صورٌ من الحياة… عندما تطغى المظاهر على الجوهر

هنالك ثلاث صور من واقعنا الاجتماعي والإداري والوظيفي تتكرر كل يوم، تكشف حاجة المجتمع إلى مراجعة بعض السلوكيات والسياسات، والانتقال من الاهتمام بالمظهر إلى الاهتمام بالنتيجة.

الصورة الأولى: مجالس العزاء

في مجالس العزاء نحن بحاجة إلى مواساة، لا إلى مجلس اجتماعي. فمجلس العزاء مناسبة لها حرمتها وخصوصيتها، والغاية منه مواساة أهل المتوفى، والدعاء للفقيد، وقراءة القرآن، ومشاركة ذوي الراحل مصابهم.

نرى أحياناً أن بعض مجالس العزاء تتحول إلى لقاءات اجتماعية؛ أحاديث جانبية، وتسامر، وضحك، وتبادل للأخبار، وربما نقاشات لا علاقة لها بالمناسبة، حتى تكاد الأجواء الاجتماعية تطغى على مشاعر الحزن والمواساة.

إذا كان الهدف لقاء الأصدقاء والأقارب والتسامر، فليكن ذلك في وقت آخر ومكان آخر. أما المسجد أو قاعة الفاتحة، فالأولى أن نحافظ فيهما على حرمة المكان وهيبة المناسبة.

حتى التصوير في مجالس العزاء يحتاج إلى مراجعة، فليس من الضروري أن يلتقط الإنسان صورة لنفسه، ثم ينشرها ليقول للناس: لقد حضرت العزاء.

إن الحضور الحقيقي لا يحتاج إلى إعلان، والمواساة الصادقة لا تحتاج إلى صورة. فقد كانت العادات الاجتماعية أكثر بساطة في السابق: يحضر الإنسان، ويقدم واجب العزاء، ويدعو للميت، ويجلس وقتاً مناسباً، ثم يغادر، من دون تحويل المناسبة إلى تجمع اجتماعي أو وليمة أو مناسبة للتصوير والاستعراض.

فالموت يحتاج إلى الصمت أكثر مما يحتاج إلى الصور، وأهل المتوفى يحتاجون إلى المواساة أكثر مما يحتاجون إلى المجاملات.

الصورة الثانية: صورة المسؤول أم صورة المشروع؟

يبحث المواطن البسيط عن صورة المشروع، لا صورة المسؤول.

في الزيارات الميدانية للمشاريع نرى أحياناً عشرات الصور للمسؤول أو المشرف أو المهندس وهو يتفقد المشروع، ويجتمع بالعاملين، ويتحدث أمام الكاميرات، لكن المواطن لديه سؤال بسيط: أين المشروع؟

المواطن لا يحتاج إلى صورة المسؤول بقدر حاجته إلى صورة الشارع الذي تم تأهيله، أو المدرسة التي بُنيت، أو المستشفى الذي أُنجز، أو شبكة الماء التي وصلت إلى بيته، أو الجسر الذي أصبح واقعاً.

الشارع العراقي بحاجة إلى إعلام حقيقي يركز على المشروع لا الشخص، وعلى الإنجاز لا الظهور، وعلى الأرقام والنتائج لا الكلام.

لماذا لا تنشر الجهة المسؤولة صور المشروع قبل التنفيذ وبعده؟ ولماذا لا توضح كلفته، ومدة إنجازه، ونسبة الإنجاز، والجهة المنفذة؟ ولماذا لا يكون المواطن قادراً على موازنة ما وُعد به بما تحقق فعلاً؟

يُعد المسؤول التنفيذي موظفاً في الدولة، والمنصب ليس ملكاً شخصياً، والمشروع ليس إنجازاً خاصاً بالمسؤول. قد يتغير المسؤول بعد عام أو عامين ويغادر منصبه، لكن المشروع يبقى ملكاً للمواطن.

لذلك فإن الصورة الأهم ليست صورة المسؤول أمام المشروع، وإنما صورة المشروع الذي أنجزه المسؤول. وهنا نحتاج إلى تغيير ثقافة إعلامية كاملة: من إعلام الأشخاص إلى إعلام الإنجاز.

