عهد جديد وتراكمات قديمة
في عهدنا الديمقراطي الجديد، الذي أطل برأسه الصغير علينا بعد عام 2003، أصبح الكثير من المفاهيم والسلوكيات والمناهج التي دخلت على طبيعة المجتمع والإنسان العراقي وليدًا لتراكمات وحرمان خلال فترة الحصار الاقتصادي، الذي عانى الشعب منه الكثير خلال تسعينيات القرن الماضي، إضافة إلى القسوة والجبروت والظلم الشديد الذي كان يُمارس على الشعب بمختلف توجهاته وقومياته وأطيافه.
وأصبح الشعب خلالها تحت سندان السلطة الجائرة ومطرقة الحصار الأمريكي–العربي المدمر. وبعد زوال كل الآثار، التي يبدو أنها بقيت متأصلة في النفوس من حرمان قديم وجوع إلى الحرية المنفلتة، أسهم كلاهما في ضعف الرقابة الشعبية وخنوعها لممارسات الفساد في الدولة أثناء تفعيل النظام الديمقراطي وسلطة الأحزاب والمحاصصة المجتمعية الجديدة.
المشاريع الوهمية واستنزاف المال العام
وحيث أصبحنا عندها نخوض في تجارب اقتصادية حديثة وغريبة عنا، ومع تغلغل الفساد الإداري في مفاصل الدولة، كانت إحدى أدواته وأساليبه ضمن ما عُرف لاحقًا بـ«المشاريع الوهمية»، التي استنزفت من خزينة الدولة مليارات الدولارات.
وطوال الأعوام الماضية، كان هناك عشرات، بل مئات، من تلك المشاريع الوهمية «الورقية»، وآخر هذه المشاريع، وليس أخيرها، هو غابات بغداد في منطقة الزعفرانية، التي تحدث عنها إعلام الحكومة السابقة بإسهاب، وجعلها متنفسًا جديدًا لبغداد، وأنها ستكون رئة بغداد، وسوف تنافس الغابات الاستوائية في الأمازون بقارة أمريكا الجنوبية.
محيميد يستعد لمغامرة العمر
وعندما سمع صديقنا محيميد بكل ذلك صدقه من كل قلبه، وهو ذلك المواطن البسيط «الذي يصدق كل شيء»، وخرج منذ الصباح الباكر مرتديًا حذاءً جبليًا، وحاملًا بوصلة ومنظارًا وقنينة ماء، بعدما قرر أن يخوض مغامرة العمر في «غابات الزعفرانية».
والزعفرانية منطقة سكنية تقع جنوب بغداد، وموقع الغابات المزمع إنشاؤها في معسكر الرشيد العسكري السابق، الذي وُضع حجر أساسه قبل أكثر من عامين.
ظل صاحبنا محيميد يمشي ساعات، ويسأل بلهفة عن الغابة، إلى أن اهتدى إليها ووجد أرضًا جرداء. بحث محيميد بين التراب عن شجرة، فلم يجد إلا حجر الأساس، وكأنه الشجرة الوحيدة التي نبتت في المشروع!
حتى الطيور اعتذرت عن السكن هناك؛ لأنها لم تجد أغصانًا تقف عليها، بينما البعوض نفسه أعلن انسحابه احتجاجًا على غياب الماء والظل.
وعندها عاد محيميد خائبًا يجر أذيال الهزيمة والاستسلام، وهو يقول في قرارة نفسه: «هذه أول غابة في العالم لا تحتاج إلى لوحات دلالة لحمايتها؛ لأنها لم تولد أصلًا».
غابة في التصريحات الرسمية
وهكذا تحولت «غابات الزعفرانية» إلى معلم سياحي من نوع جديد، يزوره الناس بالتصريحات الصحفية، ويشاهدونه في المؤتمرات، ويلتقطون معه صورًا في البيانات الرسمية.
أما على أرض الواقع، فلا يرى الزائر سوى مساحة من الأرض الجرداء الخربة، تنتظر أن تتحول فيها الكلمات إلى أشجار، والوعود إلى غابة حقيقية.
المشاريع التي تستهلك ثقة الناس
إن أخطر ما في المشاريع الوهمية أنها لا تستهلك الأموال والوقت فحسب، بل تستهلك أيضًا ثقة الناس في الدولة والحكومة. فحين يبقى حجر الأساس ثابتًا، بينما يغيب الأساس نفسه، يصبح المواطن أمام مشهد يتكرر كثيرًا: مشاريع تبدأ بعدسات الكاميرات وتنتهي في أدراج النسيان.
ولتبقى الإنجازات على الورق أكثر خضرة من الواقع، والغابات في التصريحات أكثر كثافة من الأشجار على الأرض، كسراب المياه في نهار صيف قائظ.
بغداد تنتظر الأشجار
وبقي محيميد حائرًا مندهشًا من مشروع الغابات الوهمية، وهو يتابع تطوراته الأخيرة، بعدما حضر فعالية بناء حجر الأساس للمشروع واستبشر خيرًا، لكنه انصدم من جديد بمشروع موجود على الورق، ويُدرج في الخطة، ويُهوّل له إعلاميًا، وتُخصص مبالغ من الموازنة إليه، ولكن لا توجد أعمال حقيقية على أرض الواقع.
وقد أدرك أن الغابات الخضراء موجودة في الملفات، بينما بقيت الزعفرانية وبغداد تنتظران أن تتحول الوعود إلى أشجار مثمرة، يجلس تحت ظلها الوفير محيميد وأصدقاؤه الآخرون، المغلوب على أمرهم في كل العصور.
❖ كتابات في الميزان ❖
يعالج المقال ظاهرة المشاريع الوهمية بأسلوب ساخر، متخذًا من رحلة «محيميد» إلى غابات الزعفرانية وسيلة للمقارنة بين الوعود الحكومية والواقع. ويكشف كيف تتحول المشروعات المعلنة إلى إنجازات ورقية لا يرى المواطن آثارها، مؤكدًا أن أخطر خسائرها لا تقتصر على الأموال، بل تشمل تآكل ثقة المجتمع بالدولة ومؤسساتها.
