شغف تحت سقف الورق.. كيف تبتكر بغداد ضوءها؟.. معرض بغداد الدولي للكتاب

في موعدٍ يكرره التقويم كل عام، كعادتنا الصارمة مع الشغف، اتفقتُ وصديقي الشاعر أحمد عواد على المضي نحو معرض بغداد الدولي للكتاب. لم تكن خطواتنا مجرد سعي نحو ظاهرة تنظيمية أو سوق تتراصف فيه الرفوف بآلاف العناوين المشدودة بأغلفتها، بل كانت رحلة نحو طقس بغدادي استثنائي، يعيد للروح نبضها، وللحيوية ثقلها الهادئ، في قلب المدينة التي طالما اقتنصت الحياة من قلب الركام.

أن تمشي هناك يعني أن تتوه وسط خطى الزوار المنسابة في الممرات المزدحمة، حيث لا تعود الحواس تفرق بين المادي والروحي؛ تتداخل رائحة الورق الطباعي الطازج مع عبق تاريخ متجذر يهمس به القراء في وجوه بعضهم. إنه ليس مجرد مكان لتبادل السلع، بل مساحة مهيبة للتلاقي البشري في أصفى صوره؛ حيث يلتقي الأثر بصاحبه، ويقف الكاتب الذي أفنى سنوات من عمره يصوغ فكرة تجسدت في كلمة، أمام قارئ غريب يقلب الصفحات بنهم، باحثاً بين السطور عن إجابة تائهة أو عزاء فكري يخفف عنه وطأة الوجود.

وفي زحمة الطريق ونحن نقترب من ذلك المحفل الورقي، التفت إليّ أحمد بفراسة الشاعر ونظرته التي ينفذ بها إلى جوهر الأشياء، وسألني بصوت يملؤه التأمل:

يا ترى، ما ثمار ومكاسب هذا الاحتفال الباذخ بالكتاب؟

توقف السؤال في الهواء بيننا، يحمل في طياته إدراكاً بأن الثمر الحقيقي لا يقاس بعدد المبيعات ولا بأرقام الزائرين، بل بالجسور الخفية التي تُبنى في تلك اللحظة بين العقول، وبالحياة التي تتجدد كلما التقت عين قارئ بقبس من روح مؤلف.

رئة الفكر ونقطة الضوء

نظرت إليه، وكان السؤال بيننا يتدفق كجريان نهر قديم يبحث عن مصبه الفلسفي، فقلت له إن أولى هذه الثمار تتجلى في ذلك الانبعاث الخفي الذي يسري في عروق الفكر؛ فهذا المعرض ليس محفلاً عابراً، بل رئة روحية تتنفس منها الحركة الثقافية في مدينتنا حين يخنقها جفاف الأيام.

هنا تتلاشى المسافات العازلة، وتتحطم الأسوار الزجاجية التي تفصل العقول عن بعضها، حين يجد المؤلفون والناشرون أنفسهم في مواجهة حية ومباشرة مع الضفة الأخرى من الحقيقة؛ مع أناس ينبضون بالشغف.

إنها اللحظة الساحرة التي تخرج فيها الأفكار من عزلة المكاتب وظلمة المطابع إلى النور، وتُطلق فيها الإصدارات الجديدة كأرواح تولد للتو، وتوقَّع الكتب بأياد يرتجف فيها الحب. وفي الندوات والجلسات الحوارية تُجسر الفجوة بين المبدع وجماهيره؛ فلا يعود الكاتب صوتاً مجرداً في الفضاء، ولا يظل القارئ ظلاً مجهولاً، بل يلتقيان في نقطة ضوء واحدة تعيد للأدب معناه الأعمق: أنه فعل يمنحنا القدرة على أن نتنفس معاً في عالم يميل إلى الصمت.

شريان الكلمة وبقاء الفكر

ثم أردفت، وأنا أتأمل حركة الأيدي وهي تتداول المجلدات بشغف: وليس الفكر يا صديقي روحاً ترفرف في الفراغ فحسب، بل هو جسد يحتاج إلى من يرعاه ويؤمّن بقاءه. هكذا يغدو المعرض شرياناً يضخ الحياة في العجلة الاقتصادية للنشر، ليتحول الفعل الثقافي من مجرد حلم مبعثر إلى صرح متماسك يقاوم العثرات.

إن هذا المحفل يمنح دور النشر المحلية والعربية والعالمية نافذة حيوية للتنفس والاستمرار؛ فهو يكسر عزلة المطابع، ويحوّل المعرفة إلى استثمار مشروع يحمي صناعة الكتاب من الاندثار. وحين يتجسد الشغف في حركة بيع وشراء، تتشجع الجهات الاستثمارية على تبني المحتوى الفكري الجاد، وتغذية جسور الترجمة التي تنقل نبض العالم إلينا، وتنقل أصواتنا إلى الآخرين.

