فوضى الفيديوهات المولدة بالذكاء الاصطناعي.. حين يصبح الضجيج هو المحتوى

لم يكن أحد يتصور، قبل سنوات قليلة، أن يأتي يوم يستطيع فيه الإنسان أن يجلس في غرفته، ويكتب بضعة أسطر على شاشة صغيرة، ثم يطلب من آلة أن تصنع له مشهدًا لم يحدث، وشخصًا لم يوجد، وحوارًا لم يُقَل، ومكانًا ربما لا وجود له إلا في الخيال.

وها هو ذلك اليوم قد جاء.

دخل الذكاء الاصطناعي حياتنا من أبواب واسعة، وفتح أمام الإنسان إمكانات لم تكن تخطر له على بال. فقد أصبح بالإمكان صناعة الصور في لحظات، وتحويل النص إلى صوت، والوصف إلى مشهد، وإنتاج مقاطع كاملة انطلاقًا من كلمات قليلة.

ولا شك في أن ذلك يمثل إنجازًا تقنيًا كبيرًا يمكن أن يخدم التعليم والإعلام والبحث العلمي والفنون ومختلف مجالات الحياة. غير أن لكل اختراع وجهًا آخر، يظهر عندما تُستخدم التقنية بلا هدف واضح أو مسؤولية أخلاقية.

وقد بدأ هذا الوجه يلفت الانتباه بوضوح في وسائل التواصل الاجتماعي.

طوفان من المشاهد المصطنعة

يدخل المستخدم إلى إحدى المنصات اليوم، فيجد أمامه سيلًا لا ينقطع من الفيديوهات المولّدة بالذكاء الاصطناعي: مشاهد غريبة، وحيوانات تتحدث، وأشخاص في أماكن لم يذهبوا إليها، وأحداث لم تقع، وقصص قصيرة لا بداية لها ولا نهاية.

فيديو يعقبه فيديو، ومشهد يطارد مشهدًا، حتى يشعر المتابع بأنه يقف أمام ماكينة لا تتوقف عن إنتاج الصور.

وليس الاعتراض هنا على الخيال؛ فالخيال جزء أصيل من الفن، كما أن الإنسان يحتاج إلى الترفيه مثلما يحتاج إلى المعرفة. إنما تبدأ المشكلة عندما تتحول سهولة إنتاج الفيديو إلى وسيلة لإغراق الناس بمحتوى لا يحمل فكرة، ولا يقدم معرفة، ولا يضيف قيمة، وإنما يهدف أساسًا إلى انتزاع لحظات من انتباه المشاهد.

وهنا تظهر مفارقة تستحق التأمل: كلما أصبحت صناعة الصورة أسهل، ازدادت الحاجة إلى الفكرة.

كيف نصنع الفيديو أم لماذا نصنعه؟

في زمن مضى، كانت صناعة فيلم أو برنامج تلفزيوني تحتاج إلى فريق من الكتّاب والمصورين والمخرجين والفنيين والممثلين، وكانت وراء الدقائق القليلة التي تظهر على الشاشة ساعات طويلة من العمل والتخطيط.

أما اليوم، فقد يستطيع شخص واحد صناعة مشهد كامل خلال دقائق. وهذه نعمة من الناحية التقنية، لكنها قد تتحول إلى مشكلة عندما يصبح السؤال: «كيف أصنع الفيديو؟» أهم من السؤال: «لماذا أصنعه؟».

لقد تغيّرت طبيعة المنافسة في وسائل التواصل الاجتماعي؛ فلم تعد دائمًا منافسةً بين الأفكار والقيم، وإنما أصبحت، في كثير من الأحيان، سباقًا للاستحواذ على الانتباه.

فالمشاهدة أصبحت رقمًا، والإعجاب أصبح رقمًا، والمشاركة أصبحت رقمًا، وحتى الثواني التي يقضيها الإنسان أمام الشاشة صارت ذات قيمة اقتصادية.

ومن هنا نشأ ما يمكن تسميته بـ«سوق الانتباه». كل منصة تريد أن يبقى المستخدم أمامها أطول مدة ممكنة، وكل صانع محتوى يسعى إلى الحصول على مزيد من المشاهدات. وفي هذا السوق، قد لا يكون المحتوى الأكثر فائدة هو الأكثر انتشارًا، بل الأسرع والأغرب والأشد قدرة على إيقاف إصبع المستخدم ومنعه من الانتقال إلى فيديو آخر.

الانتشار لا يعني الجودة

قد ينتشر مقطع لا يقول شيئًا، بينما يبقى مقال علمي رصين بعيدًا عن الأضواء. وقد يحصل مشهد مصطنع بلا معنى على ملايين المشاهدات، في حين يحتاج المحتوى الثقافي أو العلمي إلى جهد أكبر حتى يصل إلى جمهوره.

