محافظة كربلاء المقدسة خلال عشر سنوات.. الموازنات والمشاريع بين الطموح والإنجاز

قراءة رقابية في كفاءة الإنفاق العام خلال الفترة 2016–2025

تُعد محافظة كربلاء المقدسة من المحافظات العراقية ذات الخصوصية الكبيرة، فهي مدينة دينية وسياحية تستقبل ملايين الزائرين، وفي الوقت نفسه تشهد نمواً سكانياً وعمرانياً متواصلاً. وتشير وزارة التخطيط إلى أن معدل النمو السكاني في المحافظة يبلغ نحو 3.7%، مقابل 2.5% على مستوى العراق، وهو ما يفرض احتياجات متزايدة في الماء والمجاري والطرق والصحة والتعليم والخدمات البلدية.

ومن هنا تأتي أهمية طرح سؤال رقابي مشروع:

هل كانت الأموال التي خُصصت لمحافظة كربلاء خلال السنوات العشر الماضية متناسبة مع حجم احتياجاتها؟ وهل انعكس الإنفاق العام فعلياً على مستوى الخدمات والمشاريع؟

هذا السؤال لا يمثل اتهاماً لأي جهة، وإنما هو جزء من الرقابة المجتمعية الطبيعية على المال العام، ووسيلة لمعرفة مدى نجاح التخطيط والتنفيذ وتحويل التخصيصات المالية إلى مشاريع وخدمات ملموسة.

أولاً: لماذا يصعب الحكم من خلال رقم الموازنة وحده؟

عند الحديث عن «موازنة كربلاء»، يجب الانتباه إلى أن الأموال التي تنفق داخل المحافظة لا تأتي كلها من باب مالي واحد.

فهناك مشاريع تنمية الأقاليم، ومشاريع تنفذها الوزارات الاتحادية داخل المحافظة، ومشاريع مرتبطة ببرامج التنمية أو الأمن الغذائي، ومشاريع مستمرة من سنوات سابقة، إضافة إلى مشاريع استراتيجية وقطاعات أخرى.

لذلك فإن أي دراسة علمية يجب أن تميز بين:

التخصيص → التمويل الفعلي → الصرف → الإنجاز المادي → الاستلام → الأثر الخدمي.

وتوفر وزارة المالية قوانين الموازنات الاتحادية للأعوام المختلفة ضمن أرشيفها الرسمي، بينما تعتمد وزارة التخطيط في متابعة المشاريع على بيانات الكلفة والتخصيص والصرف ونسب الإنجاز والمعوقات.

ثانياً: التلكؤ في المشاريع.. قضية تستحق الدراسة

من أبرز الملفات التي ينبغي أن تحظى باهتمام رقابي هو ملف المشاريع المتلكئة.

وقد شهدت محافظة كربلاء في سنوات سابقة عدداً كبيراً من المشاريع التي تعرضت للتوقف أو التأخير، وهو أمر يستحق التحليل لمعرفة الأسباب: هل كانت مالية؟ فنية؟ قانونية؟ تعاقدية؟ أم مرتبطة بتغيير التصاميم أو نقص التخصيصات؟

وهنا يجب التأكيد على نقطة مهمة جداً:

المشروع المتلكئ لا يعني بالضرورة وجود فساد أو هدر مالي.

فالتلكؤ بحد ذاته مؤشر على مشكلة في دورة المشروع، لكنه لا يثبت المسؤولية الجزائية أو وجود هدر إلا بعد التدقيق والتحقيق من الجهات المختصة.

ولهذا فإن الهدف من الدراسة ليس إطلاق الأحكام، وإنما معرفة:

لماذا تأخر المشروع؟ وكم كلف التأخير؟ وهل أمكن معالجة المشكلة؟

ثالثاً: هل كل الأموال المصروفة تحولت إلى خدمات؟

هذه هي النقطة الأهم في أي تقييم للموازنة.

فالمواطن لا يستفيد من الرقم المسجل في قانون الموازنة، وإنما من المشروع الذي يتحول إلى خدمة.

فمثلاً:

إذا خصصت أموال لمشروع ماء، فالنتيجة المطلوبة هي زيادة إنتاج الماء وتحسين التجهيز.

