المشهدِ السياسيِ الدولي: عالمٌ على حافةِ التحولِ 

   يمرُ العالمُ اليومَ بمنعطفٍ دوليٍ بالغِ التعقيد، تتداخلُ فيهِ الأزماتُ السياسيةُ والاقتصاديةُ والعسكرية، وتتراجعُ فيهِ مساحاتُ الاستقرارِ لحسابِ التوترِ والمواجهةِ وإعادةُ تشكيلِ موازينِ القوى، فلمْ تعدْ النزاعاتُ الدوليةُ محصورةً في ميادينِ القتالِ التقليدية، بلْ اتسعت؛ لتشملَ الاقتصادَ والطاقةَ والتجارةَ والعقوباتِ والحصارَ والتقنيةَ والممراتِ البحرية، حتى باتتْ الدولة التي تملكُ أدواتِ القوةِ قادرة على التأثيرِ في مساراتِ دولٍ أخرى، وربما إعادةُ رسمِ أولوياتها السياسيةِ والاقتصادية.
 هنا يثار السؤالُ التالي: هلْ نحنُ أمامَ نظامٍ دوليٍ جديدٍ يتشكل، أمْ أمامَ مرحلةِ اضطرابٍ طويلةٍ لمْ تتضحْ ملامحُ نهايتها بعد؟
هذا ما سنفصلهُ في قراءتنا للموضوع.
-    الدولُ الكبرى: اعتادَ العالمُ أنْ ينظرَ إلى الدولِ الكبرى أوْ المنفذةِ عسكريا واقتصاديا، باعتبارها دولاً تمتلكُ استراتيجياتٍ بعيدةَ المدى، تخططُ لعقودٍ قادمة، وتتحركُ وفقَ حساباتٍ دقيقةٍ ومدروسة، غير أنَ المشهدَ الراهنَ يثيرُ تساؤلاتٍ مختلفة؛ إذْ تبدو بعضُ السياساتِ الدوليةِ أسيرةْ ردودِ الفعلِ السريعة، والتصريحات المتغيرة، والقرارات التي لا تمنحُ الأطرافَ الأخرى فرصةً كافيةً لفهمِ اتجاهاتها النهائية.
   تأتي في مقدمةِ هذهِ القوى، الولاياتُ المتحدة، التي ما زالتْ تمتلكُ أدواتٍ هائلةً للتأثيرِ في النظامِ الدولي، عسكريا واقتصاديا وسياسيا، إلا أنَ إدارةَ الأزماتِ الدولية، ولا سيما في منطقةِ الشرقِ الأوسط، أصبحتْ أكثر تعقيدا منْ قدرةِ أيِ طرفٍ على التحكمِ بمخرجاتها بصورةٍ كاملة. فالتصعيدُ في الملفِ الإيراني، والتوترِ في منطقةِ الخليج، وأمن الممراتِ البحرية، كلها ملفات مترابطة، وأيّ خطأٍ في حساباتها قدْ ينعكسُ على أسواقِ الطاقةِ والتجارةِ العالمية، وليسَ على دولِ المنطقةِ وحدها.
     أما روسيا، فتجدُ نفسها أمامَ اختبارٍ استراتيجيٍ طويلِ الأمدِ نتيجةْ الحربِ في أوكرانيا، وهيَ حربٌ تجاوزتْ حدودَ الصراعِ الروسيِ الأوكراني؛ لتصبحَ جزءا منْ صراعٍ أوسعَ على الأمنِ الأوروبيِ والنفوذِ الدولي، ومستقبلِ النظامِ العالمي، فقدْ أثرتْ هذهِ الحربُ في العلاقاتِ بينَ موسكو والعواصمِ الغربية، وفي أسواقُ الطاقةِ والغذاء، وفي حساباتِ الأمنِ الأوروبي، كما دفعتْ دولاً عديدةً إلى إعادةِ النظرِ في تحالفاتها وسياساتها الدفاعية.
