جاء أبناء جيراني، الموزّعون بين ألمانيا والبرازيل وكندا والسويد وهولندا وغيرها من بلاد الغربة، لزيارة أهاليهم في حلب.
جاؤوا ليروا أمهاتهم وآباءهم، وإخوتهم وأخواتهم، وأصدقاءهم، وحاراتهم التي تركوها ذات يوم، من دون أن يعرفوا أن المسافة بين الإنسان ووطنه قد تصبح أطول من المسافات التي تقطعها الطائرات.
كانت الزيارة تحمل الفرح والحزن معًا؛ فرح اللقاء بعد غياب، وحزن السنوات التي مرّت، والبيوت التي تغيّرت، والوجوه التي غابت، والأيام التي لن تعود.
طلب مني أحدهم أن أصوّر له بيت جدّه وأبيه الذي هاجر من حلب. لقد تزوّج وأنجب، لكنه لا يعرف بيت أبيه، وأبناؤه لا يعرفون معنى لقب عائلتهم. وهكذا أصبحت أتجوّل في الشوارع، وألتقط صور المنازل، وأشرح، بلغات أجنبية، معاني ألقاب عائلات كثيرين ممن يتواصلون معي.
وتوقفت طويلًا عند طلب التقاط صورة لبيت جدّه وأبيه.
كم تختصر هذه الكلمات من حكاية!
بيت عاش فيه الأب، وربما وُلد فيه الجد، وتركوا بين جدرانه طفولتهم وذكرياتهم وأحلامهم. بيت بقي شاهدًا على زمن مضى، بينما توزّعت العائلة في بلاد بعيدة.
أراد أن يحتفظ بصورة للبيت، ربما ليأخذ معه شيئًا من حلب إلى حيث يعيش، وربما ليقول لأبنائه يومًا: هنا كان بيت جدّكم، وهنا عاش أبوكم قبل أن تأخذه الغربة.
وبينما كان الأطفال يتنقّلون بين الحارات، قال أحد الأحفاد لأمه:
«متى سنعود إلى بيتنا؟»
وكان يقصد بيتهم في بلاد الغربة.
يا لهذا السؤال الصغير، ويا لهذا الوجع الكبير!
كان في بيت أهله بحلب، لكنه كان يشعر أن بيته الحقيقي في مكان آخر؛ وهنا تكمن مأساة الغربة.
أن يصبح بيت الأجداد مكانًا للزيارة، وأن تصبح الحارة التي شهدت طفولة الآباء صورة تُلتقط، وذكرى تُروى، لا حياة تُعاش.
لا نلوم الطفل؛ فالإنسان يألف المكان الذي ينشأ فيه، ويشعر بالأمان حيث اعتاد أن يعيش.
لكننا نحزن لأن حلب، التي كانت يومًا بيتًا لأهلنا، لم تعد بالضرورة بيتًا لأحفادنا.
يا حلب...
كم من أبنائك يعيشون اليوم في أصقاع الأرض؟ وكم من بيت ينتظر عودة أهله؟
وكم من طفل سيكبر وهو يحمل في قلبه وطنين، ولا يعرف أيهما يسمّيه بيته؟
ما أقسى أن يعود الإنسان إلى وطنه، ثم يسمع طفلًا يسأل أمه: «متى سنعود إلى بيتنا؟».
وما أقسى أن يكون الجواب في القلب:
يا بنيّ... هذا أيضًا بيتنا.
اللهم اشهد أنني قد بلّغت.
❖ كتابات في الميزان ❖
يلتقط المقال مأساة الغربة من سؤال طفولي بسيط يكشف تبدّل معنى البيت بين جيل الآباء وجيل الأحفاد. فالمدينة التي بقيت وطنًا وذاكرة لدى المهاجرين، أصبحت لدى أبنائهم مكانًا يزورونه ثم يعودون منه إلى أوطان نشأتهم. ويمنح تصوير بيت الجد معنى مؤثرًا؛ إذ تتحول الدار من حياة يومية إلى صورة تحفظ صلة العائلة بجذورها.