وإذا خصصت أموال للمجاري، فالنتيجة هي شبكة تعمل بصورة صحيحة ومعالجة مياه الصرف.

وإذا خصصت أموال للطرق والجسور، فالنتيجة هي تحسين حركة المرور وتقليل الاختناقات.

وإذا خصصت أموال للمدارس، فالنتيجة هي توفير بيئة تعليمية أفضل وتقليل الاكتظاظ والدوام المزدوج والثلاثي.

المال العام
↓
المشروع
↓
نسبة الإنجاز
↓
جودة التنفيذ
↓
الخدمة
↓
رضا المواطن والأثر التنموي

وهذا هو المقياس الحقيقي لكفاءة الإنفاق.

رابعاً: هناك إنجازات لا يمكن تجاهلها

من الإنصاف أيضاً ألا تكون الدراسة سلبية بالكامل.

فالمصادر الرسمية لمحافظة كربلاء تشير إلى تنفيذ مشاريع عديدة في السنوات الأخيرة، خصوصاً في قطاعات الطرق والمجاري والتعليم والبنى التحتية.

ومن الأمثلة على ذلك إعلان المحافظة إنجاز 53 مبنى مدرسياً خلال عام 2024 ضمن تخصيصات تنمية الأقاليم، بهدف دعم القطاع التعليمي وتقليل الاكتظاظ والدوام المزدوج والثلاثي.

كما أعلنت المحافظة تنفيذ مشاريع لتطوير الأحياء وشبكات الماء والمجاري والكهرباء والطرق، ومنها مشروع تطوير حي السلام الذي شمل 160 شارعاً فرعياً وشارعين رئيسيين مع أعمال البنى التحتية، وكانت نسبة الإنجاز المعلنة في حينها 52%.

وفي قطاع المجاري، أعلنت المحافظة أن أعمال أحد مشاريع تطوير حي المعملجي تجاوزت 80% في جزء المجاري خلال عام 2024.

وهذه أمثلة تؤكد أن هناك إنفاقاً تحول بالفعل إلى مشاريع على أرض الواقع.

خامساً: ولكن ما زالت هناك مشاريع تحتاج إلى متابعة

في المقابل، لا تزال مشكلة المشاريع المتأخرة قائمة.

ففي كانون الثاني 2026، أعلنت وزارة التخطيط بعد زيارة ميدانية لمشروع إنشاء ست مدارس في قضائي الهندية والجدول الغربي أن مدرستين كانتا قيد الإنجاز، بينما توقفت الأعمال في أربع مدارس، وأشارت الوزارة إلى أنها شخصت المعوقات ووضعت معالجات لاستئناف العمل.

كما أظهرت متابعة وزارة التخطيط في آذار 2025 أن مشروع مركز البحوث البيئية في جامعة كربلاء كان عند نسبة إنجاز 30%، ومشروع مركز الإبداع والابتكار عند 15%، مع متابعة المعوقات التي تعرقل الإنجاز.

هذه الحالات لا تعني بالضرورة وجود خلل مالي؛ لكنها تؤكد أن المتابعة المستمرة للمشاريع ضرورة حتى لا تتحول التخصيصات إلى التزامات مالية طويلة الأمد دون تحقيق الخدمة في الوقت المطلوب.

سادساً: المشاريع الكبيرة تحتاج إلى رقابة أكبر

توجد في محافظة كربلاء مشاريع استراتيجية كبيرة تتجاوز طبيعتها المشاريع الخدمية الصغيرة.

وقد أعلنت المحافظة خلال 2025 عن مشاريع استراتيجية في الماء والطرق وتطوير البنية التحتية، كما أشارت إلى وجود أكثر من 54 مشروعاً ضمن مشاريع تنمية الأقاليم خلال عامي 2023 و2024 وبنسب إنجاز مرتفعة وفق بيانات المحافظة.

وهنا كلما زادت قيمة المشروع، يجب أن تكون الرقابة أكثر تفصيلاً.

