رفوف (4) ..المثقف بين مسؤولية المعرفة وحدود الاختصاص

تكشف المواقف الصعبة، تاريخية كانت أم معاصرة، المعدن الحقيقي للإنسان المثقف، وتبيّن مدى انعكاس ثقافته على أفكاره وأفعاله، ولا سيما حين تتصل هذه الثقافة بقيم الصدق والإنسانية والبحث عن الحقيقة.

نشهد اليوم ارتباكًا كبيرًا في مواقع التواصل الاجتماعي، ولا سيما في كتابات بعض كتّاب الإنترنت؛ إذ يظهر الفارق واضحًا بين المثقف الذي يمتلك الوعي والبصيرة، والمثقف التقليدي الذي تصدّر الواجهة، مع الأسف، مستفيدًا من ضعف الوعي العام وتأثير تيارات فكرية زائفة خلّفها إرث سياسي مشوّه.

الكتابة شاهدٌ ضميري حيّ، ولذلك تحتاج إلى صفاء الذمة ونزاهة الضمير، خاصةً عندما تتناول أحداثًا تمسّ الدين والعقيدة، ولا تحتمل التحريف أو المواربة. وهنا يكون المثقف أمام اختبار حقيقي: فإما أن يكون مثقفًا صادقًا، وإما أن يتحول إلى مثقف زائف يوظف معرفته لخدمة مواقفه ومصالحه.

المثقف الحقيقي هو الإنسان الذي يقف مع الحق ويناصر الحقيقة، من دون أن ينظر إلى الأسماء والهويات والميول والأمزجة، ومن دون أن يخضع لإسقاطات السياسة. وهو يدرك أنه مهما امتلك من شهادات أكاديمية، فلن يعرف كل شيء، ولن يحيط بالحقيقة من جميع جوانبها.

كما أن المثقف الحقيقي لا يمنح نفسه مكانةً علمية لا يمتلك مقوماتها، ولا يخوض في اختصاصات يجهل أصولها وتفاصيلها. وهذا هو النموذج الأخلاقي الذي ينبغي أن يتحلى به الكاتب المثقف؛ أما المتسلقون على أكتاف الحقيقة لتحقيق مآرب شخصية ونفعية، فذلك شأن آخر.

جاءت هذه المقدمة نتيجة تأثري الواضح بمقال نشره موقع «كتابات في الميزان» تحت عنوان: «ما حدود المثقف؟»، للكاتب باقر جميل، بتاريخ 28/12/2015. ويرى الكاتب أن كثيرًا من الناس يتشدقون بأي كلمة يتعلمونها، فيتبنونها ويتباهون بها أمام أقرانهم، ويلوحون بها وكأنها المعيار الذي تتهاوى أمامه بقية المفاهيم. ومن أكثر الكلمات تداولًا في هذا السياق كلمتا «المثقف» و«الثقافة».

لقد اتجهت الثقافة، والمثقف معها، في عراق ما بعد سقوط الصنم، إلى مسارات كان يمكن الاستغناء عنها، وابتعد بعض المثقفين عن وظيفتهم الأساسية وعن الخط العام الذي يحفظ لهم مكانتهم. فالثقافة، في جوهرها، فطنة وتفكّر وتدبّر، وهي أدوات ترتقي بالإنسان إلى مستوى يمكنه من تقليل الأخطاء التي تواجهه، والتمييز بين الخطأ والصواب، بما ينسجم مع العقل البشري قدر الإمكان.

وإذا سألنا عن أنواع الثقافة، فسيكون الجواب أنها تنقسم، بصورة عامة، إلى قسمين أساسيين: الثقافة العامة والثقافة الخاصة.

الثقافة العامة تتحقق من خلال الاطلاع على المعارف والمعلومات المتنوعة التي تصادف الإنسان، ومحاولة الاستفادة منها في شؤون حياته بقدر الإمكان. أما الثقافة الخاصة فتقوم على توجه الإنسان إلى اختصاص محدد؛ اجتماعيًا كان أم سياسيًا أم قانونيًا أم علميًا أو غير ذلك.

وعند السؤال عن الأفضل للإنسان: الثقافة العامة أم الثقافة الخاصة؟ يكون الجواب أن الثقافة التخصصية أكثر أهمية، ولا سيما عندما تكون الاستشارة متعلقةً بقضية مصيرية أو شديدة الحساسية؛ لأن المتخصص يكون أعمق معرفةً بقضيته، وأكثر اطلاعًا على تفاصيلها وزواياها واختلافاتها، كما يمتلك خبرةً تمكّنه من التمييز بين المتشابهات، وفهم الأمور المبهمة، ومعالجة المسائل الصعبة.

