• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : المقالات .
                    • الموضوع : التجديد والتحديث في الفكر الديني . (1) .
                          • الكاتب : صفاء الهندي .

التجديد والتحديث في الفكر الديني . (1)

مما لا شك فيه ان الحياة والانسان والطبيعة والمخلوقات الاخرى في هذا الكون اللا متناهي سائرة منذ الازل منذ نشأتها الاولى التي انشأها الباري تعالى عليه حسب القانون الاحياءي الطبيعي (biology (N . الذي وضعته السماء لها و وفق النظام والغاية الكبرى التي خُلق لأجلها هذا الكون . ومما لا شكّ فيه ايضا ان هذه الحياة بكل مكوناتها تعيش حالات تنامى فطرية وتطور في تكنولوجيا حيويّة هذه الحيوات . ونظرا لما تختزن هذه النظريات (تطور تكنولوجيا الحياة) من اسئلة وعوامل تتمظهر للباحث ربما عن شكوكات عن الوجود والاصل والطبيعة والنشأة .. إلا انها في الحقيقة ناتجة عن قوانين ومعادلات تطويرية ترافق حياة الانسان بصورة طبيعية ، حتى اصبح التطور في الحياة لا يشمل حياة الانسان او تختص به بما هو مخلوق وحده فحسب بل شمل التطور كل المستويات التي تحيطه وترافقه طوال مسيرته في الحياة .

وما يهمّنا في موضوع بحثنا على وجه التحديد ، هو التجديد والحداثة الثقافية والفكرية كنظرية ومطلب حضاري يفرضه واقع وقانون ونظام الحياة يتماها جذريا وتاسيسيا طبقا لنظام التطور الفطري والعقلي والتكنولوجي الحاصل والذي تتطلبه مسيرة الانسانية .

من هنا وكما استطاعت البشرية ان تتطور وتسد احتياجاتها تدرّجت وتنامت وتثقّفت احيائيا واجتماعيا عبر التجارب البدائية الاولى التي خاضتها وعاشتها الانسانية في العصور الاولى .. كذلك هي بحاجة دائما للتطور بمجالات اخرى ، الى التطور الثقافي والعلمي والفكري . وقد بان هذا جليّا خلال مسيرة وتطور الانسانية في العصور المتقدّمة حتى اصبحت على ما هي عليه الآن . 

 

كلاسيكيا فكرية :

 

من جهة : يُقر اغلب العناوين الثقافية والعلمية والفكرية بنظريات التجديد والحداثة والتطوّر وضرورتها العملية التطبيقية لكل المستويات والاصعدة - الثقافية والعلمية والفكرية - ، على اعتبار ان الديمومة والاستمرار والحداثة لن تتأتّى ما لم يكن هناك تجديد وتطور لهذا العلوم او لهذه المعارف . وما دامت سُبل الثقافة وطرق العلم والمعرفة مفتوحة وسالكة .. فلا بد ان يُصار بالتالي فرضيا كنتيجة طبيعية الى المنهج التطويري في كل العلوم والثقافات . 

لكنّها (نفس العناوين) من جهة اخرى مخالف وخارج الفهم الفكري لهذا المبدأ : ترفض في كثير من المواقف (الضمنية والظاهرية) نظرية التجديد والتطور التي تَتمظهَر على الساحة العلمية والفكرية والحداثة المتوخاة من هذا التجديد .. والتمرّد على المبدأ ما أن تمَس احدى الظواهر العلميّة الاخرى فكرا او عِلما او نظرية ما .. لتلك العناوين سواء اكان هذا المساس من قريب او كان من بعيد ! . دون اللجوء الى طاولة المنهج العلمي والفكري الذي سبق وأتخذته هي خلال طرح علمها وفكرها الذي طرحتهُ سابقا . وفي احيانٍ كثيرة قد يؤدي هذا المساس او هذه النتيجة العلمية التي ترتّبت وقامت وفق المنهجيّة الفكرية والمعرفيّة السائدة الى ثورة القوم ، والتي تخالف بهذه الثورة والتمرّد المبدأ الذي سبق وأدّعوه وسلكوه هم ضمن ابجديات المنصب والرتبة الاكاديمية او المكانة الاجتماعية التي وصلوا لها . 

حتى وقتٍ قريب كانت الافكار الكلاسيكية في الفكر الديني والاجتماعي والتأريخي هي السائدة ولازالت رواسبه سارية المفعول في المجتمع الاسلامي لحد الآن . افكار لازال واضعوها يدافعون عنها بشتّى الوسائل والسلوكيّات المخالفة الخارجة عن العلمية والاخلاقية وكأنها أُنزِلت عليهم بسلطان ، او كأنها غير قابلة للحوار والمناقشة المعرفية ضمن حيثيّات المسلك العلمي والفكري الغير منقطع . افكار كانت في وقتٍ ما .. وقتَ صدورها تعتبر عاملا في ديمومة التطور العلمي والفكري الذي وصلت أليه في وقتها وزمانها وحقبتها ، وكانت من المنابع العلمية والمعرفية التي يستقي منها طُلاب العلم علومَهم سواء اكانت هذه العلوم دينية او فكرية او غيرها . 

