دعونا نجلس معًا جلسة مكاشفة هادئة، بعيدًا عن صخب النظريات المستوردة والشعارات الرنانة؛ لنتحدث بلغة يفهمها القلب قبل العقل، لغة التلميح الذكي التي تبحث عن الجوهر ولا تنخدع بالمظهر.
الجميع اليوم يتحدث عن الدخان المتصاعد من الأزمات، والكل يصرخ مستغيثًا من الحريق، لكن هل حاول أحد أن ينظر خلف المشهد ليرى من يمسك بعلبة الثقاب؟ ومن يستفيد من استمرار النيران؟ ومن يوجه غضب الناس بعيدًا عن الأسباب الحقيقية؟
تعالوا نحسب الأمر بحسابات بسيطة ومنطقية.
بات الواقع الذي نعيشه يشبه ثوبًا قديمًا كثرت فيه الرقاع، حتى غابت عنا قماشته الأصلية ولونها ونسيجها. وصرنا نسأل أنفسنا بمرارة وتعجب: لماذا حين نطالب بقطرة ماء حقيقية، يأتوننا بسراب ملوّن داخل زجاجة فاخرة؟ ولماذا حين نئن من الوجع، يصدرون قانونًا يمنع الصراخ بحجة أنه يزعج نوم الغارقين في النعيم؟
شاشات ملوّنة وعقول مبرمجة
لننظر أولًا إلى الشاشات والهواتف التي لا تكاد تفارق أعيننا. ألا يبدو أحيانًا أن هناك من ينتقي لنا ما نراه، ويعيد ترتيب أولوياتنا، ويمرر الأحداث عبر مصفاة تخضع لحسابات سياسية واقتصادية وإعلامية؟
لم يعد الإعلام، في كثير من الأحيان، يكتفي بنقل الواقع؛ بل أصبح يشارك في تشكيل صورته وتحديد زوايا النظر إليه. وتؤدي خوارزميات المنصات الرقمية دورًا إضافيًا؛ إذ تختار للمستخدم المحتوى القادر على إبقائه أطول مدة ممكنة أمام الشاشة، سواء أكان مفيدًا أم مثيرًا للغضب والقلق والانقسام.
تُعرض علينا المعارك الهامشية ومشاحنات الفضاء الرقمي كأنها قضايا مصيرية، في حين تُدفن الملفات التي تمس حياتنا وكرامتنا ومستقبل أبنائنا في مقابر الإهمال والتعتيم.
يُقدَّم التافه أو الجاهل أحيانًا بوصفه عبقريًا وملهمًا، وتُقلب المواقع حتى تبدو الضحية جلادًا، والسارق مصلحًا، والفاسد حريصًا على المال العام. ومع تكرار الصورة والعبارة، نجد أنفسنا نتبنى آراءً جاهزة ونستميت في الدفاع عنها، من دون أن نكلف أنفسنا عناء فحصها أو البحث عن مصادرها.
وهنا يفرض السؤال نفسه: هل نحن الذين نفكر فعلًا وبملء إرادتنا، أم أن هناك من يرتب أفكارنا بالنيابة عنا، فيما نكتفي بهز رؤوسنا بالموافقة؟
سوق الانتباه وصناعة الانفعال
لا يحتاج توجيه الوعي دائمًا إلى غرفة مظلمة يجلس فيها متآمرون يخططون لكل تفصيل؛ فقد يكفي أن تجتمع المصالح السياسية مع رغبة وسائل الإعلام في الانتشار، وسعي المنصات إلى الربح، وحاجة بعض صناع المحتوى إلى المزيد من المشاهدات.
في هذه البيئة، يتحول غضب الإنسان وخوفه وقلقه إلى سلعة. فالمحتوى الذي يثير الانفعال ينتشر أسرع من المحتوى الذي يدعو إلى التفكير، والخبر الصادم يجذب الاهتمام أكثر من التحليل المتوازن، والاتهام المثير يسبق التصحيح الهادئ بخطوات طويلة.
وهكذا لا يكون السؤال المطروح علينا: ما القضية الأهم؟ بل: ما القضية الأكثر قدرة على إثارتنا الآن؟
قد نستيقظ صباحًا غاضبين من شخص لم نكن نعرفه بالأمس، ونقضي ساعات في معركة لا تمس حياتنا، ثم ننام وقد نسينا أزمة الماء والكهرباء والتعليم والبطالة والفساد. وفي اليوم التالي تُقدَّم لنا معركة أخرى، فننخرط فيها بالحماسة نفسها.
إنها دائرة تستنزف الانتباه، وتمنح الإنسان شعورًا زائفًا بالمشاركة، بينما تبقى القضايا الأساسية خارج مجال اهتمامه.
ظمأٌ على ضفاف الأنهار
تأملوا هذا التناقض الساخر: نعيش على ضفاف أنهار عظيمة، وحناجرنا جافة من العطش، ونملك شمسًا تملأ الأفق، فيما تبحث بيوتنا عن وميض ضوء.