وإذا طُرح سؤال آخر: هل يحق لغير المتخصص أن يتدخل في مسائل لا يهتم بها ولم يطّلع عليها؟ كأن يتدخل النجار في شؤون الطب، أو يمارس الصيدلي عمل المحامي، أو يناقش السياسي المهندس في التفاصيل الفنية لبناء الجسور؛ فهل يصحّ مثل هذا التدخل؟

سيأتي الجواب سريعًا بأن العقل البشري لا يقبل بهذه العشوائية؛ لأنها تؤدي إلى اضطراب منظومة الحياة، وتهدم قيمة الاختصاص، ولا تحترم السنوات التي أمضاها الطبيب أو المهندس أو غيرهما في دراسة مجال عمله واكتساب الخبرة فيه. وبكل تأكيد، فإن التدخل غير المبني على معرفة وتخصص أمر غير صحيح ولا مقبول.

وهنا لا بد أن نعترف بوجود مجال معرفي واختصاص يُسمّى «الثقافة الإسلامية»، وهو مجال واسع يشتمل على علوم متعددة، منها المنطق والبلاغة واللغة والنحو والصرف وعلم الرجال والفقه وأصوله وفنون التلاوة، فضلًا عن علوم أخرى، يُعدّ كل واحد منها اختصاصًا قائمًا بذاته.

ومن حيث تعدد المعارف التي تتناولها الثقافة الإسلامية، فإنها تتميز بسعتها وتنوعها. أما من حيث مكانتها، فإن المسلم ينظر إليها بوصفها من أشرف مجالات المعرفة؛ لأنها تتصل بالدين والعقيدة وفهم النصوص والأحكام. وللثقافة الإسلامية دروسها وقوانينها وأهدافها ومناهجها، ولذلك ينبغي التعامل معها بوصفها اختصاصًا له أصوله وأهله.

فلماذا نرى هجومًا على الثقافة الإسلامية، وتصويرًا لها على أنها غير نافعة أو غير ملائمة للعصر؟ ولماذا يحاول بعض المثقفين التقليل من مكانتها وطاقاتها، وإقناع الناس بأنها بالية ولا فائدة منها في ظل التقدم العلمي وتطور العقل الإنساني؟ ولماذا يتدخل غير المتخصصين في شؤون أهل الاختصاص، مع أنهم يرفضون التدخل في مجالاتهم الأكاديمية والمهنية؟

لقد أصبح بعض المثقفين في العراق يتعاملون مع أنفسهم وكأنهم يمتلكون حق الحديث في كل شيء والتدخل في مختلف الاختصاصات. وكأن الثقافة لا تكون ثقافةً إلا إذا حملت عنوانًا أكاديميًا، وما عداها أدنى منزلةً وأقل قيمة. ومن هنا تظهر بعض الأصوات التي تحاول التقليل من شأن المثقف الديني والإسلامي، وتنصّب نفسها قيّمةً عليه وعلى مجال معرفته.

على المثقف أن يحترم القواعد التي يؤمن بها، وأن يدرك حدود معرفته، وألا يتدخل في مسائل لا يمتلك أدوات فهمها؛ لأن ما يبدو له واضحًا من الخارج قد يكون أكثر تعقيدًا عند المتخصصين. ومن دون معرفة علمية رصينة، قد لا يستطيع الوصول إلى النتيجة الصحيحة، بل ربما يبتعد حتى عن أقرب الاحتمالات إليها.

ولا تعني الدعوة إلى احترام الاختصاص إقامة حواجز بين الثقافة الإسلامية والثقافة الأكاديمية؛ فالثقافة الإسلامية ترحب باجتماع المجالين لدى الإنسان. ويمكن للثقافة الأكاديمية أن توسع أدوات الباحث الإسلامي وتزيد قدرته على التحليل والتواصل مع المتلقي، مثلما تستطيع المعرفة الدينية أن تمنح التجربة الأكاديمية بُعدًا قيميًا وأخلاقيًا.

أما حصر مفهوم الثقافة في المجال الأكاديمي، ومنح المثقف العام حق نفي قضايا دينية أو إثباتها وانتقادها من دون امتلاك أدواتها العلمية، فهو أمر يحتاج إلى مراجعة. فحرية الرأي لا تلغي مسؤولية المعرفة، واحترام العقل يبدأ من الاعتراف بحدود الاختصاص وعدم تحويل الثقافة إلى سلطة تُصدر الأحكام في كل شأن.

❖ كتابات في الميزان ❖  

يناقش المقال مفهوم المثقف الحقيقي وحدود تدخله في الاختصاصات، مؤكدًا أن الشهادة الأكاديمية وحدها لا تصنع وعيًا ولا تمنح صاحبها حق إصدار الأحكام في كل مجال. كما يدافع عن الثقافة الإسلامية بوصفها حقلًا معرفيًا قائمًا على علوم ومناهج متعددة، ويدعو إلى احترام المتخصصين فيها أسوةً بسائر الاختصاصات. وتكمن أهمية الطرح في ربط الثقافة بالأخلاق ونزاهة الضمير، مع ضرورة ألا يتحول احترام الاختصاص إلى منعٍ للحوار النقدي المسؤول بين المعارف الدينية والأكاديمية.

المثقف.jpg