وليس السبب أن الأول أكثر قيمة، وإنما لأنه أكثر قدرة على جذب الانتباه.

وهذا فرق جوهري؛ فالانتشار ليس دليلًا على الجودة، وعدد المشاهدات ليس شهادةً على أهمية المحتوى.

لقد أصبحنا نعيش في زمن لا نعاني فيه من ندرة المعلومات، وإنما من كثرتها. فالمعلومات تحيط بنا من كل جانب، والصور تتدفق أمامنا بلا توقف، والأخبار تصل إلى هواتفنا قبل أن نعرف تفاصيلها، والفيديوهات تتكاثر بسرعة تفوق قدرة الإنسان على المتابعة والاستيعاب.

لكن كثرة المعلومات لا تعني كثرة المعرفة.

قد يشاهد الإنسان عشرات المقاطع خلال ساعة، ثم لا يستطيع تذكّر شيء منها بعد ساعات. وقد يقرأ عشرات العناوين من دون أن يقرأ مقالًا واحدًا كاملًا.

فالمعرفة تحتاج إلى وقت وتركيز وقراءة وسؤال ومقارنة، كما تحتاج إلى القدرة على الشك والتحقق. أما الاستهلاك السريع والمتواصل للمحتوى فلا ينتج بالضرورة معرفة، وقد يترك الإنسان في النهاية ممتلئًا بالصور وخاويًا من المعنى.

حين يصبح العقل أسير السرعة

لعل الأخطر من كثرة المحتوى أن الإنسان بدأ يعتاد السرعة نفسها: فيديو قصير، ثم آخر، ثم ثالث، وكل واحد منها يحاول أن يكون أسرع وأكثر إثارة من سابقه.

ومع مرور الوقت، يصبح المحتوى الهادئ الذي يحتاج إلى التأمل أقل قدرة على جذب الانتباه، وقد يجد الإنسان صعوبة في قراءة نص طويل أو متابعة حوار عميق أو التفكير في فكرة تحتاج إلى وقت.

ولا يعني ذلك أن كل فيديو قصير سيئ، أو أن كل محتوى طويل جيد؛ فالمعيار ليس الطول، وإنما القيمة. قد تكون دقيقة واحدة كافية لإيصال معلومة مهمة، وقد يكون فيلم كامل مجرد ساعتين من الفراغ.

المشكلة هي أن السرعة تحولت، أحيانًا، من وسيلة إلى غاية قائمة بذاتها.

الصورة لم تعد دليلًا كافيًا

هناك مسألة أخرى لا تقل خطورة، وهي أن الذكاء الاصطناعي جعل الصورة أقل أمانًا مما كانت عليه في الماضي.

كان الناس ينظرون إلى الفيديو بوصفه دليلًا قويًا على وقوع حدث ما، أما اليوم فقد أصبح بالإمكان إنتاج مشاهد تبدو واقعية ومقنعة، مع أنها لم تحدث أصلًا.

وهذا يعني أننا دخلنا مرحلة جديدة يصبح فيها التحقق من الصورة ضروريًا مثل التحقق من الخبر. فليس كل ما نراه حقيقة، وليس كل ما ينتشر صحيحًا، وليس كل فيديو يحمل في داخله دليل صدقه.

وتتضاعف الخطورة عندما يتعلق الأمر بالسياسة أو الحروب أو الأزمات الاجتماعية أو الشخصيات العامة؛ لأن الفيديو المصطنع قد يؤثر في الرأي العام ويثير الغضب أو الخوف قبل أن تتاح للمتلقي فرصة التحقق منه.

الثقافة الرقمية ضرورة

من هنا تصبح الثقافة الرقمية ضرورةً وليست ترفًا. وينبغي للإنسان، قبل تصديق أي مقطع مثير، أن يسأل:

من نشر هذا الفيديو؟ وما مصدره؟ ومتى صُوّر؟ وأين صُوّر؟ وهل توجد مصادر أخرى موثوقة تؤكد ما يعرضه؟ وهل يحمل علامات تشير إلى أنه مولّد أو معدّل بالذكاء الاصطناعي؟

إن من لا يمتلك هذه الأسئلة سيكون أكثر عرضة للخداع في عالم قد تصبح فيه الصورة المصطنعة أكثر إقناعًا من الحقيقة نفسها.

ومع ذلك، ليس من العدل وضع اللوم كله على الذكاء الاصطناعي؛ فالآلة لا تختار وحدها ما ننتجه، ولا تجلس أمام الشاشة بحثًا عن المشاهدات. الإنسان هو الذي يطلب ويختار وينشر.

لذلك، لا تكمن المشكلة في التكنولوجيا وحدها، وإنما في الثقافة والأهداف والقيم التي ترافق استخدامها.