الصورة الثالثة: تعيين الخريجين

والله تدمع العيون عندما نرى آلاف الخريجين ينتظرون التعيين، والدولة لا تستطيع أن تكون رب العمل الوحيد.

هذه القضية ترتبط بمستقبل الشباب، فآلاف الشباب يتخرجون كل عام من الجامعات والمعاهد، ثم يجدون أنفسهم أمام طابور طويل من طالبي التعيين الحكومي.

في المقابل، تعاني مؤسسات الدولة من تضخم في أعداد الموظفين في بعض القطاعات، حتى أصبح من الصعب أن تستوعب المزيد من التعيينات من دون زيادة كبيرة في الإنفاق العام.

هنا تظهر المفارقة: نريد تشغيل الخريجين، لكننا لا نستطيع أن نجعل الدولة رب العمل الوحيد. وفي الوقت نفسه، هناك دعوات إلى تمديد سن الخدمة بحجة الاستفادة من الخبرات، ولا شك في أن الخبرة مهمة، وبعض أصحاب الاختصاص يمثلون ثروة وطنية لا يجوز التفريط بها.

إن الحاجة إلى خبرة شخص معين لا تعني بالضرورة تمديد خدمة الجميع، فالحل الأكثر توازناً هو أن يكون بلوغ السن القانونية للتقاعد قاعدة عامة تُطبق على الجميع، مع إمكانية التعاقد بعد التقاعد مع أصحاب الخبرات والتخصصات التي تحتاج إليها الدولة فعلاً، ووفق ضوابط واضحة، ومدة محددة، وحاجة مثبتة.

بهذه الطريقة نحافظ على الخبرة، ونمنح الشباب فرصة الدخول إلى الجهاز الحكومي، من دون تحويل الاستثناء إلى قاعدة.

إن الدولة التي لديها قطاع خاص قوي، ورواتب مجزية خارج الحكومة، وفرص عمل واسعة، يمكن أن ترفع سن التقاعد بصورة أكبر. أما الدولة التي يعاني فيها القطاع الخاص من الضعف، ويصبح فيها التعيين الحكومي حلماً لمئات الآلاف من الشباب، فإن إبقاء الموظفين مدة أطول في الوظيفة الحكومية قد يؤدي إلى تأخير دخول جيل جديد إلى سوق العمل.

إن عراق اليوم لا يحتاج إلى استثناءات، بل إلى تطبيق القانون الذي حدد سن التقاعد العامة بستين عاماً، مع وجود استثناءات لفئات وحالات نص عليها القانون.

والقضية التي تستحق النقاش ليست فقط: هل سن الستين مناسب أم لا؟ بل السؤال الأهم: هل نطبق القاعدة على الجميع بعدالة وشفافية؟

فإذا كانت الدولة قد حددت سناً قانونياً للتقاعد، فينبغي أن يكون الأصل هو تطبيقه على الجميع، وألا يتحول الاستثناء إلى باب واسع لإبقاء أشخاص معينين في مواقعهم لاعتبارات لا علاقة لها بحاجة الدولة الفعلية.

أما الخبرة التي تحتاج إليها الدولة، فيمكن الاستفادة منها من خلال عقود استشارية أو عقود عمل محددة المدة، وبشروط واضحة، وبعد إثبات الحاجة الفعلية إلى الاختصاص، وبذلك لا نخسر الخبرة، ولا نغلق الباب أمام الشباب.

✦ كتابات في الميزان ✦

المقال ينجح في جمع ثلاث قضايا مختلفة تحت فكرة واحدة هي طغيان المظهر على الجوهر؛ ففي العزاء تصبح الصورة أهم من المواساة، وفي الإدارة يصبح ظهور المسؤول أهم من المشروع، وفي الوظيفة قد يتحول الاستثناء إلى قاعدة على حساب جيل ينتظر فرصته. وتكمن قوة النص في بساطته وقرب أمثلته من الحياة اليومية، مع دعوة واضحة إلى إعادة الاعتبار للنتيجة والمعنى الحقيقي لكل ممارسة.

التعيين.jpg