رؤساء فوق صفيح ساخن /2

    استكمالا" لما تم سرده في مقالة رؤساء فوق صفيح ساخن/1 وما اوضحناه من ادوار رؤساء الادارة الامريكية سواء الجمهورين منهم او الديمقراطيين والتي تتسم اغلب تصرفاتهم بالغرابة وحتى بعض الاحيان بالعنجهية المقيتة بالتصريح او حتى بالتلميح، والانظار بصورة اكيدة تكون نحوهم لانهم في مفهوم السياسة والقوة العسكرية وحتى الاقتصادية وقوة الدولار تعد نفسها الدولة العظمى الكبرى وخصوصا" بعد ترسيخ نظام القطب الاوحد والذي نادت به وطبقته بقوة السلاح والنار بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وحلفائه في المعسكر الشرقي. وبعد نهاية عصر الرئيس جورج دبليو بوش الابن ومارفقه من حروب متواصلة لابد من التهدئة وقد كان ذلك واضحا" وجليا" من خلال وصول اول رئيس من اصل افريقي الى الرئاسة، وهذا الوصول الرئاسي يؤكد ان السياسة الخارجية والدفاعية الامريكية لا يرسمها حزب واحد بل تصنعها منظومة متكاملة من المؤسسات والمصالح ( الدولة العميقة) بينما وكما اكدنا في مقالنا السابق يأتي الرئيس ليمنحها اتجاها" واسلوبا" خاصين به وعلى طريقته الخاصة.

•    الرئيس باراك اوباما
وهو من الحزب الديمقراطي تولى الرئاسة ثمان سنوات كاملة من عام 2009 ولغاية 2017 وهو اول رئيس من اصول افريقية في التأريخ يحكم امريكا، وهنا وحسب الادوار المرسومة لكل رئيس وبعد شغب امريكي بوليسي كبير خلال السنوات المنصرمة (فترة بوش الابن ) لابد من تهيئة الاجواء لفترة راحة للقوة العسكرية الامريكية للاسترداد الانفاس والتحضير للمراحل المقبلة، وبدأت سياسة عسكرية جديدة وهي استمرار التدخل الامريكي عبر التحالفات والقوات المحدودة والطائرات ، ومن المثير انه خلال رئاسته ازادت قوة المنظمات الارهابية وخصوصا" داعش وحلفائها عبر دعم الولايات المتحدة بصورة غير مباشرة او عن طريق حلفائها في المنطقة، اضافة الى تأجيج ما يعرف بثورات الربيع العربي والتي اعدت مسبقا" من خلال المنظمات الامريكية السياسية والاستخبارية المتخصصة في هذا المجال من صناعة الاضطرابات ووضع البنية الاساسية للحركات المشبوه في التمدد والتطور ، وكان دخول داعش الى العراق عبر سوريا واسقاطها وبصورة غريبة ومثيرة للجدل للمحافظات الغربية (ذات اللون الطائفي الواحد) وعبر ما سمي اولا" (ثورة العشائر) وموقف اوباما المتفرج من دخول تلك الفلول الارهابية والتي باركها في بادئ الامر  ولم يتدخل او يسمح لاي طرف بالتدخل في ايقاف تلك الموجات الارهابية الى ان قام العراق وبعد فتوى الجهاد الكفائي في ايقاف هذه الهجمة على الرغم من اتفاقية الاطار الاستراتيجي لعلاقة الصداقة والتعاون الموقعة ما بين العراق والولايات المتحدة والتي وقعت قبل الانسحاب الامريكي الاولي عام 2011 
•    الرئيس دونالد ترامب (الولاية الاولى)
وهو من الحزب الجمهوري (وحسب صيغة التبادل في موقع الرئاسة ما بين الحزبين) وهو رجل مال وصفقات مالية مشبوهة وكان بعيد كل البعد عن السياسة لكن  بين ليلة وضحاها اصبح رئيسا" للولايات المتحدة الامريكية وللفترة (2017- 2021) وبفارق ضيئل من اصوات المجمع الانتخابي مع منافسه الديمقراطي (كانت شبهات تزوير كبيرة وتدخل خارجي في فوزه اثيرت وبقوة في الاوساط السياسية والاعلامية الامريكية والدولية)، ويعتبر ترامب وعبر صهره (زوج ابنته ايفانكا والتي اعتنقت الديانة اليهودية قبل الزواج من اليهودي المتعصب جاريد كوشنر) من اكثر الرؤساء الامريكان دعما" واسنادا" وتقاربا" وتملقا" للكيان الاسرائيلي في جميع المجالات، وساهم بقوة كبيرة في الاشراف على عمليات التطبيع مع الكيان في منطقة الشرق الاوسط مع (الامارات والبحرين والمغرب والسودان) وعبر اتفاقات ابراهام (السيئة الصيت عام 2020) والتي كانت نتائجها تطبيع كامل وعلني بين اسرائيل وهذه الدول العربية اضافة الى الاتفاقيات السابقة وما تم توقيعه مع مصر عام 1979 والاردن عام 1994 (معاهدة وادي عربة). 
