وأخيرا، سقطَ الدعلج. . . هنا القانونُ 

   ليسَ المقصود ب (الدعلج) في هذهِ المقالةِ شخصا بعينه، ولا اسم يرادُ بهِ التشهيرُ بأحد، وإنما هوَ رمزٌ لنموذجٍ عرفناهُ في حياتنا العامة؛ أولئكَ الذينَ أتقنوا ارتداءَ الأقنعة، وتفننوا في تبديلِ الألوان، وظهروا أمامَ الناسِ بثيابِ الوقارِ والنزاهة، بينما كانتْ خلفَ الستارِ حكايات أخرى لا يعرفها إلا منْ عاشَ تفاصيلها، أوْ كشفتها الوثائقُ والتحقيقاتُ والأحكامُ القضائية.

- منْ هوَ الدعلج؟
   الدعلج؛ هنا هوَ كلّ منْ ظنٍ أنَ أناقةَ المظهرِ قادرة على إخفاءِ قبحِ الفعل، والمنصبَ يستطيعُ أنْ يمحوَ آثارَ الماضي، وكثرةَ الظهورِ أمامَ الناسِ يمكنُ أنْ تصنعَ براءة لا تصنعها الحقيقة، هوَ ذلكَ الذي يمشي بثقة، يرتدي أفخرَ الثياب، يتحدثُ بلغةٍ كبيرةٍ عنْ النزاهةِ والقانونِ والمصلحةِ العامة، ثمَ يأتي يومٌ تسقطُ فيهِ الأقنعة، فتتكلمُ الملفات بدلاً عنه، وتقولُ الوثائقُ ما عجزتْ الألسن عنْ قوله.
  ليسَ ( الدعلج )؛ حالةً عراقيةً خالصة، بلْ هوَ نموذجٌ عرفتهُ المجتمعات على مرِ العصور؛ أناس صعدوا سلمَ المسؤولية، أحاطوا أنفسهمْ بهالةٍ منْ النفوذِ والوجاهة، استغلَ بعضهمْ مواقعهم، حتى إذا تحركتْ مؤسساتُ الدولة، وبدأتْ يدُ العدالةِ تمتدُ إلى الملفاتِ المغلقة، أخذتْ الصورة التي صنعوها لأنفسهمْ تتهاوى، شيئا فشيئا .

- حينَ يسقطُ القناع؛
    أنَ سقوطَ ( الدعلج )، ليسَ مجردَ سقوطِ رجلٍ منْ كرسي، أوْ خروجِ مسؤولٍ منْ مكتب، أوْ خسارةِ نفوذٍ سياسي؛ فالسقوطُ الحقيقيُ أعمق منْ ذلكَ كله، بل إنهُ سقوطُ الصورةِ أمامَ الحقيقة، سقوطِ القناعِ أمامَ القانون، فكمْ منْ شخصِ بدٍ للناسِ شامخا، ثمَ اكتشفوا أنَ ما كانَ يرفعهُ لمْ يكنْ استحقاقا، وإنما منصبا أوْ نفوذا أوْ شبكةً منْ العلاقات، كمْ منْ رجلٍ بالغٍ في الاهتمامِ بمظهرهِ حتى ظنَ أنَ البدلةَ الأنيقة، الساعةَ الفاخرة، السيارةَ الفارهة، والمرافقةَ الرسميةَ ، يمكنُ أنْ تمنحهُ حصانة منْ السؤال، لكنَ القانونَ، لا يقرأُ نوعَ القماش، ولا ينظرُ إلى ثمنِ الساعة، ولا يتوقفُ أمامَ لمعانِ الحذاء.

- القانون يسألُ عنْ الفعلِ ؛
   لقدْ عرفنا في العراقِ نماذجَ ممنْ عاشوا سنواتٍ طويلةً في واجهةِ المشهد؛ يتحدثونَ عنْ الدولة، وهمْ يستفيدونَ منْ ضعفها، يتحدثونَ عنْ النزاهةِ ، بينما تحيطُ الشبهات ببعضِ أعمالهم، يتحدثونَ عنْ المالِ العام، وكأنهُ شأنٌ بعيدٌ عنهم، لقد كانوا يتقنونَ فنَ الظهور، يعرفونَ كيفَ يختارونَ الكلمات، كيفَ يبتسمونَ أمامَ الكاميرات، وكيفَ يصنعونَ منْ أنفسهمْ صورةَ رجالِ الدولةِ الذينَ لا يمسون، ثمَ يأتي اليومَ الذي لا تعودُ فيهِ الكاميرات مهمة، تأتي الأوراق، والتحقيقات، وتظهرُ الأدلة.


-    القضاء العادل؛
     يأتي القضاء، فعندها يبدأُ البناءُ الذي استغرقَ سنواتٍ في الانهيار، فالمتهمُ لا يسقطُ يوما يقبضُ عليهِ فقط، وإنما تبدأُ صورتهُ في السقوطِ يوما تنكشفُ الحقيقةُ التي حاولَ إخفاؤها، وتسقطُ هيبتهُ المصطنعةُ،  قبلَ أنْ يصدرَ الحكمُ بحقه. وربما تكونُ أقسى لحظاتِ السقوطِ أنْ يكتشفَ الناسُ أنَ الرجلَ الذي قدمَ لهمْ طويلاً بوصفهِ شخصيةً محترمةً وموثوقة، لمْ تكنْ صورته سوى بناءِ صنعتهِ الظروف، وحمتهُ المصالح، وأطالَ عمرهُ الصمت.

