخير كثيرة كذلك طرق الوصول الى الحق كثيرة .. (( والنتيجة الحتمية لذلك ان كل من نفع الناس واصلح وعمل من اجل حياة الانسان وحريته وامنه وهنائه فأنه يلتقي بعمله هذا مع اهداف الاسلام ، وان لم يكن مسلما ، لانه تماما كالماء والمعدن اللذين ضربهما الله مثلا للحق.. وان كل من عمل الشقاء للانسان فما هو من الاسلام في شئ وان صام الدهر ووصل صلاة الليل بصلاة الفجر )) التفسير الكاشف
وهذه دعوة الى المسلمين كافة بعدم توجيه التهم والكفر والشرك الى الاخرين من المسلمين وغيرهم لان الله هو الحاكم وهو العالم بالنوايا لان الحكم على الظاهر يوقع في المشاكل ولا يعكس الحقيقة كما اشارت الى ذلك الاية الكريمة السابقة .

         
 




  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=4614
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2011 / 04 / 03
  • تاريخ الطباعة : 2022 / 08 / 10