     في المقابل، تواصلُ الصين، صعودها بوصفها قوةً اقتصاديةً وسياسيةً كبرى، لكنها تتعاملُ معَ الملفاتِ الدوليةِ بطريقةٍ تختلفُ في أدواتها وأولوياتها عنْ النموذجِ الأمريكيِ أوْ الروسي، فبكين تدركُ أنَ الاقتصادَ والتجارةَ والاستثمارَ والأسواقَ تمثلُ عناصر أساسية في بناءِ النفوذِ طويل الأمد، لذلكَ يبدو سلوكها الدوليُ أكثر ارتباطا بحساباتِ المصالحِ الاستراتيجيةِ بعيدةْ المدى، معَ حرصها على تجنبِ الانخراطِ المباشرِ في بعضِ الصراعاتِ التي قدْ تستنزفُ مشروعها الاقتصاديَ والسياسي، ولا تستطع، معَ اتساعِ نفوذها، أنْ تبقى بعيدةً عنْ التحولاتِ الكبرى في النظامِ الدولي، فحجمُ اقتصادها، وموقعها في التجارةِ العالمية، وعلاقاتها معَ دولِ آسيا والشرقِ الأوسط، وأفريقيا، يجعلُ أيّ تحولٍ في مواقفها ذا تأثيرٍ يتجاوزُ حدودها الجغرافية.
-     دول الخليجِ العربي: ليست منطقة الخليجَ العربيَ مجردَ مساحةٍ جغرافيةٍ محلية، بلْ يمثلُ أحد أهمِ شرايينِ الاقتصادِ العالمي، لذلكَ فإنَ ارتفاعَ منسوبِ التوترِ فيهِ يجعلُ العالمَ بأسرهِ يترقبُ تداعياتِ أيِ مواجهةٍ عسكريةٍ واسعة، فالمشكلةُ لا تتعلقُ فقطْ بمنْ يمتلكُ القوةَ العسكرية، وإنما بمنْ يستطيعُ تحمل نتائجِ استخدامها، ومنْ يستطيعُ التحكم في اليومِ التالي لأيِ مواجهة.
  منْ هنا تبرزُ خطورة عسكرةْ الممراتِ البحريةِ والمناطقِ الاستراتيجية، فوجودُ القوى العسكريةِ الكبرى في منطقةٍ شديدةِ الحساسيةِ لا يعني بالضرورةِ تحقيق الأمن؛ إذْ يمكنُ أنْ يؤدي، في ظروفٍ معينة، إلى زيادةِ احتمالاتِ الاحتكاكِ وسوءِ الحسابات،- خصوصا- عندما تتعددُ الأطراف، وتختلفُ أهدافها، وتصبحُ الرسائلُ السياسيةُ والعسكريةُ متناقضة،  فدول الخليجِ العربي، تعيشُ بدورها معادلة شديدةْ الحساسية، فهيَ منْ جهةٍ تسعى إلى حمايةِ اقتصاداتها واستثماراتها ومشاريعها التنموية، ومنْ جهةٍ أخرى تجدُ نفسها مضطرة إلى إدارةِ شبكةٍ معقدةٍ منْ التحالفاتِ والعلاقاتِ معَ الولاياتِ المتحدةِ والصينِ وروسيا والقوى الإقليمية، لذلكَ أصبحتْ السياسةُ الخليجيةُ أكثرَ حذرا وبراغماتية، إذْ تحاولُ هذهِ الدولُ تحقيقَ أكبرِ قدرٍ ممكنٍ منْ الاستقرار في محيطٍ إقليميٍ شديدٍ التقلب.
-    القضيةُ الفلسطينية: في قلبِ المشهد السياسي،ِ يبقى الصراعُ الفلسطينيُ – الصهيوني، أحد أكثرِ الملفاتِ تأثيرا في المنطقةِ والعالم، وقدْ كشفتْ الحرب في غزة، وما رافقها منْ تداعياتٍ في لبنانَ وسوريا والمنطقةِ عموما عنْ عمقِ الأزمةِ التي يعيشها النظام الدوليّ في التعاملِ معَ النزاعات، وعنْ التناقضاتِ بينَ المبادئِ التي يعلنها المجتمع الدولي، وبينَ كيفيةِ تطبيقها على أرضِ الواقع. إنَ استمرارَ الحربِ والدمارِ وسقوطِ الضحايا والنزوحِ يفرضُ أسئلةً صعبةً بشأنِ مستقبلِ المنطقة، ومستقبلِ القضيةِ الفلسطينية، وحدودِ قدرةِ المؤسساتِ الدوليةِ على وقفِ النزاعاتِ أوْ فرضِ احترامِ القانونِ الدولي.
