الأمم المتحدة: منصة للسلام أم لتبرئة الجناة؟

 توقّع العالم أن يشكل الاجتماع الحالي للأمم المتحدة، الذي يجمع قادةً من مختلف أنحاء العالم في نيويورك ضمن أعمال الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة، فرصةً لمواجهة الأزمات المتفاقمة التي تعصف بالبشرية.

فالعالم يعيش فوق مرجل من الصراعات، فيما تبلغ الوحشية واللاإنسانية ذروتهما تحت رعاية بعض الدول الإمبريالية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية. ويحاول بعض القادة، ومنهم دونالد ترامب، الدفاع عن بنيامين نتنياهو وتبرئته من الجرائم المرتكبة بحق أهالي غزة ولبنان، عبر خطاب ينكر الإبادة ويحمّل الضحايا مسؤولية المأساة.

ومع استمرار المجازر والادعاءات المضللة، يتحول بعض هؤلاء إلى نماذج سادية بشعة لا يشبعها سوى المزيد من الدم.

وتأتي هذه الدورة في وقت تستعد فيه الدول الأعضاء لاختيار الأمين العام المقبل خلفًا لأنطونيو غوتيريش، الذي تنتهي ولايته في نهاية عام 2026. وسيواجه الأمين العام الجديد، فور توليه منصبه، أزمات عالمية عديدة، إلى جانب تراجع الموارد المالية للأمم المتحدة بسبب امتناع بعض الدول الأعضاء عن الوفاء الكامل بالتزاماتها المالية تجاه المنظمة.

وقد اضطرت الأمم المتحدة إلى خفض ميزانية أمانتها لعام 2026 بنسبة تجاوزت 9%، الأمر الذي يعكس حجم الأزمة المالية التي تواجهها المنظمة الدولية.

لم يكن هذا اجتماعًا عاديًا، بالنظر إلى شدة الأزمات التي تحيط بالعالم، وما يشهده من حروب وخلافات سياسية. ومن الغريب أن تتحول منصة الأمم المتحدة، في دوراتها السابقة والحالية، إلى منبر للخصومات وتبادل الاتهامات والشتائم بين بعض الدول، فيما تضيع الحقوق وسط الكلمات والخطابات التي تُلقى فيها.

فالسلام ليس مجرد غياب الحرب، بل هو الأساس اللازم لتوحيد الجهود في التصدي لتحديات البشرية. وهو تجربة معيشة تتجسد في الأمن والكرامة والفرص والتعاون في حياتنا اليومية.

وقد حمل اليوم الدولي للسلام لعام 2026 شعار: **«استثمروا في السلام: من أجل الجميع، في كل مكان، كل يوم»**.

  من عصبة الأمم إلى منظمة الأمم المتحدة

تأسست الأمم المتحدة عام 1945، عقب الدمار الهائل الذي خلّفته الحرب العالمية الثانية، وسبقتها عصبة الأمم التي تأسست عام 1919، وبدأت عملها رسميًا عام 1920.

وكان الهدف الأساسي من إنشاء عصبة الأمم منع اندلاع حروب مستقبلية بعد الآثار المدمرة التي خلفتها الحرب العالمية الأولى. وقد سعت إلى تحقيق ذلك من خلال عدد من الإجراءات، منها نزع السلاح، وتسوية النزاعات الدولية، وأداء دور الوسيط بين الأطراف المتخاصمة، وقيادة جهود التفاوض بين الدول المتصارعة.

وكان الهدف المركزي من تشكيل عصبة الأمم ومنظمة الأمم المتحدة متقاربًا إلى حد كبير، وتمثل في عدد من المبادئ الأساسية:

1. الحفاظ على السلم والأمن الدوليين.

2. منع النزاعات، ومساعدة أطرافها على صنع السلام.

3. نشر قوات حفظ السلام، وتهيئة الظروف التي تسمح للسلام بالاستمرار والازدهار.

4. إنشاء منظومة دولية لحماية حقوق الإنسان، والمساعدة على بناء سلام وأمن مستدامين ومنع النزاعات المستقبلية.