فمن حق المواطن معرفة:

الكلفة التخمينية.
الكلفة التعاقدية.
المدة التعاقدية.
المبلغ المصروف.
نسبة الإنجاز.
أسباب التأخير.
أي أوامر تغيير.
الزيادات في الكلفة.
الجهة المنفذة.
تاريخ الاستلام.
نتائج الفحص والاستلام.

سابعاً: هل يوجد هدر مالي في محافظة كربلاء؟

هنا يجب أن تكون الإجابة مهنية ودقيقة.

لا يمكن القول إن هناك هدراً مالياً محدداً لمجرد وجود مشاريع متلكئة أو مشاريع ذات كلف كبيرة.

إثبات الهدر يحتاج إلى تدقيق في العقود والكشوفات والمواصفات والأسعار والكميات، ومقارنة الكلفة التعاقدية بالكلفة الفعلية، ومعرفة أسباب أي فروقات.

كما أن مقارنة مشروعين ببعضهما من حيث الكلفة فقط قد تكون مضللة، لأن المواصفات والمساحات والموقع ونوعية الأعمال تختلف.

لذلك فإن السؤال الصحيح ليس:

«هل المشروع غالي؟»

وإنما:

«هل الكلفة التعاقدية تتناسب مع المواصفات والكميات والأسعار السائدة، وهل تم تنفيذ ما تم دفعه؟»

وهذا فرق جوهري بين النقد الموضوعي والاتهام.

ثامناً: هل تتناسب حصة محافظة كربلاء مع خصوصيتها؟

من وجهة نظر تنموية، هذه النقطة تستحق إعادة النظر.

كربلاء لا تقدم خدماتها لسكانها فقط، وإنما تتحمل ضغطاً استثنائياً خلال الزيارات المليونية.

وهذا يعني أن التخطيط المالي ينبغي أن يأخذ في الاعتبار:

عدد السكان + معدل النمو + مساحة المحافظة + مستوى العجز الخدمي + أعداد الزائرين + حجم البنية التحتية المطلوبة.

وقد أكدت وزارة التخطيط في دراستها التخطيطية المتكاملة لكربلاء ضرورة التعامل مع التوسع السكاني والعمراني والبنى التحتية الكبرى، بما فيها الطرق والمطار والاستثمارات الزراعية والصناعية.

ومن هنا فإن كربلاء تحتاج إلى نموذج تمويل يأخذ الضغط الخدمي للزيارات المليونية بنظر الاعتبار، وليس السكان فقط.

تاسعاً: الحل.. قاعدة بيانات مفتوحة للمشاريع

أقترح إنشاء منصة إلكترونية موحدة لمشاريع محافظة كربلاء تكون متاحة للمواطن والإعلام والباحثين.

ويكون لكل مشروع ملف إلكتروني يتضمن:

البيان    المطلوب
اسم المشروع    واضح ومحدد
الموقع    القضاء والناحية
الجهة    المحافظة أو الوزارة
الكلفة التخمينية    بالدينار
الكلفة التعاقدية    بالدينار
المبلغ المصروف    فعلياً
تاريخ الإحالة    يوم/شهر/سنة
مدة التنفيذ    بالأيام أو الأشهر
الإنجاز المخطط    %
الإنجاز الفعلي    %
التأخير    إن وجد
سبب التأخير    موثق
أوامر التغيير    إن وجدت
تاريخ الاستلام    موثق
الملاحظات    رقابية وفنية

وهذه الخطوة ستكون أفضل وسيلة للحد من الشائعات؛ لأن المعلومة الرسمية المنشورة أفضل من أي حديث غير موثق.

عاشراً: المطلوب دراسة مالية شاملة للفترة 2016–2025

إن الوصول إلى حكم نهائي على أداء عشر سنوات يتطلب تجميع قاعدة بيانات موحدة، لأن البيانات المنشورة حالياً موزعة بين وزارة المالية ووزارة التخطيط ومحافظة كربلاء والجهات الرقابية.

والدراسة المطلوبة يجب أن تتضمن لكل سنة:

التخصيصات
التمويل الفعلي
الصرف
عدد المشاريع
المشاريع الجديدة
المشاريع المستمرة
المشاريع المنجزة
المشاريع المتلكئة
الكلفة الإجمالية
نسب الإنجاز.