لا تحتاج المسألة إلى معادلات رياضية معقدة، بل إلى وقفة صادقة مع النفس وتأمل عميق في الأسباب والنتائج.
مَن أقنع الإنسان البسيط بأن النفاق والتملق أصبحا شطارةً وذكاء؟ ومَن أوهم صاحب الحق بأن سكوته الدائم عن حقه هو عين الحكمة والصبر؟ ومَن حوّل المطالبة بالخدمات والعدالة إلى تهمة، بينما أصبحت سرقة المال العام وجهة نظر سياسية قابلة للتفاوض؟
لا تُصنع هذه القناعات دفعة واحدة، وإنما تتسلل بالتكرار. تبدأ بكلمة، ثم تتحول إلى خطاب، وبعد ذلك تصبح سلوكًا عامًا، حتى يعتاد المجتمع الخلل ويعامل الاستثناء كأنه قاعدة طبيعية.
خلف أصباغ المشهد
فككوا الصورة التي تحيط بكم. أزيلوا الأصباغ اللامعة عن الوجوه والأحداث التي تقدمها النوافذ الرقمية، وانظروا إلى ما وراءها.
ليس المقصود أن ننكر ما نراه ونسمعه، بل ألّا نكتفي بالسطح الظاهر. فما يصل إلينا ليس الواقع كاملًا، وإنما جزء منتقى منه؛ قد يكون صحيحًا، لكنه ناقص، وقد يكون مضللًا، أو موضوعًا في سياق يدفعنا إلى استنتاج محدد.
اسألوا عن الجزء الغائب من الصورة، وعن الصوت الذي لم يُمنح فرصةً للكلام، وعن القضية التي اختفت بالتزامن مع تصدر قضية أخرى للمشهد.
راقبوا اللغة المستخدمة: لماذا وُصف شخص بـ«الناشط» ووُصف آخر بـ«المحرّض»؟ لماذا تسمى بعض الخسائر «تضحيات»، فيما تسمى خسائر أخرى «أضرارًا جانبية»؟ ولماذا يطالبوننا بالغضب في قضية، ثم يدعوننا إلى الصمت والحكمة في قضية أخرى؟
اللغة ليست محايدة دائمًا؛ فقد تتحول الكلمة إلى إطار يرسم لنا حدود التفكير قبل أن نبدأ بالتفكير.
حرّك ركود عقلك
أيها القارئ العزيز، لن أمنحك جوابًا جاهزًا يريحك من عناء التفكير؛ فالأجوبة المعلبة والمعاد تصنيعها من أولى أدوات تزييف الوعي.
لكنني أتركك مع أسئلة قد تهز ركود يومك وتساعدك على استعادة عقلك من الضجيج المتراكم:
عندما تغلق عينيك الليلة في ظلام غرفتك، هل الأفكار التي تدور في رأسك هي أفكارك الحقيقية، النابعة من تجربتك وقيمك وقراءتك، أم أنها بقايا برنامج تلفزيوني أو «ترند» موجّه استهلك وعيك طوال النهار، وحدد لك ما تحبه وما تكرهه وإلى أين توجه غضبك؟
عندما تقرأ خبرًا أو تشاهد مقطعًا مصورًا يثير فيك رغبة عارمة في الصراخ أو اتخاذ موقف فوري، هل تتوقف لحظةً لتسأل: مَن نشره؟ وهل اكتمل سياقه؟ ومَن المستفيد الأول من انفعالي؟ ولماذا يريدني أن أنشغل بهذه المعركة تحديدًا وفي هذا التوقيت؟
وإذا كنت ترى الخيوط وتدرك المصالح التي تحرك بعض تفاصيل المشهد، فما الذي يمنعك من التحرر منها؟
لا يكون قطع الخيوط بالصراخ أو الانتقال من قطيع إلى آخر، بل بالقراءة والتحقق ومقارنة المصادر، وتأجيل الحكم حتى تتضح الصورة، ورفض السماح للخوارزمية بأن تختار لك أصدقاءك وأعداءك وقضاياك.
يقف السؤال الآن شاخصًا على عتبة عقلك، منتظرًا خطوة شجاعة: هل ستفتح له الباب وتبدأ رحلة تفكيك الوعي المصنوع، أم ستغلق المقال وتعود إلى سباتك الرقمي المريح؟
❖ كتابات في الميزان ❖
يضع المقال القارئ أمام مسؤوليته في حماية وعيه من الانتقاء الإعلامي والخوارزميات والمصالح التي تتنافس على توجيه انتباهه. ويتميز بأسلوبه الاستفهامي وصوره البلاغية المحفزة، لكنه يصبح أكثر إقناعًا حين يفسر صناعة الوعي بآليات معلومة بدل إحالتها إلى جهة خفية واحدة. ورسالة النص الأساسية أن التحرر الفكري لا يتحقق برفض الإعلام كله، بل بالتحقق وتعدد المصادر وتأجيل الانفعال حتى اكتمال الصورة.
