حرب تثير الأسئلة
في عالم يزداد اضطرابًا، ونحن نتابع المشهد السياسي والعسكري من حولنا، تبرز الحرب الأميركية–الإيرانية بوصفها واحدة من أكثر المواجهات إثارة للجدل والأسئلة. وبعيدًا عن الشعارات التي تُرفع عادة لتبرير الحروب، لنناقش المسألة بعقلية متفتحة، وعلى شكل تساؤلات مشروعة.
تساؤلات مشروعة
يبقى السؤال الأكثر بساطة، والأكثر إلحاحًا: ماذا حققت هذه الحرب بعد كل هذا القتل والدمار والإنفاق؟ ماذا تغيّر على أرض الواقع؟
لقد سقط قتلى، ودُمّرت منشآت، وتضررت بنية تحتية، وارتفعت كلفة الحرب على الجميع، بينما انعكست تداعياتها على الاقتصاد العالمي وأسعار الطاقة والنقل والسلع. ومع ذلك، يبدو أن الهدف السياسي النهائي ما زال غامضًا، أو – على الأقل – لم يتحقق بالشكل الذي يمكن معه الحديث عن انتصار واضح.
إن الأكثر إثارة للتساؤل أن مسألة مضيق هرمز تبدو حاضرة بقوة في المطالب الأميركية.
هنا نسأل: إذا كان المضيق مفتوحًا أصلًا أمام الملاحة الدولية، فلماذا احتاج الأمر إلى حرب حتى يصبح فتحه مطلبًا رئيسيًا؟ وإذا كان الهدف هو الوصول إلى اتفاق، فلماذا لا تكون المفاوضات هي الطريق الأقصر والأقل تكلفة؟
هل يُقاس الانتصار بعدد المنشآت المدمرة؟
هل يُقاس الانتصار بعدد المنشآت التي جرى تدميرها، أو بعدد القادة الذين قُتلوا؟
إيران ليست دولة صغيرة يمكن إسقاطها بضربة عسكرية، أو إخضاعها بمجموعة من الغارات. إنها دولة واسعة المساحة، ذات حدود طويلة، وموقع جغرافي بالغ الأهمية، وتطل على الخليج العربي وبحر قزوين، وترتبط بشبكة معقدة من العلاقات مع دول الجوار، فضلًا عن امتلاكها عمقًا تاريخيًا وحضاريًا وجغرافيًا يجعل التعامل معها بمنطق القوة وحده مغامرة محفوفة بالمخاطر.
إن العلاقات بين دول المنطقة ليست علاقات مصالح عابرة فقط؛ فهناك روابط الدين والمذهب والتاريخ والثقافة واللغة والجغرافيا، وهي عوامل لا يمكن تجاهلها عند رسم خرائط النفوذ الإقليمي. فالاعتقاد بأن القوة العسكرية قادرة وحدها على إعادة تشكيل المنطقة وفق إرادة قوة خارجية يبدو تبسيطًا شديدًا لمعادلة سياسية بالغة التعقيد.
هناك المثل العربي القائل: «العقل زينة الرجال»، لكن يبدو أن في البيت الأبيض فلسفة أخرى؛ فلسفة ترى أن القوة هي الحل، وأن التدمير يمكن أن يكون طريقًا إلى الاستقرار، وأن القصف يمكن أن يصنع اتفاقًا، وأن إسقاط المنشآت وقتل القادة يمكن أن يحسما صراعًا عمره عقود.
إن التاريخ القريب لا يقول ذلك دائمًا. سبق أن خاضت الولايات المتحدة حروبًا طويلة ومكلفة في فيتنام وكمبوديا وأفغانستان والعراق وغيرها، وأنفقت أموالًا طائلة، واستخدمت أحدث ما أنتجته التقنية العسكرية، ثم انتهت تلك الحروب بأسئلة أكبر من الإجابات التي بدأت بها.
هل نحن أمام تكرار جديد للتجربة نفسها؟
سيفتح مضيق هرمز، وتعود حركة الملاحة تدريجيًا إلى طبيعتها، وتتوقف العمليات العسكرية في نهاية المطاف، ويجلس المتحاربون إلى طاولة المفاوضات، وعندها سيطرح التاريخ سؤاله المعتاد: ماذا كانت النتيجة؟
إذا انتهت الحرب إلى اتفاق كان يمكن الوصول إليه بالمفاوضات، فكم كان ثمن الوصول إليه عبر الحرب؟ وإذا كانت النتيجة مجرد تدمير منشآت، وقتل قادة، واستنزاف مليارات الدولارات، فهل يمكن تسمية ذلك انتصارًا استراتيجيًا؟
إن النصر العسكري لا يعني بالضرورة انتصارًا سياسيًا، وهذه نقطة ينبغي ألّا تغيب عن أذهاننا. يمكن لدولة أن تدمر منشأة، وتُسقط طائرة، وتقتل قائدًا، لكنها قد تعجز – في الوقت نفسه – عن تغيير إرادة شعب، أو إلغاء دولة، أو إعادة رسم جغرافيا المنطقة وفق رغبتها.