-    المصالح المشتركة: في الوقتِ نفسه، تتباينُ المواقفُ الدوليةُ بشأنِ مسؤولياتِ الأطرافِ وسبلِ إنهاءِ الصراع، وهوَ ما يجعلُ الوصول إلى تسويةٍ سياسيةٍ شاملةٍ أكثر تعقيدا،  فأوروبا، تقفُ أمامَ معادلةٍ لا تقلُ صعوبة، فهيَ منْ جهةٍ مرتبطةٍ استراتيجيا وأمنيا بالولاياتِ المتحدة، منْ جهةٍ أخرى تواجهُ مصالحها الخاصةَ وتحدياتها الاقتصاديةَ والأمنيةَ والجيوسياسية، فالحربُ في أوكرانيا، وأمنِ الطاقة، والهجرة، والاقتصاد، والعلاقةِ معَ الصين، كلها ملفاتٌ تدفعُ الدولُ الأوروبيةُ إلى إعادةِ التفكيرِ في موقعها داخلَ النظامِ الدولي.  منْ هنا يمكنُ فهمُ حالةِ الترددِ الأوروبيِ، باعتبارها جزءا منْ أزمةٍ أوسعَ تتعلقُ بمستقبلِ الدورِ الأوروبيِ نفسه: هلْ ستبقى أوروبا شريكا استراتيجيا للولاياتِ المتحدةِ في معظمِ الملفاتِ الكبرى، أمْ ستسعى تدريجيا إلى بناءِ مساحةٍ أوسعَ منْ الاستقلالِ الاستراتيجي؟
   الإجابةُ عنْ هذا السؤالِ، ستتحددُ ليسَ بالشعاراتِ السياسية، وإنما بقدرةِ أوروبا على بناءِ أدواتٍ مستقلةٍ في الدفاعِ والطاقةِ والاقتصادِ والسياسةِ الخارجية، لكنَ الأخطرَ منْ كلِ ذلكَ أنَ العالمَ لمْ يعدْ يعيشُ في بيئةٍ دوليةٍ يمكنُ فيها لقوةٍ واحدةٍ أنْ تفرضَ إرادتها بسهولةٍ على الجميع، فالعالمُ يتجهُ نحوَ تعددٍ أكبرَ في مراكزِ القوة، وظهورِ قوى إقليميةٍ مؤثرة، وتراجعُ قدرةْ المؤسساتِ الدوليةِ على احتواءِ الأزماتِ في بعضِ الملفات. وهنا تظهرُ أزمةُ النظام الدوليُ بصورةٍ أكثرَ وضوحا.
-    التوازناتُ الدولية: يعكسُ مجلسُ الأمن، على سبيلِ المثال، إلى حدٍ كبيرٍ توازناتِ القوى التي تشكلتْ بعدَ الحربِ العالميةِ الثانية، بينما تغيرتْ طبيعةُ العالمِ بصورةٍ كبيرةٍ منذُ ذلكَ الوقت، فدولٌ صاعدةٌ اقتصاديا وسياسيا تطالبُ بدورٍ أكبر، وقوى إقليمية أصبحتْ تمتلكُ أدواتِ تأثيرٍ تتجاوزُ حدودها، في حينِ ما زالتْ القراراتُ الدوليةُ تصطدم- في كثيرٍ منْ الأحيان- بحساباتِ القوى الكبرى وحقِ النقضِ والمصالحِ المتعارضة، ولذلكَ فإنَ المشكلةَ الحقيقيةَ ليستْ في وجودِ اختلافٍ بينَ الدول؛ فالاختلافُ جزء طبيعيّ منْ العلاقاتِ الدولية، وإنما في غيابِ آلياتٍ قادرةٍ على إدارةِ هذا الاختلافِ قبلَ أنْ يتحولَ إلى مواجهةٍ مفتوحة.
    إنَ العالمَ الذي كانَ يتحدثُ عنْ العولمةِ والتعاونِ الدوليِ والانفتاحِ الاقتصاديِ يجدُ نفسهُ اليومَ أمامَ عودةٍ قويةٍ لمنطقِ القوةِ والمصالحِ الوطنيةِ والحساباتِ الجيوسياسية، وأصبحَ الاقتصاد نفسه سلاحا، والعقوبات أداةْ ضغط، والطاقة ورقة سياسية، والممرات البحرية عناصر في معادلاتِ الصراع، والتقنيةِ إحدى أهمِ ساحاتِ التنافسِ بينَ القوى الكبرى.
