العلاقات الاقتصادية العراقية–الصينية: قوة متنامية بين التنين الصيني والأسد البابلي

 لم تكن العلاقات بين بلاد الرافدين والصين وليدة الاتفاقيات الدبلوماسية الحديثة، بل تضرب بجذورها في أعماق التاريخ الإنساني عبر طريق الحرير البري والبحري القديم؛ إذ التقت الحضارتان السومرية والبابلية بالحضارة الصينية من خلال تبادل السلع الثمينة، كالمنسوجات والحرير والتوابل والخزف الصيني، مقابل المنتجات المحلية الرافدينية.

وقد أسس هذا التواصل التاريخي لإرث ثقافي وتجاري متراكم، تحوّل في العصر الحديث، وتحديدًا بعد إقامة العلاقات الدبلوماسية الرسمية عام 1958، إلى شراكة استراتيجية قوية، امتدت ونمت في عهد الرئيس علي الزيدي.

ميزان التبادل التجاري: أرقام وإحصائيات دقيقة

شهدت العقود الأخيرة قفزة كبيرة في حجم التبادل التجاري؛ إذ تُصنّف الصين اليوم أكبر شريك تجاري للعراق، في حين يمثل العراق ثالث أكبر مورّد للنفط الخام إلى بكين.

وبمراجعة البيانات الرسمية الصادرة عن الجهات الحكومية والمنصات الاقتصادية الدولية المتخصصة، يمكن تفكيك أرقام الميزان التجاري على النحو الآتي:

حجم التبادل الإجمالي:
استقر حجم التبادل التجاري السنوي بين البلدين عند مستويات قياسية بلغت نحو 54.2 مليار دولار.

هيكل الصادرات والواردات والفائض التجاري:
يميل الميزان التجاري بوضوح لمصلحة العراق، محققًا فائضًا تجاريًا. ووفقًا للبيانات الموثقة، بلغت قيمة الصادرات العراقية إلى الصين، التي يشكل النفط الخام والمنتجات النفطية قرابة 99% منها، نحو 38.3 مليار دولار. وفي المقابل، بلغت الواردات العراقية من السلع الصينية نحو 16 مليار دولار.

طبيعة السلع المتداولة:
تنحصر الصادرات العراقية في النفط الخام، بواقع أكثر من 60 مليون طن سنويًا، بينما تتسم الواردات العراقية بالتنوع التكنولوجي والاستهلاكي؛ إذ تصدرت الأجهزة الكهربائية وأجهزة تكييف الهواء القائمة بقيمة تجاوزت مليار دولار، تليها إطارات المطاط، ثم السيارات الصينية التي شهدت نموًا متتاليًا في السوق المحلية.

تأثير المعادلة في دعم استقلال العراق الاقتصادي

تتيح الشراكة مع الصين للعراق هامشًا حيويًا للمناورة وتحقيق نوع من التوازن أمام الهيمنة الاقتصادية الغربية والأمريكية. فوجود مشترٍ كبير ومستقر ومستعد للاستثمار في ظروف أمنية وسياسية معقدة، مثل الصين، يضمن تدفقًا ماليًا مستمرًا إلى الخزينة العراقية، ولا سيما أن سياسة حكومة الزيدي قد فعّلت عملية البحث عن أفضل السبل الحديثة للارتقاء بالاقتصاد والنهوض به.

ومع ذلك، يبقى هذا الاستقلال نسبيًا؛ فبقدر ما تحرر هذه العلاقة العراق من بعض الضغوط الغربية، تخلق اعتمادًا خطرًا على السوق الصينية بوصفها مستهلكًا رئيسيًا للمورد الأساسي للبلاد.

آليات التعامل والعملة ونقاط الارتكاز

آليات التعامل والعملة:
اعتمد الطرفان في تعاملاتهما تقليديًا على الدولار الأمريكي، لكن تماشيًا مع التوجهات العالمية والسياسة الصينية الرامية إلى تدويل اليوان، اتخذ البنك المركزي العراقي خطوات لتسهيل تمويل التجارة الخارجية مع الصين باليوان الصيني مباشرة.

وتهدف هذه الآلية إلى تقليل الضغط على احتياطيات الدولار وتجنب تعقيدات نظام الامتثال المالي والتحويلات الدولية «سويفت».

نقاط الارتكاز وعناصر القوة

الحاجة المتبادلة:
يلتقي أمن الطاقة الصيني مع حاجة العراق إلى تمويل موازنته.

مبادرة الحزام والطريق:
يجعل موقع العراق الجغرافي منه حلقة وصل أساسية في المبادرة الصينية.

المرونة الصينية:
تمتاز الشركات الصينية بقدرتها على العمل في البيئات العراقية عالية المخاطر وبكلف تنافسية.

مكامن الضعف

أحادية الاقتصاد العراقي:
تتمثل المشكلة في بقاء العلاقة محصورة في فخ «النفط مقابل السلع الاستهلاكية»، من دون نقل حقيقي للتكنولوجيا أو توطين للصناعة.

الحساسية تجاه العقوبات الدولية:
قد تعيق القيود المفروضة على حركة الأموال عالميًا سلاسة المعاملات باليوان الصيني.

الثقة وأثرها في الاستقرار وتوفير الاحتياجات

تُبنى الثقة بين بغداد وبكين على «براغماتية متبادلة» خالية من الشروط السياسية المسبقة أو التدخل في الشؤون الداخلية، وهو ما تفضله الحكومات العراقية المتعاقبة.

