لماذا تحتاج بغداد إلى نصب فنية ضخمة؟

 الفن هو مرآة البلاد
لم تكن النصب الفنية الكبيرة في يوم من الأيام مجرد قطع من البرونز أو الرخام، بل هي الوجه الحقيقي الذي يعلن عن رقي البلاد وتطورها.
عندما نسافر أو نتصفح الإنترنت، أول ما يذكرنا بهوية أي مدينة هي معالمها الفنية.
وبغداد، مدينة التاريخ والثقافة، تملك إرثاً جميلاً، لكنها اليوم بحاجة ماسة إلى نصب وطنية ضخمة وجديدة، نصب لا تمجد حقبة سياسية معينة، ولا تحسب على حزب أو نظام راحل، بل تعيش في قلب المستقبل وتعبّر عن كل العراقيين.

واقع نصب بغداد:
الجمال الذي يفتقد للمساحة

إذا تجولنا في شوارع بغداد، سنجد العديد من التماثيل والنصب التي نحبها، مثل نصب الحرية، ونصب الشهيد، ونصبي الجندي المجهول (الحالي والسابق)، وتمثال عباس بن فرناس، وعبد المحسن السعدون، ونصب اللقاء.

لكن الحقيقة التي يجب أن نواجهها هي أنه لا يبرز من بين كل هذه المعالم كنصب ضخم وعالمي سوى اثنين أو ثلاثة فقط. البقية، إما أنها تماثيل صغيرة الحجم تضيع وسط زحام المدينة، أو أنها افتقدت للتخطيط الذكي الذي يجعلها مزاراً حقيقياً.

درس من "نصب الحرية" وسر النجاح العالمي

المعادلة البسيطة لنجاح أي نصب في العالم تتلخص في كلمتين:
سهولة الوصول.

وهنا نجد أن نصب الحرية في ساحة التحرير هو النصب الوحيد في بغداد الذي نجح تماماً في هذه المهمة. إن هذا الأثر الذي خلده الكبير الخالد جواد سليم يقع في قلب المدينة، يستطيع أي مواطن أو سائح أن يمشي في ظله، ويلتقط صورة تذكارية معه بكل حرية وبدون أي عوائق أمنية. هذا القرب جعل النصب جزءاً من يوميات العراقيين وأيقونة حاضرة في كل المحافل.

في المقابل، انزوت الفكرة الإبداعية للنصب الأخرى لأسباب واضحة:

• صعوبة الوصول:
بعض النصب الضخمة كالجندي المجهول أو الشهيد، بقيت معزولة خلف أسوار أمنية أو تقع في مناطق معزولة هندسياً يصعب على المشاة دخولها والتصوير معها بحرية وعفوية.
• غياب الخدمات الترفيهية المكملة:
النصب اليوم لا يعيش وحده، بل يحتاج إلى "روح اجتماعية" تحيط به.
غياب الفضاء الترفيهي جعل بعض النصب تتحول إلى كتل كونكريتية صامتة ومهجورة بدلاً من أن تنبض بالحياة اليومية.

الشواهد العالمية:
كيف تجذب الدول ملايين السياح؟

لو نظرنا إلى دول العالم، لعرفنا لماذا أصبحت نصب مثل برج إيفل في باريس، أو تمثال الحرية في نيويورك معالم يزورها الملايين.
السر ليس في فخامة النحت فقط، بل لأنها مزارات سياحية متكاملة.
يدخلها السائح، يتناول قهوته حولها، يشتري هدايا تذكارية مصغرة للمعلم، ويتجول في متاحف ومعارض تحتية تروي قصة البناء.
هذه المعالم لم تتقاطع يوماً مع دين أو طائفة أو قومية، بل خاطبت الإنسانية كلها بلغة الجمال والسلام.

طاقات عراقية تبهر العالم:
أمل المستقبل

العراق لم يعقم أبداً عن إنجاب العباقرة، فمثلما أنجب رفعة الجادرجي وجواد سليم، يمتلك اليوم طاقات شابة رفعت اسم البلاد في المحافل الدولية وأثبتت تفوقها في مسابقات عالمية كبرى.
نذكر منهم على سبيل المثال:

• الفنان باسم الشاكر:
الذي فاز بتمثيل العرب في أكبر ساحات نيويورك لتصميم مجسمات فنية ضخمة ضمن مشروع عالمي تشرف عليه الفيفا.
• النحات العالمي أحمد البحراني:
الذي صمم كؤوساً ونُصباً لبطولات ومهرجانات دولية وترك بصمات برونزية عملاقة حول العالم.

هؤلاء المبدعون، وغيرهم الكثير ممن حصدوا جوائز عالمية، يمثلون الأمل الحقيقي والمستقبلي لتصميم نصب بغداد الجديدة.
إنهم يفهمون روح العصر، ويمتلكون الأدوات التي تجعل الفن العراقي يتحدث بلغة عالمية يفهمها الجميع.

رؤية لنصب المستقبل:
متعة بصرية وتجربة متكاملة

إن بناء نصب ضخم اليوم يتطلب دراسة ذوق الناس وعوامل الجذب الحديثة، ليكون النصب مشروعاً ثقافياً وترفيهياً متكاملاً من خلال:
• الخطاب الإنساني العابر للانتماءات:نصب تتحدث عن العلم، العمل، الحضارة، والمستقبل، ولا يستفز أحداً بفكره أو دينه، بل يجمع الكل تحت مظلة الإبداع.
• أنسنة الفضاء المحيط:
تحويل محيط النصب إلى حدائق عامة واسعة، مجهزة بمقاعد مريحة وممرات للمشاة.

مرافق ترفيهية وثقافية مكملة: تأسيس متاحف مصغرة تحت النصب، كافتيريات عصرية، محال لبيع التحف التذكارية والصناعات اليدوية العراقية، ومناطق مخصصة وآمنة للتصوير الاحتفالي، مما يجعل زيارة النصب تجربة عائلية وسياحية ممتعة لا تُنسى.

خاتمة: رسالة للمستقبل

إن الاستثمار في إقامة نصب فنية عملاقة في بغداد بأيدي طاقاتنا الشابة والعالمية ليس ترفاً، بل هو إعلان للعالم عن تعافي العراق ورقي ذوقه.
إنها دعوة لنترك للأجيال القادمة شاهداً بصرياً خالداً يقول لهم ولزوار هذا البلد:
من هنا مرت حضارة عظيمة، وما زالت تبدع وتنبض بالحياة.

❖ كتابات في الميزان ❖

يطرح المقال رؤية ثقافية وعمرانية تدعو إلى جعل النُّصُب الفنية جزءًا من حياة بغداد، لا مجرد كتل معزولة في ساحاتها. وتبرز أهميته في ربط العمل الفني بسهولة الوصول والخدمات والحدائق والمتاحف والاقتصاد السياحي. غير أن نجاح الفكرة يستلزم مسابقات شفافة، وتحكيمًا فنيًا مستقلًا، وخططًا للصيانة؛ حتى لا تتحول ضخامة النصب إلى إنفاق استعراضي منفصل عن حاجات المدينة.

نصب_الحرية.jpg