وقد كانت سياسة ترامب الخارجية غير تقليدية وبعيدة عن الاعراف الدبلوماسية المتعارف عليها ما بين الدول.وبعد نهاية ولايته الاولى وخسارته في انتخابات عام 2020 اقتحم انصاره وبتحريض وبتوجيه مباشر منه مبنى الكونغرس الامريكي اثناء انعقاد جلسة التصديق على نتائج الانتخابات  (في سابقة ومؤشر غير مألوف بالحياة السياسية الامريكية وحدث اثار ازمة سياسية كبيرة)، لقد تميزت ولايته الاولى بتخبطات كبيرة سواء في المجال السياسة الخارجية بل وحتى على الصعيد الداخلي والاقتصادي على الرغم من رفعه شعار امريكا اولا" مع تشدد اقتصادي تجاه الصين والضغط على ايران بعد الغاء الاتفاق النووي المبرم معها في عهد اوباما، كما انه اتبع سياسة العصا والجزرة مع دول الخليج العربية ومحاولة الاستفادة من خيراتها البترولية له شخصيا" وشركات عائلته او للشركات الاحتكارية الامريكية الكبرى.
•    الرئيس جو بايدن
وهو كالعادة من قانون التدوال الامريكي للسلطة الغير مكتوب ديمقراطي بعد فترة الرئيس الجمهوري واكثر هدوءا" من المشاغب الذي قبله، وكانت فترته الرئاسية (2021-2025) وابرز الاحداث العالمية التي كانت خلال ولايته بداية الحرب الروسية الاوكرانية عام 2022 وعملية طوفان الاقصى السابع من تشرين الاول 2023، وكان بايدن ليس له ذلك التأثير الكبير في السياسة الخارجية وكما كان يسميه منافسه ترامب (الرئيس النعسان)، وشهدت ولايته انسحاب القوات الامريكية من افغانستان وسيطرة طالبان على الحكم فيها من جديد (وكأن مقدر لها ان تعود لتحكم وبواسطة قطرية) وخلال فترة حكمه قدمت امريكا مساعدات عسكرية واقتصادية كبيرة لاوكرانيا، كما فرضت مع حلفائها عقوبات اقتصادية واسعة على روسيا، وكان سياسية بايدن ترى ان الصين هي المنافس الاستراتيجي الاكبر للولايات المتحدة على المدى البعيد ، وتعتبر طريقة انسحاب القوات الامريكية من افغانستان والتي اشرنا لها فيما سبق هي القشة التي حطمت ظهر البعير الامريكي حيث كانت سيئة وفوضوية واضرت بصورة كبيرة في سمعة امريكا وساهمت بصورة واخرى في خسارة الحزب الديمقراطي الانتخابات الامريكية اللاحقة.
•    الرئيس دونالد ترامب (الولاية الثانية)
عاد الرئيس النرجسي المحب لذاته المتطلع للقيادة العالم الكذابة مرة اخرى الى سدة الحكم خلال الفترة 2025 ولغاية الانتخابات القادمة 2029 (والاكيد ان الرئيس القادم سوف يكون من الحزب الديمقراطي)، وخلال ولايته الثانية فان ترامب وضع جل اهتمامه بمنطقة الشرق الاوسط والاهتمام الاكبر (وعلى ضوء خلفيته السابقة) كان دعم  اسرائيل بكل ما اوتي من قوة ومحاولة جعل اليد الطولى لها في التفوق العسكري والتكنولوجي وحتى الاقتصادي، ولقد كان لموقفه خلال حرب غزة الاثر الاكبر في تدميرها وعن بكرة ابيها وبصورة مأساوية كبيرة كان نتيجتها الاف الضحايا العزل وانهيار البيئة الصحية والمعيشية والانسانية جراء ذلك العدوان الغاشم. لقد حاول ترامب في ولايته الثانية ان يكون اكثر جرأة وسرعة في استخدام السلطة التنفيذية (وصلت  وقاحته الى مطالبته بضم كندا الى الولايات المتحدة وكذلك غرينلاند من الدنمارك تحت حجج خيالية وغير معقولة) اضافة الى القوانين الخاصة بالتعرفة الكمركية والتعامل بتعالي وعنجهية مع بقية دولة العالم وحتى الصديقة منها والقريبة الى النهج الامريكي، وكان يصور شخصه على انه المنقذ (وسوبرمان) المنتظر.
