من استرداد المتهمين إلى تعقّب الأموال.. هل تصل ملاحقات العراق إلى «الكبار»؟

أعادت عملية استرداد ثلاثة متهمين من خارج العراق ملف الملاحقات الدولية إلى الواجهة، وفتحت باب التساؤل عن قدرة الجهات المختصة على الانتقال من إعادة الأفراد المطلوبين إلى ملاحقة كبار المتهمين بالفساد واسترداد الأموال والموجودات المرتبطة بقضاياهم.

وكانت وزارة الداخلية العراقية قد أعلنت، في 16 أيلول/سبتمبر 2026، استرداد ثلاثة متهمين مطلوبين للقضاء العراقي من خارج البلاد، على خلفية قضايا تتعلق بالنزاهة والقتل والاحتيال، في عملية نفّذتها مديرية الشرطة العربية والدولية «إنتربول بغداد».

مسار يتجاوز استرداد الأشخاص

وقال رئيس مؤسسة النهرين لدعم الشفافية والنزاهة، وعضو الائتلاف العالمي لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، محمد رحيم الربيعي، إن استرداد المطلوبين يمثل خطوة تنفيذية تأتي ضمن التزام العراق باتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد.

وأوضح أن ملف الاسترداد لا يقتصر على إعادة الأشخاص إلى القضاء، بل يمتد إلى استعادة الأموال والموجودات، وهي عملية تحتاج إلى وقت وتعاون دولي وإجراءات قانونية وفنية متكاملة.

هل تصل الملاحقات إلى الكبار؟

وأشار الربيعي إلى أن استرداد أحد الموظفين المتهمين، والمحكوم بعقوبات جزائية تصل إلى 55 عامًا، يعكس انتقالًا من الأحكام البسيطة إلى العقوبات الرادعة، لكنه شدد على ضرورة ملاحقة كبار المتهمين الذين صدرت بحقهم أحكام قضائية.

وبيّن أن المبالغ المرتبطة ببعض الأشخاص المستردّين تبقى محدودة قياسًا بحجم الأموال المنسوبة إلى كبار المتهمين بقضايا الفساد، مما يجعل أثر هذه الإجراءات محدودًا ما لم تتوسع الملاحقات لتشمل الرؤوس الكبيرة وشبكاتها المالية.

وأضاف أن تطوير ملف الاسترداد يتطلب تخصيص موازنة مناسبة، واستخدام تقنيات متقدمة في تعقّب الأموال، وتشكيل لجان ثنائية، وتوقيع اتفاقات تعاون، ومعالجة الجوانب الفنية والتشريعية، إلى جانب سن قانون لتعويض المتضررين من أفعال الفساد.

فجوة في حملة مكافحة الفساد

وعن تراجع حملة ملاحقة الفاسدين، رأى الربيعي أن الحملة الحكومية أصيبت بما يشبه الفجوة، على الرغم من الجهود الكبيرة التي بُذلت فيها.

وأوضح أن اتساع الحملة شكّل ضغطًا على الأجهزة القضائية في ظل إمكاناتها المحدودة، الأمر الذي أعاق استكمال بعض إجراءاتها، مؤكدًا أن مواصلة العمل تحتاج إلى مزيد من الوقت والتقنيات ومعالجة الثغرات التشريعية.

عقبات مصرفية وتعاون دولي

وفي ما يتعلق باسترداد الأموال والموجودات داخل العراق وخارجه، أوضح الربيعي أن استعادة الأموال في الداخل ممكنة، لكنها تواجه صعوبات مرتبطة بالنظام المصرفي، وضعف توافر البيانات، ومحدودية تعاون بعض المصارف، فضلًا عن عدم دقة قواعد المعلومات والروتين المصاحب للحصول على الإجابات.

وفي المقابل، أشار إلى وجود تعاون دولي كبير مع العراق خلال الفترة الأخيرة في ملف استرداد الأموال والموجودات، يمكن استثماره لتوسيع عمليات التعقّب والحجز والمصادرة.

من الرصد إلى الاسترداد

وبيّن رئيس مؤسسة النهرين أن عملية استرداد الأموال تمر بمراحل مترابطة، تبدأ برصد الأموال ومتابعة حركتها، ثم الكشف عن المستفيد الحقيقي منها، قبل الانتقال إلى تجميدها وحجزها ومصادرتها، وصولًا إلى إعادتها فعليًا إلى العراق.

وأكد أن هذه المراحل تستغرق وقتًا وتتطلب عملًا قانونيًا وفنيًا دقيقًا، إلى جانب تعاون الجهات الداخلية مع الدول والمؤسسات المالية المعنية.

معايير لقياس جدية الدولة

وأوضح الربيعي أن قياس جدية الدولة في مكافحة الفساد يتطلب تطبيق معايير الكفاءة والفاعلية على ملف الاسترداد، من خلال مقارنة عدد الأشخاص المستردّين بإجمالي المطلوبين الذين صدرت بحقهم أحكام قضائية.

كما دعا إلى مقارنة حجم الأموال التي صدرت أحكام قضائية نهائية باستردادها بحجم الأموال المعادة فعليًا، فضلًا عن احتساب الكلفة التي تحملتها الحكومة في عمليات تعقّب الأشخاص والأموال وملاحقتهم.

وشدد على ضرورة ألّا تتجاوز نفقات الملاحقة قيمة الأموال المصادرة، داعيًا إلى تحليل النتائج وإعادة صياغة التشريعات وفقًا لها؛ بما يضمن بناء منظومة متكاملة لاسترداد المطلوبين والأموال والموجودات، بدل الاكتفاء بعمليات محدودة لا تصل إلى كبار المتهمين.

المتهمين.jpg