تتّجه المعارف الى حالة الكلاسيكيّة وخاصة العلوم الانسانية والدينية والفكرية اذا ما بقِيَت متجمّدة وخاملة ، وتنزوي اوتوماتيكيا ما لم تواكب حركة التطور في كل المرافق وتُلبّي حاجة الانسانية في الحياة . وبما ان الدين بحد ذاته يعتبر من اهم الامور التي يحتاجها المجتمع الاسلامي ، اذا فلا بد لهذا المُهم ان يلبّي حاجة الفرد المسلم طالما ان هناك حياة وانسان وآله وتطور تكنولوجي علمي سياسي واجتماعي واقتصادي .. الخ ، وبالتالي يترشح عن هذا الجمود تفشي الكثير من المفاسد والأوبئة الفكرية والانسانية والدينية فضلا عن المفاسد التي سوف تُصيب المجتمع الاسلامي وتتفشّى فيه . فلا طائل يرجى من الفكر الخامل طالما بقي بهذه الحيثية حتى لو دُرِّس في اكبر مدارس وجامعات العالم . فليس من الطبيعي ان تعود الانسانية وهي مستمرّة في حالة تنامي ثقافي وتطور تكنولوجي ان تعود بمستجدّاتها ومستحدثاتها الى نتائج المربعات التأريخية والفكرية الاولى ، ليس على مستوى التقييمات والاستحداثات وانما على مستوى الواقعة او الحادثة المتواكبة والمتوقّعة لهذا العصر وهذا الزمان . 

 

تجديد وتحديث الفكر الديني :

 

يمتاز الفكر الديني الاسلامي : الاجتماعي - الانساني - السياسي - .. الخ ، عن كل المذاهب والافكار والايديولوجيات الفكرية والعقدية الاخرى بالتجدد والتحديث في المنظومة العلمية والفكرية والمواكبة المستمرة للتطور العصري الحاصل في كل زمان . يستمد التجديد و الحداثة في الفكر الاسلامي من المنظومة القيَميّة المتكاملة في منابع الاسلام نفسه .. وتتأسس على ما تختزنه هذه المنظومة من قيم ومباديء ومفاهيم منبثقة ومستلّة من تلك المنابع . يتبلور التجديد في صياغات اخرى حديثة ، صياغات تهدف الى التغيير والمواكبة العصرية في كل وقت ، ونظن ان هذه الصياغة عبارة عن نظام او نظرية معرفية لأعادة بلورة وتحديث وقراءة حوادث ومظاهر وانماط قديمة واخرى مستجدّة وصياغتها بروح جديدة تُحاكي وتُماهي حالة ومتتطلبات العصر . ولا تقتصر هذه البلورة والقراءة العصرية الجديدة على نوع او مظهر او واقعة او مستوى معين سواء اكان هذا المستوى علمي او معرفي او سلوكي او سياسي واجتماعي .. الخ ، بل هي نظرية تشمل جميع العلوم والمعارف والسلوكيات والمستويات . في سياق العمل على إصلاح واقع المجتمع الإسلامي والعربي المأزوم قامت محاولات لإعادة النظر في التركيبة الفكرية والاجتماعية والسياسية لهذا الواقع ، وقد نشأت جماعات ومؤسسات وبرامج تتمحور حول نفس الفكرة أي التجديد . وقد طُرحت في الساحة العلمية والفكرية الكثير من البحوث والدراسات التي تناولت هذا الامر وبعدة عناوين : الاصلاح ، التغيير ، التجديد ، التحديث ، الاحياء .. الخ ،والكثير منها تناولت الفكر الديني خاصة في مراحل زمانية متقدّمة . وقد زخرت الحياة الفكرية في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين بالرد على المستشرقين حول إمكانية التجديد في الدين وملاءمته لكل زمان ومكان ، وربما يكون كتاب عبد المتعال الصعيدي " المجددون في الإسلام " وكتاب محمد إقبال " تجديد الفكر الديني في الإسلام " وكتاب " فلسفتنا " وكتاب " اقتصادنا " في سبعينات القرن الماضي للسيد الشهيد الاول محمد باقر الصدر (قدس) من أهم ما يعبر عن هذه المراحل . إلا انها حتى هذه المؤلفات التي اعطت واظهرت الفكر الديني الاسلامي برؤية عصرية واضحة واثبتت ملاءمة الفكر الديني ومجاراته العصر لتلك الحقبة .. وإن سجّلت موقفا تأريخيا لا يضاهى لتلك المراحل يبقى العصر بحاجة دائمة الى التجديد والاحياء لمتطلباته الجديدة والحديثة . والذي تبرز فيه حاجة العصر المُلحّة الى التجديد في الفكر الديني كما تبرز الحاجة لغيره . 




  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=44361
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2014 / 03 / 27
  • تاريخ الطباعة : 2022 / 01 / 20