كما انه صاحب فكرة امريكا يجب ان تحصل على مقابل مباشر(مالي اوعلى شكل امتيازات اقتصادية واحتكارية تذكرنا بالحقب الاستعمارية على الطراز القديم والذي كان شائع في بدايات القرن العشرين قبل بداية الحرب العالمية الاولى)، اي انه يرغب بأحتلال امريكي مباشر والاستفادة من خيرات تلك الدول، وقد طبق هذه الفكرة الاستعمارية بحذافيرها في فنزويلا بعد اعتقال رئيسها بصورة مريبة ومؤامرة اشترك فيها الكثير من اطراف الداخل الفنزويلي، اقول ان امريكا في عهد ترامب وحسب رؤيته الاحتكارية يجب ان تنال مقابل مباشر لما تقدمه من حماية او تحالف او تعاون، وما الاتفاقات الاخيرة مع دول الخليج العربية وبصفقات من مئات مليارات الدولارات الا دليل واضح وملموس على توجه ترامب والذي يرى ان قوة امريكا يجب ان تأتي اولا" من قدرتها الذاتية على فرض مصالحها، وقد اضحت شخصية ترامب النرجسية الواضحة في حربه ضد ايران وبالاتفاق مع الكيان الاسرائيلي والتي كان لها الدور الاهم في تحفيزه على شنها بل وحتى مواصلتها لوضع المنطقة في لهيب الحروب الدامية لفرض الهيمنة المطلقة الامريكية الاسرائيلية على مقدرات المنطقة والتحكم بمصائر شعوبها، تلك الحرب التي ستدمر الاخضر واليابس فيها ومن دون وجود حلول حقيقية في المنظور القريب.
بعد ان استعرضنا الرؤساء الامريكان طوال الستين عام الماضية (لحظة سيلان لعاب امريكا لبترول منطقة الشرق الاوسط وازاحة الاستعمار البريطاني عنها وتصدر المشهد السياسي العالمي) تبين وبصورة لا لبس فيها ان توجهات الرئاسات الامريكية المتعاقبة تكاد تكون متطابقة وان تغيرت طرق تنفيذها وفق مخططات مرسومة، وقد لاحظت من خلال تتبع مسارات السياسية الامريكية والتي تتحدد وفق المتطلبات والملاحظات التالية:
1.    يلاحظ ان الرئاسة تداولية ما بين الحزبين الوحيدين في امريكا فعندما يحكم الحزب الجمهوري فبعدها مباشرة وسرعان ما يحكم الحزب الديمقراطي وهكذا تنتقل السلطة كأن هنالك اتفاق مسبق وليس انتخابات كبرى تثير الضجيج الاعلامي والسياسي في العالم اجمع.
2.    لكل رئيس امريكي خلال فترة ولايته دور محدد ومرسوم ومخطط له وعليه تنفيذه بدقة، حيث في حالة التنفيذ بصورة صحيحة ومن دون خسائر واضحة للعيان ويعود بالفائدة للدوائر المهيمنة على القرار الامريكي فانه بالتاكيد سيحضى بفترة رئاسية ثانية مريحة تمنح له عن طيب خاطر.
3.    السياسة الامريكية الخارجية وحتى الدفاعية والتسلح ومخططات غزو الفضاء وغيرها من الملفات الاستراتيجية، لاتتغير مهما كان الرئيس ديمقراطيا" او جمهوريا" فانها تبقى واحدة وتتواصل حتى وان تغيرت وسائل تطبيقها او اهدافها الانية او المستقبلية
4.    من الملاحظ ان هامش الرئيس الامريكي للتحرك يكون على الصعيد الداخلي فقط، حيث تكون له حرية الحركة في اتباع السياسة الداخلية، تكون على هواه بعيدا" عن سيطرة الدولة العميقة والتي تتحكم بالقرار الامريكي الخارجي.
5.    والنقطة الاهم تكون سواء كان الرئيس جمهوريا" او ديمقراطيا" فان الكيان الاسرائيلي له الاولولية القصوى في الدعم المالي والعسكري والسياسي والاقتصادي والتكنولوجي والاعلامي والامني، حتى لو كان ذلك على حساب مصالح الشعب  ودافعي الضرائب الامريكان، وكأنه عنوان محدد ورئيسي في الدستور الامريكي.
واخيرا" سواء حكم حزب الفيل او حزب الحمار يبقى الوجه الحيواني الامريكي واحد لايتغير مهما طال الزمان او قصر، حيث هما وجهان لعملة واحدة وتعددت الوجوه والهدف واحد محدد ومخطط له منذ عشرات السنين، كل ذلك جعل من هؤلاء الرؤساء فوق صفيح ساخن. 
  

البيت_الابيض.jpg