الأداة واحدة والغاية مختلفة

يستطيع الذكاء الاصطناعي إنتاج فيديو تعليمي يشرح ظاهرة علمية، أو مادة صحية توعوية، أو محاكاة لعملية طبية، أو مشهد تاريخي يساعد الطلبة على فهم الماضي، أو عمل فني جميل، أو مادة إعلامية متقنة.

وفي الوقت نفسه، يستطيع إنتاج آلاف المقاطع التي لا تضيف شيئًا إلى الإنسان.

الأداة واحدة، لكن المستخدم هو الذي يحدد اتجاهها وغايتها.

ولذلك، نحن لا نحتاج إلى إعلان الحرب على الذكاء الاصطناعي، ولا إلى الخوف من كل ما تنتجه هذه التكنولوجيا، وإنما نحتاج إلى شيء يبدو بسيطًا، لكنه بالغ الصعوبة: أن نتعلم كيف نستخدمها بمسؤولية.

علينا أن ندرك أن سهولة صناعة الفيديو لا تعني أن كل فيديو يستحق أن يُصنع، وأن القدرة على صناعة مشهد خيالي لا تبرر تقديمه للناس على أنه حقيقة، وأن عدد المشاهدات لا يساوي قيمة العمل، وأن انتشار المحتوى لا يعني بالضرورة جودته.

من ندرة المعلومات إلى طوفانها

كان الإنسان في الماضي يشكو من صعوبة الوصول إلى المعلومات، أما اليوم فقد أصبح يشكو، من حيث لا يشعر، من صعوبة الهروب من سيلها.

وهذه إحدى أبرز مفارقات العصر.

لدينا أجهزة أكثر ذكاءً، وشبكات أسرع، وأدوات أقوى، وقدرة هائلة على إنتاج الصور والأصوات والفيديوهات، لكن السؤال يبقى: ماذا نفعل بكل هذه القدرة؟

ربما تصبح قيمة الإنسان في المستقبل أقل ارتباطًا بقدرته على الإنتاج، وأكثر ارتباطًا بقدرته على الاختيار.

فالآلة تستطيع إنتاج آلاف الصور، لكن الإنسان هو الذي ينبغي أن يعرف أي صورة تستحق أن تُرى. وتستطيع كتابة آلاف الكلمات، لكن الإنسان هو الذي ينبغي أن يعرف أي كلمة تستحق أن تُقال. كما تستطيع صناعة ملايين الفيديوهات، لكن الإنسان هو الذي ينبغي أن يسأل قبل نشرها: ماذا سيبقى في ذهن المشاهد بعد انتهائها؟

ماذا يستحق الإنسان أن يشاهد؟

نحن أمام مرحلة جديدة من تاريخ الصورة؛ ستصبح فيها الصورة أكثر حضورًا، والفيديو أكثر انتشارًا، والذكاء الاصطناعي أكثر قدرة على تقليد الواقع وصناعة الخيال. ولذلك، فإن حاجتنا إلى العقل النقدي ستصبح أكبر، لا أصغر.

فالمشكلة ليست أن الآلة أصبحت قادرة على صناعة المحتوى، وإنما أن الإنسان قد ينسى أن صناعة المحتوى ليست غاية في ذاتها.

نحن لا نحتاج إلى ملايين الفيديوهات الجديدة لمجرد أن إنتاجها أصبح سهلًا؛ بل نحتاج إلى فيديو يقول شيئًا، وصورة تحمل فكرة، وقصة تترك أثرًا، ومحتوى يحترم عقل الإنسان ووقته.

وفي عالم يستطيع فيه الذكاء الاصطناعي صناعة أي شيء تقريبًا، يصبح السؤال الأهم ليس: ماذا تستطيع الآلة أن تنتج؟

بل: ماذا يستحق الإنسان أن يشاهد؟

وربما يمكن اختصار الإجابة في جملة واحدة:

ليس كل ما يمكن صنعه يستحق أن يُصنع، وليس كل ما يمكن نشره يستحق أن يُنشر.

❖ كتابات في الميزان ❖ 

يناقش المقال تحوّل الذكاء الاصطناعي من أداة توسّع إمكانات الإبداع إلى ماكينة قد تُغرق المنصات بمحتوى سريع وفقير في المعنى. وتكمن فكرته المركزية في أن سهولة الإنتاج لا تعوّض غياب الغاية، وأن اقتصاد الانتباه جعل الانتشار متقدمًا على القيمة في كثير من الأحيان. كما ينبه إلى سقوط الفيديو من مرتبة «الدليل البصري» بعد انتشار التزييف العميق، داعيًا إلى ثقافة رقمية تجعل الإنسان أكثر وعيًا في الاختيار والتحقق.

الذكاء_العصرنة.jpg