«عايش بين اثنين».. الحكاية التي قالها عبد الحسين أبو شبع قبل أن نعيشها

 الحرامي والشاذي أخطر مما نعتقد؟ فالحرامي يمد يده إلى جيبك، أما الشاذي فيمد يده إلى رأسك,الأول يأخذ شيئاً من مالك، والثاني يأخذ شيئاً من انتباهك؛ وبين المال والانتباه قد تضيع أشياء أكبر: الحقيقة، والوقت ، والحق ، وحتى قدرتك على السؤال ,في العراق ، ثمة جملٌ لا تموت ؛ تخرج من فم شاعر في لحظة عابرة ، ثم تمضي في الطرقات ، تدخل البيوت والمقاهي ، وتستقر في ذاكرة الناس , وكلما مرّ الزمن عليها ، اكتشفتَ أنها لم تكن تصف زمانها وحده ، بل كانت ترى ما هو أبعد منه بكثير , من هذه الجمل بيتُ شعري لشاعر الراحل عبد الحسين أبو شبع:
يمصور الأيام صوّر أيامي
عايش بين اثنين : شاذي وحرامي
ربما قالها أبو شبع وهو يسخر من وقائع عصره ، أو أراد بها تشخيص حالٍ عاشها ورآها بعينيه, لكن المفارقة الجلية تكمن في أن العبارة ، كلما ابتعدنا عن زمن قائلها ، اقتربت أكثر من يومنا المعاش , فقد كأن الشاعر لم يكن يصف رجلاً بعينه ، بل كان يقرأ مزاج وطنٍ بأسره.

رحلة الصباح والفك الأول
تخيلوا رجلاً عراقياً يخرج من بيته في الصباح , لا يحتاج إلى موعد مع القدر؛ فالقدر ينتظره عند الباب, يدير محرك سيارته ، فيتذكر الطريق, والطريق هنا ليس مجرد مسارٍ للإسفلت ، بل هو الامتحان الأول في يومه : حفرةٌ تلاحق حفرة ، وشارعٌ يتذكر الإسفلت على نحو متقطع ، ومجموعات من المشاريع التي بدأت ولم تكتمل  ، أو اكتملت على الورق أكثر مما اكتملت على أرض الواقع.
يصل إلى عمله ، فيبدأ الفصل الثاني من رحلته : معاملة ، توقيع ، ختم ، مراجعة، انتظار، اتصال ، «تعال باچر» ثم «الموظف المختص غير موجود» وحين ينتهي اليوم ، لا يكون قد خسر ساعات من عمره فحسب ، بل يكون قد خرج مجهداً من معركة صغيرة أخرى مع النظام الخدمي والبيروقراطي السائد.

الفك الثاني : السيرك الرقمي
يعود إلى البيت ، يفتح هاتفه ، وهنا يظهر الطرف الثاني «الشاذي» 
لكن من هو «الشاذي» الذي قصده أبو شبع؟ في الذاكرة الشعبية العراقية، «الشاذي» هو المهرج صاحب الحركات والافتِعال الذي يثير الضحك ، ذلك الذي يحول الموقف الجاد إلى فرجة, ولأن العراقيين شعبٌ يعرف السخرية كما يعرف الحزن، فقد كانت هذه الشخصية حاضرةً دائماً في المخيال الشعبي , غير أن «الشاذي» في زمن الهاتف الذكي لم يعد شخصاً واحداً ؛ لقد تحول إلى مشهدٍ كامل، وشاشةٍ لا تهدأ: مقطعٌ يعقبه مقطع، صانع محتوى يتشاجر مع آخر، شخصٌ يصنع بطولة من فضيحة ، وثالثٌ يحول المأساة الوطنية إلى محتوى مادةً للمشاهدات.

وكلما ارتفع مستوى الضجيج ، قلّت مساحة السؤال الحقيقي , تدخل إلى منصات التواصل وأنت تريد أن تعرف ماذا يحدث في بلدك ، فتخرج وأنت تعرف من تشاجر مع من ، ومن تصدر قائمة المشاهدات, أما السؤال الخدمي أو التنموي الذي خرجت من أجله ، فقد ضاع في الطريق.
وهنا تصبح عبارة أبو شبع أكثر قسوة مما تبدو: فالحرامي يأخذ شيئاً من جيبك ، أما الشاذي فيأخذ شيئاً من رأسك.