استقرار اقتصاد البلدين:
توفر الصين للعراق عوائد مالية مستقرة تسهم في تأمين دفع الرواتب وإدارة مؤسسات الدولة، بينما يضمن العراق للصين تدفقًا آمنًا للطاقة اللازمة لتشغيل مصانعها.

توفير الاحتياجات الأساسية:
تسهم البضائع الصينية الرخيصة ومتوسطة التكلفة في تلبية احتياجات السوق المحلية والمواطنين العراقيين بمختلف مستوياتهم المعيشية، فضلًا عن دخول الشركات الصينية في قطاعات خدمية مباشرة، كبناء المدارس والمحطات الكهربائية.

تأثير التبادل التجاري في اقتصاد المنطقة

يُعدّ الصعود الصيني في العراق عاملًا يعيد تشكيل الخريطة الجيواقتصادية في الشرق الأوسط؛ فالشراكة العراقية–الصينية لا تعمل بمعزل عن دول الجوار، بل تتكامل مع استثمارات بكين في إيران ودول الخليج العربي.

ويحوّل هذا الثقل الاقتصادي المنطقة من ساحة نفوذ عسكري وسياسي غربي خالص إلى منطقة تتشابك فيها المصالح الاقتصادية الكبرى، مما قد يدفع نحو التهدئة السياسية لحماية خطوط التجارة وإمدادات الطاقة.

ربط السياسة والمواقف بالاقتصاد

تعتمد الصين مبدأ «فصل الاقتصاد عن السياسة الأيديولوجية»، فهي تتعامل مع بغداد بوصفها دولة، بغض النظر عن طبيعة التحالفات السياسية الداخلية أو الخارجية للعراق.

وفي المقابل، يحرص العراق على اتخاذ مواقف دبلوماسية متوازنة في المحافل الدولية تجاه القضايا التي تهم بكين، مثل وحدة الأراضي الصينية وقضية تايوان.

ويمثل الاقتصاد هنا القاطرة التي تقود السياسة؛ فالمصالح التي تُقدّر بمليارات الدولارات تجعل من الصعب على أي حكومة عراقية اتخاذ مواقف معادية للصين، والعكس صحيح.

الجيوسياسة الحاكمة: موقف الولايات المتحدة والشركات الغربية

يمثل التمدد الصيني في العراق حقل ألغام جيوسياسيًا يثير قلق واشنطن والعواصم الغربية بصورة ملحوظة.

وتنظر الولايات المتحدة بتوجس إلى النفوذ الصيني المتنامي في بلد استثمرت فيه واشنطن تريليونات الدولارات عسكريًا وسياسيًا؛ إذ تخشى الإدارة الأمريكية أن يتحول هذا النفوذ الاقتصادي الصيني الواسع، الذي بات يدير حصة كبيرة من إنتاج النفط العراقي عبر عقود الخدمة والجولات الاستثمارية، إلى أوراق ضغط سياسية تقوّض المصالح الاستراتيجية الغربية في الشرق الأوسط.

ومن ناحية أخرى، تمتلك واشنطن أداة ضغط حاسمة تتمثل في سيطرتها على عائدات مبيعات النفط العراقي المودعة لدى مجلس الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك.

وتستخدم واشنطن المعايير الصارمة للامتثال ومكافحة غسل الأموال لكبح أي توجه عراقي مفرط نحو بكين، مما يفسر الحذر والبطء في تفعيل آليات الدفع باليوان الصيني بصورة كاملة، تجنبًا للصدام مع النظام المالي الأمريكي.

وعلى مستوى الشركات، انسحبت بعض كبريات شركات النفط الغربية، مثل إكسون موبيل، تدريجيًا من بعض الحقول العراقية نتيجة البيروقراطية وضعف هوامش الربح، مقارنة بالشركات الصينية المملوكة للدولة، التي لا تبحث عن ربح تجاري سريع بقدر بحثها عن «أمن طاقة» استراتيجي طويل الأمد، مدعوم مباشرة من حكومة بكين.

ومع ذلك، لا يزال الجانب الغربي يسعى إلى الاحتفاظ بموطئ قدم عبر مشاريع كبيرة ومستدامة، مثل مشروع الغاز المتكامل الذي تقوده شركة توتال إنيرجيز الفرنسية، للحفاظ على نوع من التوازن الجيوسياسي.

حدود الاعتماد على الصين في حماية القرار السيادي الاقتصادي العراقي

على الرغم من القوة الاقتصادية الكبيرة للصين وقدرتها على توفير بدائل مالية واستثمارية، فإن هناك حدودًا واضحة لمستوى الاعتماد عليها في حماية القرار السيادي العراقي.

الحدود الجيوسياسية:

لا تطرح الصين نفسها بديلًا أمنيًا أو عسكريًا للولايات المتحدة في العراق، وتفضل دائمًا العمل في ظل استقرار توفره أطراف أخرى.
لن تغامر بكين بخرق السقوف المالية أو السياسية التي تفرضها واشنطن على النظام المالي العراقي، إذا كان ذلك سيهدد مصالحها الأوسع مع الغرب.
السيادة تُصنع من الداخل

يسأل المواطن العراقي: هل تساعدنا الصين في تحقيق السيادة الاقتصادية؟

الجواب الدقيق هو أن الصين، أو غيرها، لا يمكنها حماية السيادة الاقتصادية للعراق ما لم ينفذ البلد إصلاحات هيكلية داخلية تشمل تنويع مصادر الدخل، ومحاربة الفساد، وتحسين بيئة العمل، وعدم رهن المستقبل العراقي بالكامل بجهة دولية واحدة. وهذه الأمور، كما أرى، ليست غائبة عن السياسة الاقتصادية للحكومة الحالية الشابة.

العراق_الصين.jpg