قال لي حكيم القبيلة ذات يوم:
يا ولدي، سيأتي رحيلك في يوم عادي،
وسيكون في خضم خططك التي لم تكتمل بعد،
أما العالم فسيستمر في الدوران من دونك.
في الحياة لا نفقد الأصدقاء،
بل نتعرّف إلى مَن كان حقيقيًا معنا طوال الوقت.
أحيانًا، في الحياة، نحتاج فقط إلى شخص واحد
يكون بجانبنا، شخص يصغي إلينا ويفهمنا،
ويفكر جيدًا في إعادة برمجة أيامنا.
الحياة قصيرة، إنها فاتنة ومجنونة،
تسير بين الألغام وتمشي على الجمر الماكر.
يا بني، لا تنسَ أن تحرص على قضاء أكبر وقت ممكن
على الإنترنت وقنوات التواصل الاجتماعي،
وادخل في نقاشات مثمرة ودردشات ذهنية مع الغرباء
حول سياسة المجانين وخبراء التيه والكيان
الهمجي اللقيط،
وعن الأفعى التي لم تغادر جحرها بعد.
ولا تنسَ أيضًا الخونة الحثالة الأنذال الذين يعيشون بين
ظهرانينا؛
إنهم أخطر وأبشع عدو للأمة العربية
والإسلامية.
ولا تترك العدو الحقير يرتاح قرير العين، ولو
ثانية واحدة،
على أرضك التي سلبها منك عنوةً وطغيانًا.
قلت له: يا أستاذي الفاضل، أنا الآن على عتبة الثمانين،
أعيد ترتيب ما أفسده الشيب من تجاعيد وعظام
واهية.
وهكذا أستبق العمر إلى ما تبقى من دروب
الشيخوخة،
ثم أطوي الأيام في نبض الصمت الرهيب.
هناك أيام كنت أتحسر فيها على العبث واللامبالاة.
ثم أردف قائلًا:
من الأمور المربكة في التقدم بالعمر، والتي لا
يخبرك بها أحد،
ذلك الشعور الغريب الذي ينتابك عندما تتلقى محاضرة
حماسية للغاية، وخاطئة تمامًا،
من شخص أصغر منك بكثير،
حول أحداث تاريخية موثقة عشتها،
ويمكنك تذكّرها جيدًا بلا عناء.
قلت له: يا أستاذي الفاضل:
لقد انتهى الانتظار،
ولمّا تأتِ المنية،
وما زلت أترقب وصولها.
ها هو العمر صار يغازلني من جديد،
والشيخوخة تلاعبني في حجرها.
لم تبقَ في حياتي غير الذكريات الغابرة
التي صارت تأبى الرحيل.
طرقت كل الأبواب بحثًا عن عشبة الخلود
في الفيافي،
وتحت ظلال الأشجار الزائلة.
وتصارعت مع أمواج بحر فقد مدَّه وجزرَه.
وحيدًا، أشعر بالتقدم في السن
عندما تُعرض عليَّ مقاعد في الحافلات ومترو
الأنفاق والقطارات،
ولكن لا يُعرض عليَّ أي مقعد أبدًا على متن الطائرات.
ربما يشعر مساعد الطيار بالشفقة عليَّ، ويعرض
عليَّ مقعده
بجانب الطيار في قمرة القيادة،
بل قد يسمح لي بقيادة الطائرة بنفسي،
وتوجيهها إلى جهات مجهولة
لا يعلمها إلا كبار السن والكهول مثلي.