اقتصاد الانتباه وتغييب الأسئلة
ليس المقصود أن كل ما تعرضه المنصات الرقمية عبث ، فهذه قراءة سطحية للفكرة, المسألة أعمق من ذلك بكثير؛ نحن أمام زمن أصبح فيه «الانتباه» سلعةً تُباع وتُشترى , ومن يملك انتباهك يستطيع أن يحدد لك ما الذي تغضب منه ، وما الذي تضحك عليه ، وما الذي تنساه وهذه المشكلة ، وإن كانت عالمية ، إلا أنها في العراق تأخذ بُعداً أكثر حساسيتها ؛ لأن المواطن يعيش أصلاً تحت ضغط اقتصادي وخدمي ونفسي هائل , يخرج من البيت وهو يفكر في أسعار السوق ، فاتورة الكهرباء ، أجرة النقل ، مستلزمات الدراسة ، وفرص العمل المستقبلي لأبنائه, ثم يعود مساءً ، فيجد أمامه عالماً مصمماً كي يجعله ينسى كل ذلك لساعات.
لا بأس أن ننسى أحياناً ، فالإنسان بحاجة إلى الاستراحة, لكن ماذا يحدث إذا أصبح النسيان هو الطريقة الوحيدة للعيش , هنا تحديداً تلتقي شخصية «الحرامي» بشخصية «الشاذي»الأول لا يحتاج إلى أن يقنعك بأن ما حدث لم يحدث ، والثاني لا يحتاج إلى أن يدافع عن الأول ؛ يكفي أن يجعلك منشغلاً بشيء آخر, وحين ينشغل المجتمع طويلاً بالتافه ، يصبح الطرح الجاد وحيداً، وتقل الأسئلة الرقابية الحصيفة.

المواطن الذي كان يسأل: «أين ذهبت التخصصات والأنصبة المالية؟» قد يصبح مشغولاً بالسؤال: «من شتم من؟» والذي كان يتساءل عن تراجع مستويات البنى التحتية ، قد يقضي ليلته يتابع سجالاً لا يمت لحياته بصلة, وبهذه الطريقة ، لا يُسرق المواطن مرة واحدة، بل يُستنزف بالتقسيط.
السرقة غير المرئية لكن هل «الحرامي» مجرد فاسد يختلس المال العام؟ ربما كان أبو شبع أعمق رؤية من أن يحصر الكلمة في هذا المعنى الضيق. الحرامي الحقيقي قد يسرق منك ما هو أغلى من المال:
•    يسرق منك الفرصة والوقت.
•    يسرق ثقتك بالمؤسسات وإحساسك بسيادة القانون.
•    يسرق من الشاب سنوات عمره وهو ينتظر فرصة استحقاق لا تأتي.
•    يجعل الإنسان الكفوء يشعر بأن كفاءته وحدها غير كافية.
هذه سرقةٌ لا تظهر في الدفاتر الموحدة ولا في الجداول المالية ، لكنها مكتوبة بوضوح في وجوه الخريجين ، وفي تجاعيد الأب الذي كرر لابنه كلمة «اصبر» لسنوات طويلة.

خطر الاعتياد ورهان الوعي
العراقي بارعٌ في التكيف، وهذه ميزةٌ أحياناً، ونقمةٌ في أحيان أخرى, يتكيف مع انقطاع الخدمات ، والازدحام ، والارتفاع في الأسعار، والبيروقراطية, لكن الاعتياد لا يعني أن الخلل أصبح حالة طبيعية ، بل يعني أحياناً أن الإنسان تعب من الاعتراض, وأخطر ما يمكن أن يصيب مجتمعاً ليس أن يُسرق، بل أن يعتاد السرقة ؛ وليس أن يُخدع ، بل أن يفقد رغبته في معرفة الحقيقة , ومع ذلك ، ثمة شيءٌ يقف عصياً على المصادرة: وعي المواطن, ذلك الوعي الذي يظهر في اللحظة التي يرفض فيها الفرد تحويل الحق إلى منّة ، والواسطة إلى قانون ، والمنصات إلى غرفة عزل عن الواقع , قد تبدأ هذه الرافضة من مساحة صغيرة، لكن التغيير البنائي في المجتمعات يبدأ دائماً من إصرار الإنسان على التمسك بحقه في التفكير والتساؤل.

خاتمة
أعود إلى ذلك الرجل المفترض أمام دكان «مصور الأيام» إنه يمثل كل مواطن يحمل في جيبه راتباً يصارع به متطلبات الشهر، وفي رأسه أسئلة أكثر مما يحتمل، وفي هاتفه عالمٌ كامل من الضجيج, هنا تكمن الصورة التي التقاطها أبو شبع: ليست صورة وجه ، بل صورة زمن يُحاصر فيه المواطن بين من يستنزف مقدراته ، ومن يشغله عن السؤال عما استُنزف منه ولذلك ، فإن السؤال اليوم ليس: من هو الحرامي؟ ولا من هو الشاذي؟ بل السؤال الأساسي: كيف نخرج من بين الاثنين؟
البداية تبدأ باستعادة حقنا في السؤال ، والتمييز بين الترفيه والتخدير، بين النقد والضجيج ، وبين أن نضحك على واقعنا، وأن نضحك لأننا عجزنا عن تغييره. فالأوطان لا تُبنى بالصراخ ، ولا تُنقذ بالسخرية وحدها, والعراق ، بكل تاريخه وثرواته المهولة ، يستحق أن يأتي يومٌ لا يحتاج فيه المواطن إلى شاعر يصف حاله بأنه «عايش بين اثنين» بل ينظر إلى حياته اليومية, فيجدها تشبه ما كان يحلم به.
 

الروتين.webp