- العدالة ليستْ انتقاما؛
       إنَ العدالةَ لا ينبغي أنْ تتحولَ إلى انتقام. إذا ارتكبَ الإنسانُ جريمة، فإنَ إدانتهُ تكونُ بالقانون، لا بالشائعات، ولا بالخصوماتِ السياسية، ولا بتصفيةِ الحسابات. وإذا صدرَ حكمٌ قضائيٌ بات، فإنهُ الفيصل الذي ينبغي احترامه، أما تحويلُ كلِ ماضٍ سياسيٍ أوْ وظيفيٍ إلى جريمة، فذلكَ أمر آخر لا يستقيمُ معَ دولةِ القانون.  إنَ سقوطَ ( الدعلج ) ، ليسَ شماتة بشخص، ولا احتفالاً بسقوطِ إنسان، وإنما هوَ انتصارٌ لفكرةٍ أكبر: إنَ أحدا لا ينبغي أنْ يكونَ فوقَ القانون، فالمناصبُ مؤقتة، والسلطة عابرة، والمال لا يصنعُ براءة، والمظاهر لا تمحو الجرائم إذا ثبتت، والقدرة على الاختباءِ خلفَ النفوذِ، لا يمكنُ أنْ تستمرَ إلى الأبد، قدْ يتأخرُ الحساب، لكنهُ حينَ يأتي لا يسألُ صاحبه عنْ عددِ الذينَ كانوا يصفقونَ له، ولا عنْ حجمِ موكبه، ولا عنْ عددِ الصورِ التي ظهرَ فيها، ولا عنْ أسماءِ الذينَ كانوا يحيطونَ به. إنهُ يسألهُ سؤالاً واحدا: ماذا، فعلت؟ 

-    حينَ يظهرُ الوجهُ الحقيقي؛ 
  ربما يستطيعُ الإنسانُ أنْ يخدعَ الناسُ يوما، وربما عاما، وربما سنوات، لكنهُ لا يستطيعُ أنْ يخدعَ التاريخ إلى الأبد، فالزمن، وإنَ تأخرا، يملكُ قدرةً عجيبةً على كشفِ الوجوهِ الحقيقية، وكمْ منْ (دعلج ) ، سارَ بينَ الناسِ مرفوع الرأس، يظنُ أنَ الطريقَ أمامهُ طويل، ثمَ انتهى بهِ الأمرُ أمامَ بابِ المحكمة، أوْ خلفَ القضبان، أوْ واقفا أمامَ حقيقةٍ لمْ يعدْ يستطيعُ الهربَ منها، عندها لا تنفعُ البدلة الفاخرة، ولا المنصب القديم، ولا الصور، ولا الكلمات المنمقة، فالإنسانُ قدْ يستطيعُ أنْ يختبئَ خلفَ المنصب، لكنهُ لا يستطيعُ أنْ يختبئَ إلى الأبدِ خلفَ الحقيقة.

-    عندما يصبحُ القانون، أقوى منْ النفوذ؛
  ليسَ المهمّ ، أنْ يسقطَ رجلاً واحدا، إنما المهمّ أنْ تسقطَ ثقافةُ الدعلجة نفسها؛ ثقافةْ منْ يظنُ أنَ المنصبَ يحميه، والمالَ يشتري الصمت، والنفوذَ يؤجلُ الحساب، والمظهرَ يستطيعُ أنْ يغطيَ الحقيقة. إنَ عراقَ اليومَ، لا يحتاجُ إلى سقوطِ أشخاصٍ فحسب، بلْ يحتاجُ إلى سقوطِ هذهِ الثقافة، فحينَ يصبحُ القانونُ أقوى منْ المنصب، والقضاءِ أقوى منْ النفوذ، والحقيقةِ أقوى منْ المظهر، عندها فقطْ يمكنُ أنْ نقول: إنَ ( الدعلج )، لمْ يسقطْ وحده، بلْ سقطتْ معهُ الفكرةُ التي كانَ يمثلها، تلكَ هيَ العدالةُ التي يريدها المواطنُ البسيط: لا انتقامَ فيها، لا تشف، لا تصفيةْ حسابات؛ وإنما قانون يسألُ الجميع السؤال نفسه، ويضعُ الجميع أمامَ الميزانِ نفسه، فلا حصانةً للمظهر، ولا قداسة للمنصب، ولا حماية دائمة للنفوذ.
  في النهاية، قدْ يتأخرُ القانون، لكنهُ لا ينسى. . . ربما، تتأخرُ الحقيقة، لكنها لا تموت.
 عندما يسقطُ القناع. . . لا يبقى للدعلج، إلا أنْ يسقط. . . هنا. . . القانون.

❖ كتابات في الميزان ❖ 

يستخدم المقال شخصية «الدعلج» رمزًا لصاحب النفوذ الذي يحاول إخفاء أفعاله خلف المظهر والمنصب. ويؤكد أن سقوط الأقنعة لا ينبغي أن يتحول إلى تشفٍّ أو محاكمة إعلامية، بل إلى مساءلة تستند إلى الأدلة والقضاء العادل. وتكمن قوة المقال في دعوته إلى إسقاط ثقافة الإفلات من العقاب، لا الاكتفاء بسقوط شخص واحد.

الدعلج.jpg