تقديس الكل وتبرير الانحرافات (الانغلاق الدفاعي)

من الأمور التي تثير الاستغراب هو الوهم العكسي في الحكم والتقييم، الناتج من الإفراط بالشعور والميل تجاه نوع من المجتمع أو فئة معينة، وهذا النوع من الوهم يسيطر على فكر الإنسان، حتى من شدته يظن أنه على صواب مطلق، فتغشى بصيرته الحقيقة، فيرى ما هو شر خيرًا، وما هو فاسد صالحًا، بل يحاول جادًّا تبرير كل ما يصدر ممن ناصرهم ومال إليهم، فتتولد قناعة بصلاح كل ما يصدر، سواء كان فكرًا أو عملًا، ولذا تراه يستميت في تسويغ كل ما يقع تحت مظلتهم من انحرافات وتجاوزات تخالف فطرة الإنسان القويم ومنهج الخالق العظيم، معتبرًا أن الإقرار بوجود فساد في الأجزاء يمسّ بقداسة الكل! وهو لا يريد ضياع الهدف الكل، مما يؤدي بهذا النهج إلى تعطيل آليات النقد الذاتي وتكريس الاستبداد الفكري.

ويترتب على هذا الاندفاع الموهوم آثار، منها:

أولها: خسارة المطلب: فإن تشخيص الداء بشكل خاطئ ينتج حلولًا عاجزة عن معالجة الواقع، فالمعالجة لا بد أن تكون بعقاقير طاهرة، كما هو منهج الخالق، وما ورد في القرآن الكريم: (إن أريدُ إلا الإصلاحَ ما استطعتُ وما توفيقي إلا باللهِ عليه توكلتُ وإليه أُنيبُ)، وفي تفسيرها عن الصادق ع في حديث طويل عن ارتكاب المعصية: (... حتى يرتكبها فقد خذله ولم ينصره ولم يوفقه)، ولذا فالنفوس الثائرة تحكمها النتائج التابعة لمقدمات، ووفقًا لها يكون التمييز وحكم اللبيب.

وثانيهما: إقصاء روح الإنصاف: بسبب غياب المعايير الدقيقة لصالح العصبية الفكرية أو الشخصية، مما ينزع عن البصيرة قوة حدسها في كشف الطيب من الخبيث، وعلاجه يتطلب تجاوز هذا الوهم واعتماد معايير دقيقة تقوم على التفريق بين ما هو حسن وما هو قبيح، وهو منهج قرآني رصين ظاهر في قوله تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّـهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ)، والشنآن هو البغض، والآية تحذر من البغض الذي يدفع الإنسان إلى إقصاء الإنصاف والعدل معهم، فيحكم على ما هو فعل من الفساد بأنه صالح لا لحقيقته، بل لبغضه الطرف المقابل.

الثالث: أزمة في أدوات الاستقراء والتحليل المنطقي: ويبرز أحد أكثر الانحرافات تكرارًا في الخطاب النقدي، ويتمثل في (اختزال الكل إلى أجزائه الفاسدة) أو (إسقاط صلاح الكل على تبرير كل أجزائه)، إن الحكم على الشيء جملة دون تفكيك عناصره يوقع الفرد في مطبّ الأحكام العشوائية التي تفقد الخطاب قيمته وتجعله حبيس الأدلجة أو الانفعال اللحظي.

من هنا تتضح ظاهرة (تقديس الكل وتبرير الانحرافات) في مواضع مفصلية متعددة عند الناس، حيث يتم إضفاء هالة من التصويب على البعض ممن يحاولون تحقيق أهداف جماعية بوسائل لا أخلاقية يقنعون بها أنفسهم، مما يفرض على أتباعها ضرورة الدفاع المستميت عن كل ما يقع تحت مظلتها من خلل أو فساد.

ويعود الوقوع في فخ التعميم هذا لدى البعض إلى عدة عوامل نفسية تتداخل لتنتج رؤية مشوهة للواقع المدروس، ومن أبرزها:

الاكتفاء بمشاهدة عينات جزئية محدودة: إما إيجابًا أو سلبًا، وتعميم حكمها على المجموع الكلي دون استقصاء شامل يحيط بمتغيرات الظاهرة.

الأدلجة المسبقة والتوجيه العاطفي: وهو ما يحصل لدى الكثير من الشعوب، حيث يكون انطلاقهم تبعًا لفرضيات جاهزة تصنع بطرق ووسائل إقناع عالية الدقة، مما يدفعهم لفعل أي شيء يخدم النتيجة المبتغاة لدى المتحكمين بهم (عندهم الغاية تبرر الوسيلة!).

إبطال الكل بفساد الجزء: ومثال ذلك أن يُرى خطأ لفئة أو شخص في مرحلة ما، فيُتخذ ذريعة للطعن في كل من ينتمون إلى هذا التحرك، هذا النمط يتجاهل القاعدة المنطقية القائلة: (أن وجود العلة في جزء لا يلزم بالضرورة فساد الكل).

تتجسد هذه الأمور بوضوح في التعاطي مع الاحتجاجات الشعبية في عصرنا الحالي، حيث يبرز صراع بين من يكتب في مواقع التواصل، ومن يتكلم في الإعلام، ومن ينشر بين الناس.

ومن جهة أخرى، عندما تنهض جماعة للمطالبة بأهداف معينة، تعمد القوى المهيمنة ووسائل إعلامها إلى اعتماد استراتيجية (الإبطال الكلي بفساد الجزئي)، فعند رصد أي تجاوز ميداني محدود، أو احتكاك أمني، أو ممارسات سلبية فردية تصدر عن البعض، يتم سحب ذلك وتعميمه على الجميع لتصويره على أنه (فوضى)، أو (مشاريع تخريبية لا تريد البناء)، هذا الاختزال يتسبب برفض أي تحرك بحجة وجود شوائب وعناصر منحرفة في أطرافها (الجزء)، متجاهلة الجوهر الحقوقي الذي ينبثق منه الناس.

وفي المقابل، أفرزت بعض مفاصل البيئة المطالبة والأطراف الداعمة لها نزعة مقابلة نحو التقديس المطلق للحراك ورفض أي مقاربة نقدية لمساره، هذا الانغلاق الدفاعي الذي يرفض الاعتراف بوجود أجزاء معتلة أو أخطاء تنظيمية داخل الكيان، يحرم الحركة من إمكانية التقييم الموضوعي، ويضعف قدرتها على الفرز الذاتي وتصحيح المسار بحرية وشجاعة.

وفي النهاية: هذه التجارب العصرية تكشف كيف أن غياب النظرة التفكيكية المنصفة في التعامل مع المنعطفات والحراك يؤدي إلى نتيجتين كارثيتين: (إما شيطنة المطالب العادلة لتبرير استمرار الخلل القائم، أو تقديس الحركة بشكل يعطل أدوات المراجعة ويمنع تحول الغضب العفوي إلى مشروع مؤسسي مستدام).

✦ كتابات في الميزان ✦ 

يضع المقال الانحياز العاطفي والفكري تحت مجهر النقد، محذرًا من تحويل صلاح الهدف إلى مبرر لكل وسيلة، أو اتخاذ خطأ جزئي ذريعة لإسقاط حركة بأكملها. ويؤكد أن الإنصاف لا يتحقق بالتقديس ولا بالشيطنة، وإنما بتفكيك الظاهرة والحكم على كل جزء بمعياره. وتبرز أهمية الطرح حين ينتقل من الجانب النظري إلى واقع الاحتجاجات الشعبية، حيث يصبح النقد الذاتي والعدل شرطين لصيانة المطالب وتصحيح المسار.

تقديس.jpg