ويشير الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، بعبارات واضحة، إلى أن الاعتراف بالكرامة المتأصلة في جميع أعضاء الأسرة البشرية، وبحقوقهم المتساوية والثابتة، هو أساس الحرية والعدل والسلام في العالم.

ومن هنا، فإن حماية حقوق الإنسان وبناء السلام يمثلان هدفين متكاملين من أهداف الأمم المتحدة.

  حقوق الإنسان أساس السلام

يوفر الإطار الدولي لحقوق الإنسان، ولا سيما التزامات الدول الأعضاء بموجب الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، أساسًا بالغ الأهمية للحفاظ على السلام.

ومن شأن العمل الجماعي لمنظومة الأمم المتحدة، الهادف إلى النهوض بحقوق الإنسان، أن يساعد على تحديد الأسباب الجذرية للنزاعات والتصدي لها.

وفي هذا السياق، يظل من الضروري أن تستفيد ركائز السلام والأمن والتنمية بصورة أفضل من آليات حقوق الإنسان القائمة، مثل الإجراءات الخاصة، وهيئات المعاهدات، والاستعراض الدوري الشامل، فضلًا عن توظيف توصياتها في دعم الدول الأعضاء.

  أهداف سامية وواقع مختلف

أُنشئت الأمم المتحدة لتحقيق أهداف سامية ومقاصد نبيلة، في مقدمتها حفظ السلم والأمن الدوليين، ومنع الأسباب التي تهدد السلام وإزالتها، وتسوية النزاعات بالطرق السلمية، وتنمية العلاقات الودية بين الدول، ومعالجة المسائل الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الدولية، وتعزيز احترام حقوق الإنسان.

وقد أسهمت الأمم المتحدة في حفظ السلام في بعض مناطق العالم، وحل عدد من القضايا المرتبطة بالسلم الدولي، وتصفية الاستعمار، وتعزيز حقوق الإنسان وحقوق الشعوب، وتقديم المساعدات إلى بعض الدول الفقيرة، فضلًا عن توفير الإغاثة الدولية في حالات الكوارث الطبيعية والكوارث الناجمة عن أفعال البشر.

وعلى الرغم من ذلك، أخفقت المنظمة في تحقيق السلام العالمي المنشود لأسباب مختلفة، يمكن حصر أبرزها في طبيعة تكوينها وهياكلها ونظام عملها.

ويتمثل أول هذه الأسباب في قيام الأمم المتحدة على أساس توازن القوى بين الدول المنتصرة في الحرب العالمية الثانية، وما نتج عن ذلك من امتيازات وصلاحيات واسعة مُنحت للدول الكبرى.

أما السبب الثاني، فيتعلق بقيام المنظمة على أسس غير ديمقراطية بصورة كاملة، ولا سيما في مجلس الأمن، حيث تستطيع الدول الخمس الدائمة العضوية تعطيل القرارات الدولية باستخدام حق النقض، حتى عندما تتعلق تلك القرارات بوقف الحروب أو حماية المدنيين.

وهنا يبرز السؤال مجددًا: هل ما زالت الأمم المتحدة منصة لصناعة السلام وحماية حقوق الشعوب، أم أنها تحولت، في بعض القضايا، إلى منصة تمنح الجناة الوقت والغطاء السياسي للإفلات من المحاسبة؟

❖ كتابات في الميزان ❖

يناقش المقال الفجوة المتسعة بين المبادئ التي تأسست عليها الأمم المتحدة وقدرتها الفعلية على وقف الحروب وحماية المدنيين. ويرى أن اختلال بنية مجلس الأمن وامتلاك الدول الكبرى حق النقض جعلا العدالة الدولية خاضعة لتوازنات القوة والمصالح. ويضع النص المنظمة أمام سؤال أخلاقي حاسم: هل بقيت أداةً لصناعة السلام، أم أصبحت منصة للخطابات ومنح الغطاء السياسي للجناة؟

الامم_المتحدة.jpeg