بين تحريم الخنزير... وخنزرة الحرام

ثمة مشهد يستحق أن نتوقف عنده طويلًا: مسلم يدخل مطعمًا في بلد غربي، فيقلب قائمة الطعام رأسًا على عقب، ويدقق في المكونات، ويسأل النادل عن مصدر اللحم والزيت والصلصات، وقد يترك الطبق كله لمجرد شك صغير في أن شيئًا من الخنزير قد يكون تسلل إليه. إنه يخشى الحرام.

وقد يكون هذا الورع صادقًا ونبيلًا، لكن المفارقة تبدأ عندما يخرج هذا الإنسان من المطعم، ثم يدخل إلى عالم آخر؛ عالم الصفقات والمناصب والعقود والعمولات. هناك، فجأة، يبدو أن حساسيته تجاه الحرام قد اختفت! غرام واحد من لحم الخنزير يرعبه، وملايين المال الحرام لا تزعجه. هنا لا يعود السؤال عن الخنزير، بل عن الضمير.

كيف يمكن لإنسان أن يكون شديد الورع أمام طبق الطعام، ثم يصبح شديد الجرأة أمام مال اليتيم وحقوق الفقراء والمال العام ورشوة تُدفع تحت الطاولة؟ كيف يستطيع أن يقرأ مكونات علبة غذائية بعناية، بينما لا يقرأ مصدر الملايين التي دخلت حسابه؟ كيف يخاف من قطعة لحم لا تخصه، ولا يخاف من وطن كامل يُنهب من جيبه؟

إنه الفرق بين الحرام الذي يدخل الفم، والحرام الذي يخرج من اليد.

حين يصبح الحرام قضية معدة

لقد نجحنا، في كثير من الأحيان، في تحويل الحرام إلى قضية معدة: ماذا تأكل؟ ماذا تشرب؟ هل هذا اللحم حلال؟ وهل هذا الزيت حلال؟ وهل يحتوي هذا المنتج على مادة محرمة؟

إنها أسئلة مهمة، نعم، لكن ماذا عن اليد؟ ماذا عن الرشوة؟ ماذا عن السرقة؟ ماذا عن التزوير؟ ماذا عن بيع الوظيفة؟ ماذا عن استغلال المنصب؟ ماذا عن ابتلاع المال العام؟ وماذا عن أخذ حق إنسان لأنه أضعف من أن يدافع عن نفسه؟

لماذا يصبح الحرام شديد الوضوح حين يدخل إلى الفم، وشديد الغموض حين يدخل إلى الجيب؟ ولماذا يستطيع بعض المتدينين أن يميزوا بدقة مذهلة بين مكونات الطعام، الحلال منها والحرام، لكنهم يعجزون عن تمييز المال النظيف من المال القذر؟

من يخاف الخنزير ولا يخاف الحرام

المشكلة ليست في الخنزير، بل في الإنسان الذي يختزل التقوى في الأشياء التي لا تكلفه شيئًا. فمن السهل أن تقول: «لا آكل هذا»، لكن الصعب أن تقول: «لا آخذ هذا المال»، وأنت قادر على أخذه.

ومن السهل أن ترفض قطعة لحم لأن الدين حرّمها، لكن الأصعب أن ترفض رشوة بملايين الدولارات بينما لا يراك أحد. ومن السهل أن تغضب لأن مطعمًا وضع لك لحمًا محرّمًا في طبقك، لكن ماذا تفعل عندما تكون أنت من يضع المال الحرام في طبق المجتمع كله؟

هنا يبدأ الامتحان الحقيقي، وهنا يسقط كثير من الذين نجحوا في امتحان المائدة.

الخنزرة ليست في اللحم دائمًا

ليس المقصود هنا تشبيه الإنسان بالخنزير بمعناه الحيواني، وإنما الإشارة إلى «الخنزرة الأخلاقية»؛ حين يتحول الجشع إلى غريزة، وحين يفقد المال قبحه مهما كان مصدره، وحين يصبح السؤال الوحيد: كم سأربح؟ لا: من سيدفع الثمن؟

عندها لا يعود الإنسان معنيًّا بمصدر المال، ولا بمن سُلب منه، ولا بمن ظُلم بسببه؛ فالمهم أن يصل المال إلى يده. وهذه هي «خنزرة الحرام»: حين يصبح الإنسان مستعدًا لالتهام كل ما يقع تحت يده، ما دام القانون غائبًا، والرقابة ضعيفة، والضمير في إجازة.