إنها دورة يتحول فيها المال من أداة صماء إلى خادم للفكرة، فيغدو السطر المطبوع قادراً على البقاء، وتظل الأفكار حرة تتنفس لأن هناك من يؤمن بأن الاستثمار في الكلمة هو استثمار في الإنسان.

معبر الروح وجسر الحضارات

ومشيت خطوة أخرى بينما كانت الأصوات تتداخل بلغات ولهجات متباينة تحوم في أرجاء القاعة، فقلت لأحمد: انظر كيف تذوب الفواصل الزمانية والمكانية هاهنا؛ فهذا المعرض ليس مجرد جدران تجمع الكتب، بل معبر ثقافي يعيد ربط بغداد بقلب العالم ومحيطها العربي والدولي، بعد أن حاولت العزلة أن تضرب حولها أسواراً من النسيان.

إنها اللحظة التي تتكسر فيها الحدود الجغرافية الصماء، لتستقطب المدينة أفكاراً ورؤى عابرة للمسافات، تهب كنسائم حرة تثري الوجدان.

هنا يجد القارئ البغدادي نفسه في قلب التبادل الإنساني الكبير، يمتد بيده ليلامس أحدث ما أبدعته العقول وأنتجته المطابع في أقاصي الأرض، من دون أن يحمل مشقة السفر أو عناء الرحيل. إنها طقوس الانفتاح؛ حيث تغدو بغداد محطة تتلاقى فيها الحضارات، ويستشعر الإنسان أنه ليس كائناً معزولاً، بل جزء أصيل من شجرة الفكر الإنساني الواحدة.

حصن الذائقة وجسر الأجيال

وتوقفنا قبالة ممشى يكتظ بعائلات تحمل صغارها، وأيدي الشباب تشد على الكتب بلهفة تشبه الاحتضان، فالتفت إلى أحمد وقلت بصوت يملؤه اليقين: وها هنا يا صديقي تتجلى الثمرة الأنبل والأبقى؛ إن هذا المكان ليس مجرد لقاء عابر بين السطور، بل ملتقى تتصافح فيه الأجيال، وتنتقل فيه الجمرة الثقافية من يد إلى يد بلا انقطاع.

إن اعتياد الصغار والشباب على ارتياد هذه الفضاءات المشرعة بالجمال يعيد تشكيل وجدانهم، ويزرع في أعماقهم عادة القراءة، لا بوصفها طقساً بارداً، بل شغفاً حياً ويقظة مستمرة.

هكذا تتأسس الهوية الثقافية، وتتربى الذائقة الأدبية على التأني والرقي، لتغدو حصناً في وجه موجات التسطيح الرقمي وعزلة الشاشات الباردة.

إنه الفعل الأعمق لخلق الإنسان؛ حيث يخرج الطفل من هنا محصناً بالكلمة، متذوقاً للجمال، ومدركاً أن المعرفة ليست حملاً ثقيلاً، بل هي الضوء الذي يضيء عتمة الروح ويرسخ وجودنا في هذا العالم.

ختاماً: أبدية الكلمة وسلام بغداد

صمت أحمد لحظة، ورسمت عيناه ابتسامة شفيفة تشبه الارتياح بعد اكتشاف المجهول. أخذنا نفساً عميقاً من ذلك الهواء المزدحم بأرواح السطور، وكأننا نطوق بغداد كلها بقلبينا.

لم يكن معرض الكتاب مجرد محطة في التقويم، ولا نزهة بين رفوف خشبية، بل كان إعلاناً بأن هذه المدينة، مهما أثقلتها السنون وأنهكها الركام، لا تزال تملك القدرة على إنتاج الضوء.

الثمر الحقيقي الذي خرجنا به لم يكن محمولاً في أكياس الورق التي امتلأت بها أيدينا، بل كان يتجسد في تلك السكينة العميقة التي استقرت في أرواحنا. أدركنا أن الكلمة حين تُكتب في بغداد، وتُقرأ على أرضها، تتحول إلى وثيقة بقاء؛ تضمن ألا تطغى العتمة، وألا تنتصر الفوضى على المعنى.

واصلنا مسيرنا وسط الخطى المنسابة، عالمين أن العالم قد يتغير ويضطرب، لكن الصفحة المفتوحة ستظل دوماً ملاذنا، والضوء الذي لا يجرؤ أحد على إطفائه.

✦ كتابات في الميزان ✦

المقال لا يتعامل مع معرض الكتاب بوصفه سوقاً للكتب، بل بوصفه فضاءً اجتماعياً وثقافياً يعيد وصل الكاتب بالقارئ وبغداد بالعالم. قوته في المزج بين التجربة الشخصية والتأمل الفكري، وفي تحويل سؤال بسيط عن «ثمار المعرض» إلى حديث عن صناعة النشر، وبناء الذائقة، واستمرار الذاكرة الثقافية. ويحتاج النص فقط إلى الاقتصاد أحياناً في المجاز حتى يبقى وهج اللغة خادماً للفكرة لا منافساً لها.

معرض_بغداد.webp