وبعدها يتم حساب مؤشرات مثل:

نسبة الصرف = المصروف ÷ التخصيص × 100

و:

كفاءة التنفيذ = الإنجاز المادي ÷ الإنفاق المالي

مع مراعاة أن المؤشر الثاني يحتاج إلى بيانات متجانسة حتى يكون صالحاً للمقارنة.

الحادي عشر: الرقابة ليست اتهاماً

من المهم ترسيخ ثقافة جديدة في التعامل مع المال العام.

فالرقابة لا تعني أن كل مسؤول متهم.

والسؤال عن كلفة مشروع لا يعني التشكيك بالشركة المنفذة.

والكشف عن مشروع متلكئ لا يعني بالضرورة وجود فساد.

والاختلاف مع سياسة الإنفاق لا يعني إدانة من اتخذ القرار.

إنما الهدف هو:

منع الخطأ قبل حدوثه، واكتشاف الخلل مبكراً، وتسريع المشاريع، وحماية المال العام، وضمان حصول المواطن على الخدمة.

وهذه هي فلسفة الرقابة الحديثة.

الخلاصة

إن قراءة تجربة كربلاء خلال السنوات العشر الماضية تظهر صورة مركبة:

فهناك مشاريع مهمة وإنجازات واضحة، خصوصاً في السنوات الأخيرة، وهناك في الوقت نفسه مشاريع متلكئة أو متأخرة وملاحظات تستحق المتابعة والتقييم.

ولا يمكن من الناحية العلمية تحويل هذه المؤشرات مباشرة إلى اتهامات بالهدر أو الفساد.

لكنها تكفي لطرح سؤال مهم:

هل كانت كفاءة التخطيط والتنفيذ والمتابعة بمستوى حجم الأموال والاحتياجات التي تواجهها محافظة كربلاء؟

والإجابة الدقيقة تحتاج إلى دراسة مالية وفنية موحدة لجميع السنوات، تعتمد على الوثائق الرسمية وليس التقديرات.

إن كربلاء تحتاج إلى الانتقال من إدارة المشاريع سنة بسنة إلى رؤية تنموية طويلة الأمد، خصوصاً في الماء والصرف الصحي والطرق والنقل والتعليم والصحة والنفايات والبيئة.

كما تحتاج إلى أن تتحول الزيارات المليونية من عبء خدمي موسمي إلى عامل تنمية اقتصادية من خلال التخطيط المسبق والاستثمار في البنية التحتية والخدمات المستدامة.

وفي النهاية، فإن حماية المال العام ليست مسؤولية جهة واحدة، بل مسؤولية الدولة والجهات الرقابية والحكومة المحلية والمواطن والإعلام والمجتمع المدني.

كربلاء المقدسة تستحق مشاريع بمستوى مكانتها، وتستحق في الوقت نفسه أعلى درجات الشفافية في معرفة أين خُصص المال، وكيف أُنفق، وماذا تحقق به.

صباح هلال حسين الخزاعي

المصادر الرسمية

وزارة المالية العراقية – قوانين الموازنة الاتحادية.
وزارة التخطيط العراقية – الدراسة التخطيطية المتكاملة لمحافظة كربلاء.
وزارة التخطيط – مناقشة أولويات مشاريع كربلاء والخطة الاستثمارية.
وزارة التخطيط – متابعة مشروع مدارس في كربلاء.
وزارة التخطيط – متابعة مشاريع جامعة كربلاء.
الموقع الرسمي لمحافظة كربلاء المقدسة – مشاريع المحافظة.

✦ كتابات في الميزان ✦

قراءة رقابية تبحث في العلاقة بين حجم التخصيصات المالية لمحافظة كربلاء وبين ما تحقق فعلياً من مشاريع وخدمات خلال عشر سنوات. وتطرح الدراسة معياراً يتجاوز أرقام الموازنات إلى نسب الإنجاز وجودة التنفيذ والأثر الخدمي، مع التمييز بين التلكؤ والفساد. كما تدعو إلى قاعدة بيانات مفتوحة للمشاريع ورؤية تمويلية تراعي خصوصية كربلاء والضغط الناتج عن الزيارات المليونية.

كربلاء.jpg