-    الموقف العراقي:
في ظلِ هذا المشهدِ الدوليِ المتحول، لا ينبغي للعراقِ أنْ يكونَ مجرد متلقٍ للأحداثِ أوْ ساحةٍ لتداعياتِ صراعاتِ الآخرين، بلْ عليهِ أنْ يتعاملَ معَ المتغيراتِ بواقعيةٍ سياسيةٍ تحفظُ مصالحه وسيادته، فالمطلوبُ هوَ قراءةْ التحولاتِ الدوليةِ والإقليميةِ بدقة، وتنويع علاقاتهِ الخارجية، والابتعادِ عنْ سياسةِ المحاور، معَ الحفاظِ على علاقاتٍ متوازنةٍ معَ مختلفِ الأطراف، بما ينسجمُ معَ المصلحةِ الوطنية، كما يحتاجُ العراقُ إلى استثمارِ موقعهِ الجغرافيِ وثرواتهِ وطاقاته الاقتصادية والدبلوماسية ليكونَ طرفا فاعلاً في محيطه، لا طرفَ متأثرا بما يقررُ خارجَ حدوده. في عالمٍ تتغيرُ فيهِ موازينُ القوى، تصبحُ وحدةَ الموقفِ الوطني، وقوةَ المؤسسات، وحسنَ إدارةِ المصالح، منْ أهمِ أدواتِ حمايةِ العراقِ وتعزيزِ دورهِ ومكانته.
-    العالمُ اليوم: لقدْ أصبحنا، إذنا، أمامَ عالمٍ تتراجعُ فيهِ اليقينيات، وتتقدمُ فيهِ الاحتمالات، في مثلِ هذا العالم، لا يكفي أنْ نسأل: منْ الأقوى؟ بلْ ينبغي أنْ نسألَ أيضا: ما حدودُ القوة؟ وما تكلفةُ استخدامها؟ ومنْ يمتلكُ القدرةَ على تحويلِ الأزمةِ إلى تسوية؟ ومنْ يملكُ رؤيةً تتجاوزُ لحظةَ الصراعِ إلى اليومِ التالي؟ 
  إنَ المرحلةَ الراهنةَ، تحتاجُ إلى عقولٍ سياسيةٍ تقرأُ ما وراءَ الأحداث، لا إلى مواقفَ انفعاليةٍ تكتفي بوصفها، فالمشهدُ الدوليُ ليسَ مسرحا ثابتا، بلْ عملية مستمرة لإعادةِ توزيعِ النفوذِ والثروةِ والمصالح. وإذا كانَ العالمُ يعيشُ اليومَ حالة منْ الاضطراب، فإنَ مسؤوليةَ النخبِ السياسيةِ والفكريةِ والإعلاميةِ لا تقتصرُ على نقلِ الأخبار، وإنما تتمثلُ في محاولةِ فهمِ جذورِ الأزمات، وكشفِ تناقضاتها، والبحثِ عنْ مساحاتٍ يمكنُ أنْ تلتقيَ فيها المصالحُ بدلَ أنْ تتحولَ الخلافاتُ إلى حروب. 
     معَ ذلك، فإنَ هذا المشهدَ لا يعني بالضرورةِ أنَ العالمَ يتجهُ حتميا نحوَ حربٍ عالميةٍ أوْ انهيار شامل، فهناكَ في المقابلِ مصالحُ اقتصاديةٌ مشتركة، وقنوات دبلوماسية، ومؤسسات دولية، وتوازنات نووية، وتشابكات تجارية تجعلُ الحرب الشاملة مكلفة للجميع، لكنَ استمرارَ الأزماتِ دونَ حلولٍ سياسيةٍ يرفعُ منْ مخاطرِ سوءِ التقدير، ويجعلُ حادثا محدودا قابلاً للتحولِ إلى أزمةٍ أكبرَ إذا لمْ تتوافرْ الإرادةُ السياسيةُ لاحتوائه، ومنها منطقةْ الشرقِ الأوسط- تحديدا- تقفُ عندَ نقطةٍ شديدةِ الحساسية؛ فهيَ تملكُ الطاقةَ والممراتِ البحريةَ والموقعَ الجغرافي، لكنها- في الوقتِ نفسه- تعاني منْ صراعاتٍ متراكمةٍ وتنافس إقليميّ ودولي، ولذلكَ فإنَ استقرارها لمْ يعدْ شأنا إقليميا فحسب، بلْ أصبحَ جزءا منْ الأمنِ الاقتصاديِ والسياسيِ العالمي.