هل القواعد الأجنبية أمن أم عبء؟
هنا نصل إلى قضية أخرى أكثر ارتباطًا بمستقبل منطقتنا: هل القواعد العسكرية الأجنبية المنتشرة في المنطقة، والأسلحة الهائلة التي أُنفقت عليها مليارات الدولارات، جعلت المنطقة أكثر أمنًا؟ أم إنها جعلتها أكثر ارتباطًا بصراعات القوى الكبرى؟
لقد تحولت المنطقة، على مدى عقود، إلى واحدة من أكبر أسواق السلاح في العالم. أموال هائلة تُنفق على الطائرات والصواريخ والدفاعات والأسلحة المختلفة، بينما لا يزال المواطن العربي يتساءل عن الأمن والاستقرار والتنمية.
من المستفيد في النهاية؟ شعوب المنطقة تدفع، وشركات السلاح تبيع، والحروب تستمر.
هنا لا بد من وقفة: هل نحتاج إلى كل هذه الأسلحة كي نعيش بأمان، أم إن استمرار سباق التسلح هو الذي يجعلنا ندور في دائرة الخوف والحروب؟
ليس المطلوب من دول المنطقة أن تكون ضعيفة، ولا أن تتخلى عن حقها في الدفاع عن نفسها، ولكن المطلوب أن يكون قرارها العسكري والسياسي نابعًا من مصالحها الوطنية، لا أن تتحول أراضيها إلى منصات لصراعات القوى الكبرى.
ما الدروس المستنبطة من الحرب؟
إن الدرس الذي ينبغي أن نتعلمه هو أنه قد آن الأوان لدول المنطقة أن تفهم أن الأمن لا يُستورد من الخارج، وأن الاستقرار لا تصنعه القواعد الأجنبية وحدها، وأن شراء المزيد من الأسلحة لا يعني بالضرورة شراء المزيد من الأمان.
يبدأ الأمن الحقيقي من الداخل: اقتصاد قوي، ومؤسسات مستقرة، وجيوش وطنية قادرة، وعلاقات متوازنة مع الجيران، وسياسة حكيمة تمنع تحويل الخلافات إلى حروب.
وعلى دول المنطقة أن تدرك أن أفضل مكان للسلاح هو المخازن، لا ميادين القتال، وأن أفضل استخدام للمال هو بناء المدارس والمستشفيات والمصانع والبنية التحتية، لا استنزافه في حروب لا يعرف أحد كيف تبدأ، ولا كيف تنتهي.
إن منطقتنا لا تحتاج إلى مزيد من القوى الأجنبية بقدر ما تحتاج إلى قرار إقليمي مستقل، ولا إلى مزيد من الحروب بقدر ما تحتاج إلى شجاعة السلام، ولا إلى أن تكون سوقًا لتصريف منتجات شركات السلاح، بل أن تصبح شريكًا في الاقتصاد العالمي والتنمية والتقنية.
هل انتصر أحد حقًا؟
في النهاية، تُفتح الممرات البحرية، وتهدأ المدافع، وتعود السفن إلى طرقها، لكن آثار الحرب ستبقى في ذاكرة الشعوب والاقتصادات لسنوات طويلة.
ويبقى السؤال: هل انتصر أحد حقًا؟ أم إن الجميع خسر، بينما بقيت شركات السلاح تعد أرباحها؟ إن التاريخ وحده سيحكم في النهاية.
❖ كتابات في الميزان ❖
يطرح المقال رؤية نقدية للحرب الأميركية–الإيرانية، متخذًا من مضيق هرمز مدخلًا للتساؤل عن جدوى القوة العسكرية ونتائجها السياسية. ويميّز بين تدمير الأهداف وتحقيق النصر الاستراتيجي، محذرًا من تبعية المنطقة لصراعات القوى الكبرى. وينتهي بالدعوة إلى أمن إقليمي مستقل يقوم على التنمية والعلاقات المتوازنة وشجاعة السلام.
