وقفتْ وسط الصالة المزدحمة، تحيط بها الوجوه المألوفة التي غشيها الذهول...
كان الجميع يتحركون كأنهم في مشهد سينمائي بطيء، بينما كانت هي تنتقل بينهم بخفة، ترتدي ابتسامتها العذبة، وتلوّح بيديها محاولة لفت انتباههم.
– "أنا هنا معكم! ما بكم؟ ألا ترونني؟"
لم يجبها أحد غيري.
نعم، أنا أراك.
مرت بجانبي، مدت يدها لتمس بين صدري وعنقي.
قالت بنبرة متعجبة: ما هذا الأثر؟ أن تتخلصي منه أفضل...
نظرت، فلم أَرَ شيئاً في ذلك الموضع.
وبينما أنا غارقة في صمت الذهول، يحف بي الحزن والرعب من كل جانب، فجأة شق الوجوم صوت إحدى الأقارب وهي تهمس بأسى:
"رحلت..."
اتسعت عيناي بذهول، وتراجعت خطوة للوراء:
"ماذا تقولين؟ رحلت؟ كيف؟ ومتى؟"
أجابتني:
منزلها الجديد جاهز، لم تتبقَّ سوى اللمسات الأخيرة!
تطلعت حولي بقلب يخفق بسرعة، والدهشة تسيطر على كل شيء، كأنني صحوت من غفلة...
الحزن عميق، والذهول بلا حدود، وكأنها أول من يرحل عن هذا الوجود...
لاحظت زاوية من المكان صُبغت بلون أحمر، بها طاولة كبيرة ومقاعد، وهي جالسة هناك بملامح أكثر حسناً وبهاءً مما كانت عليه في حياتها، ترتدي فستاناً أحمر أيضاً، وإلى جوارها سيدة معروفة.
في الجانب الآخر من المجلس تجلس والدتها المتوفاة، مستغربة دون أن تدرك سبب هذا الجمع الغفير، بينما انزوى والدها المتوفى أيضاً في ركن بعيد، يتأمل المشهد بحزن، صامتاً، منكساً رأسه، وواضعه على كفيه.
والتحضير للجنازة على قدم وساق...
وهي تتجول بين هذا وذاك، طليقة، مبتسمة، تحاول أن تلفت انتباههم، ولا أحد يراها...
تعالى صوت الأقارب يتهامسون حول الترتيبات:
أين سيكون العزاء؟
في ساحة الحسين... بعيداً عن الضجيج...
اقتربتُ من أبيها، أشاوره:
كم يوماً نجعل التعازي؟
أربعة أيام... هي تستحق.
نعم، رحمها الله، كانت نجمة...
ولأنها كانت نجمة فهي تستحق.
ولكن لا أحد يضع مجلس عزاء لأربعة أيام! إما ثلاثة أو خمسة.
لتكن خمسة إذاً.
قادني الحرص، فذهبت لمشورة أختها وأمها الراحلة التي كانت تصغي دون أن تدري لمن يقام هذا العزاء، اقتربت منهما وسألتهما:
كم يوماً نجعل التعازي؟
اقترحت الأخت أن تكون الفاتحة يومين أو ثلاثة، ووافقت الأم بهزة رأس صامتة، بينما كانت صاحبة الشأن تقف بينهن، تحاول أن تصرخ بأنها لا تزال هنا.
أخبرتهن أن أباها أوصى بخمسة أيام، وقال إنها تستحق...
خارج البيت، كانت جذوع النخل تُشذب بعناية وتُعد لبطن القبر.
وبينما كنت أتلفت في أرجاء المنزل، استوقفني باب غرفة جانبية موارب، نظرت منه لأجد رجلاً غريباً لا أعرفه، محبوساً في الداخل، كان سميناً للغاية، يرتدي ثياباً بيضاء متسخة بالتراب، يتمرغ على الأرض، ويتحرك باضطراب كأنه فقد عقله.
تأملته بذهول، ولم أعرف سر هذا الرجل...
أيعقل أن يكون جسدها الدنيوي الذي خلفته؟
عدت إلى وسط الصالة، بين زحام العابرين ونحيب المكتئبين. وهناك، في جانب من المكان، وقع بصري على مسطح كبير، بارد وصقيل، لم أستطع تحديد لونه، كأنه ينتظر شيئاً.
اقتربت منه بفضول، تأملت حوافه المصقولة وبرودته الشديدة التي تخترق أثير الغرفة، قبل أن أسمع صوتاً يقول:
"هنا... على هذا المسطح ستغسل، وهنا سيبدأ طهرها الأخير."
جمدت في مكاني...
تطلعت...
فإذا هي شاخصة تنظر إلى السطح الصقيل بذهول يمتزج باحتقار للدنيا، ثم التفتت إلى الأيدي التي تحضر الماء والسدر والكافور، وتساءلتْ بنبرة مخنوقة:
كيف تغسلون جسدي، بينما أنا أقف بكامل حواسي وأشاهد كل شيء؟!
وفجأة... حانت اللحظة الحازمة.
حُمل النعش، نُقلت إلى حفرتها وسط تشييع مهيب، زلزل الروح بهوله الذي لا يوصف...
ومع اندفاع المودعين، ارتفع صوتها الأخير، يخترق البرزخ بذعر ودهشة عارمة:
ما بكم؟!
أنا هنا معكم... ما بكم؟ أنا لم أمت!
✦ كتابات في الميزان ✦
قصة وجدانية تتناول لحظة الرحيل من زاوية غير مألوفة، حيث تبقى الشخصية حاضرة في المشهد بينما يعجز الآخرون عن رؤيتها. وبين إعداد الجنازة ودهشة الراحلة، تتحول التفاصيل اليومية إلى تأمل في الموت والبرزخ وانفصال الجسد عن الوعي. وتبلغ القصة ذروتها في الصرخة الأخيرة: «أنا هنا معكم»