-    الخاتمة :
    إنَ ما يحدثُ اليومَ يشبهُ مشهدا متحركا لا يستقرُ على صورةٍ واحدة، فتصريحٌ سياسيٌ قدْ يتغيرُ خلالَ ساعات، وتحالفٍ قدْ يتبدلُ وفقَ المصالح، وسوقَ نفطا قدْ يتأثرُ بخبر، وممرٍ بحريٍ قدْ يتحولُ منْ طريقٍ للتجارةِ إلى نقطةِ توترٍ دولي، لهذا فإنَ قراءةَ المشهدِ الدوليِ لا ينبغي أنْ تقومَ على متابعةِ التصريحاتِ وحدها، وإنما على تحليلِ المصالحِ والقدراتِ والبدائلِ التي تمتلكها الدول، فالدولُ لا تتحركُ دائما وفقَ ما تقوله، وإنما وفقَ ما تستطيعُ فعله، وما تحتاجُ إليهِ وما تخشاه. ومنْ الخطأِ أيضا، الاعتقاد أنَ كلَ ما يحدثُ هوَ نتيجةْ خطةٍ واحدةٍ مرسومةٍ بدقةٍ منْ طرفٍ واحد، فالعلاقاتُ الدوليةُ أكثرُ تعقيدا منْ ذلك؛ إذْ تتفاعلُ فيها قراراتُ الدولِ معَ ردودِ أفعالِ الخصوم، وضغوطُ الداخل، والأسواق، والرأيِ العام، والمؤسسات، والحساباتِ العسكريةِ والأمنية، فتنتجُ أحيانا نتائج لمْ تكنْ متوقعةً منْ أيِ طرف.
 أينَ يتجهُ العالم؟ في نهايةُ المطاف، قدْ لا يكونُ السؤالَ الأهم: إلى أينَ يتجهُ العالم؟ بل: أيٌ نظام دوليّ نريدُ أنْ يتشكلَ منْ رحمِ هذهِ الفوضى؟  إن العالمُ الذي نشهدهُ اليومَ، قدْ لا يكونُ مجرد مرحلةٍ عابرةٍ منْ الأزمات، وإنما ربما يكونُ مخاضا لنظامٍ دوليٍ جديدٍ لمْ تتضحْ ملامحهُ بعد. وبينَ نظامٍ قديمٍ يفقدُ شيئا منْ قدرتهِ على إدارةِ العالم، ونظام جديد لمْ يولدْ بصورةٍ مكتملة، ستبقى البشريةُ أمامَ سنواتٍ صعبةٍ تتطلبُ قدرا أكبرَ منْ الحكمةِ والدبلوماسية، وأقلّ قدرٍ ممكنٍ منْ المغامرةِ بالقوة. وهكذا تستمرُ مسرحيةُ العالمِ في عرضِ فصولها المتغيرة؛ غير أنَ المشكلةَ ليستْ في تبدلِ المشاهد، وإنما في أنَ ثمنَ الخطأِ في هذا العرضِ لمْ يعدْ تتحملهُ دولةٌ واحدة، بلْ قدْ يدفعُ ثمنه العالم بأسره.

❖ كتابات في الميزان ❖ 

يقرأ المقال العالم بوصفه واقفًا بين نظام دولي قديم تتراجع قدرته على إدارة الأزمات ونظام جديد لم تتضح ملامحه بعد. ويتتبع تنافس الولايات المتحدة وروسيا والصين، وأثر أزمات أوكرانيا والشرق الأوسط والطاقة والممرات البحرية في إعادة توزيع النفوذ. كما يبرز هشاشة المؤسسات الدولية أمام مصالح القوى الكبرى، ويدعو العراق إلى سياسة متوازنة تحفظ سيادته وتجنبه صراعات المحاور. ويخلص إلى أن المرحلة المقبلة تتطلب الدبلوماسية والحكمة؛ لأن أخطاء القوى الكبرى لم تعد محصورة بحدودها، بل يدفع العالم بأسره ثمنها.

المشهد_السياسي.jpg