صلاة نظيفة... وذمة متسخة

والأكثر إثارة للدهشة أن بعض هؤلاء لا يرون في الأمر تناقضًا؛ فقد يرتشي صباحًا ويصلي ظهرًا، وقد ينهب المال العام ثم يتحدث مساءً عن الحلال والحرام، وقد يأكل حقوق الناس ثم يتحسس بشدة من مطعم يبيع لحمًا مشبوهًا.

وكأن المشكلة في نظره ليست أن المال حرام، بل أن نوع الحرام يجب أن يكون مناسبًا للتدين الذي يمارسه! فيغسل يديه قبل الصلاة، لكنه لا يغسل ذمته من الرشوة، ويبحث عن الطعام الطاهر، لكنه لا يبحث عن الكسب الطاهر، ويتحرى الحلال في لقمة، بينما يتساهل في مصدر الثروة التي اشترى بها المائدة كلها.

يا لها من مفارقة: معدة شديدة التدين، ويد لا تعرف الورع!

هل يمكن أن تكون المائدة حلالًا، والحياة كلها حرامًا؟

هل أكلت حق غيرك؟

السؤال الحقيقي ليس: هل أكلت لحم الخنزير؟

السؤال الذي ينبغي أن يطارد الإنسان هو: هل أكلت حق غيرك؟

وليس السؤال فقط: هل هذا الطعام حلال؟ بل: هل المال الذي اشتريت به الطعام حلال؟

فقد تكون اللقمة حلالًا في ذاتها، لكن المال الذي دُفعت به مسروق. وقد تكون المائدة نظيفة، لكن صاحبها حصل على ثمنها من رشوة. وقد تكون الملابس طاهرة، لكن مصدر المال الذي اشتُريت به كان ظلمًا. وقد يكون البيت فاخرًا، لكن كل حجر فيه يحمل قصة إنسان حُرم من حقه.

فأين تكون الطهارة هنا: في الطبق أم في الذمة؟

لا يكفي أن تطهّر فمك

الدين الذي يحث الإنسان على اجتناب الحرام لا يمكن اختزاله في قائمة طعام. والتقوى ليست أن تعرف ماذا يدخل معدتك فقط، بل أن تعرف إلى أين تمتد يدك، وماذا تأخذ من جيوب الآخرين.

وليست التقوى أن تخاف من لقمة محرمة، ثم تأمن دعوة مظلوم، ولا أن تتحاشى شبهة في مطعم، ثم تمر فوق حقوق الناس وكأنها لا شيء.

فاليد أيضًا لها حرامها، واللسان له حرامه، والمنصب له حرامه، والسلطة لها حرامها، والمال له حرامه.

وإذا كان الإنسان يملك من الورع ما يكفي لرفض غرام واحد من لحم الخنزير، فليكن لديه من الورع ما يكفي لرفض دينار واحد لا يستحقه؛ لأن الفرق بينهما كبير: ذلك الغرام من لحم الخنزير قد يلوث معدة صاحبه، أما المال الحرام فقد يلوث حياة مجتمع بأكمله.

وفي النهاية، قد ينجح الإنسان في أن يموت من دون أن يأكل قطعة من لحم الخنزير، لكن السؤال الأصعب الذي سيبقى معلقًا فوق رأسه هو: كم إنسانًا أكل هو حقوقه؟

وهنا لا تنفع نظافة المائدة إذا كانت الذمة متعفنة.

وعلى العموم، فإن المسلمين لا يأكلون لحم الخنزير لأنه حرام، لكن بعضهم يأكل الحرام لأنه «خنزير».

❖ كتابات في الميزان ❖  

يبني المقال مفارقته على التناقض بين التشدد في تحريم الطعام والتساهل في أكل حقوق الناس، كاشفًا اختزال بعضهم للتقوى في مظاهر لا تمتحن مصالحهم. ويتميز النص بأسئلته المباشرة وصوره البلاغية التي تقابل بين نظافة المائدة ونظافة الذمة، وبين الحرام الذي يدخل الفم والحرام الذي يدخل الجيب. وينتهي إلى أن الورع الحقيقي لا يُقاس بنوعية الطعام وحدها، بل بنزاهة الكسب وصيانة المال العام وحقوق الضعفاء.

تحريم_لحم_الخنزير.jpg