في الوقت الذي يحاول فيه العراق تثبيت أركان استقراره بعد عقود من الحروب والنزاعات، تبرز على السطح جبهة مواجهة من نوع آخر لا تقل خطورة عن السلاح؛ جبهة يقودها من يمكن وصفهم بـ«صنّاع الشقاق وهواة الانقسام».
هؤلاء يضعون جلّ طاقتهم في البحث الممنهج عن نقاط الاختلاف وتضخيمها، محوّلين التنوع التاريخي الفريد للعراق إلى ساحة من الاستقطاب المفتعل الذي يطال الأبعاد السياسية والطائفية والقومية والمناطقية، بل ويمتد لينبش بؤر التناحر في أروقة الوظائف والتعليم والمؤسسات العلمية والوجاهات الاجتماعية الزائفة.
إن هذا السلوك الهدّام يغفل عمدًا مكانة العراق الجيوسياسية والتاريخية بوصفه أحد أهم مراكز الثقل الحضاري في العالم؛ فهذه الأرض التي شهدت بواكير التشريع في حضارات وادي الرافدين، ومنها انطلقت مراكز معرفية كبرى في بغداد، تُدفع اليوم نحو صراعات صفرية ضيقة ومفتعلة لا تخدم سوى مصالح فئوية وشخصية على حساب المصلحة الوطنية العليا.
الفاتورة الباهظة: استنزاف رأس المال البشري
تشير البيانات الأممية إلى الكلفة الإنسانية والتنموية التي تكبدها العراق بفعل عقود من الصراعات والانقسامات. فقد أدت الحرب ضد تنظيم «داعش» وما رافقها من اضطرابات منذ عام 2014 إلى نزوح أكثر من 5.8 ملايين عراقي في ذروة الأزمة، فيما لا يزال أكثر من مليون شخص في عداد النازحين داخليًا حتى اليوم.
ولم يتوقف النزيف عند حدود النزوح، بل امتد إلى خسارة الكفاءات وهجرة أعداد من الأطباء والأكاديميين والمهندسين وغيرهم، في وقت يحتاج فيه العراق إلى رأسماله البشري في عملية إعادة البناء والتنمية.
أما ملف التعليم، فيكشف هو الآخر عن حجم التحدي. فقد أظهر تقرير الأمم المتحدة عن نتائج عام 2025 أن حملة «العودة إلى التعلم» رصدت 255,905 أطفال خارج المدرسة، وأعادت أكثر من 101 ألف منهم إلى مسارات التعليم المختلفة. وفي المقابل، تشير تقديرات أوسع لدى اليونيسف إلى أعداد أكبر بكثير من الأطفال المتسربين أو غير الملتحقين بالتعليم، ما يؤكد خطورة الفجوة التعليمية على مستقبل الأجيال.
قراءة تحليلية: التنوع ليس المشكلة
المعضلة العراقية ليست في التنوع نفسه، وإنما في تحويل هذا التنوع إلى أداة للصراع السياسي والاجتماعي. فالباحث فنار حداد، في دراساته عن الهوية والطائفية في العراق، يؤكد تعقيد الهويات الفرعية وخطورة اختزال المشكلات العراقية بمقولات طائفية مبسطة، ويرى أن فهم الصراع يقتضي النظر إلى كيفية تشكيل الهويات واستخدامها سياسيًا، لا التعامل معها بوصفها انقسامات أزلية لا يمكن تجاوزها.
وفي الاتجاه نفسه، ركز كينيث بولاك في كتاباته عن العراق على أن الاستقرار يتطلب بناء توافق سياسي ومؤسسات دولة قادرة على استيعاب المكونات المختلفة، بدل ترك الانقسامات المجتمعية تتحول إلى خطوط صدام دائمة.
المخرج الاستراتيجي: التعايش والمؤسسات
من منظور تاريخي وفلسفي وديني، تلتقي الكثير من القيم الإنسانية عند حقيقة أن التوافق والوحدة يمثلان حصنًا للشعوب، وأن التنوع يمكن أن يكون مصدر إثراء لا سببًا للتناحر.
ولكي يستعيد العراق مكانته بوصفه مهدًا للحضارة الإنسانية، فإن الطريق يحتاج إلى جملة مسارات مترابطة، في مقدمتها إعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة على أساس المواطنة المتساوية. وقد أظهر تقرير التنمية البشرية الوطني للعراق لعام 2025 أن ما يقارب ثلثي العراقيين الذين شملهم المسح أيدوا عقدًا اجتماعيًا جديدًا يوازن بين الحقوق والمسؤوليات ويعزز الثقة ويضمن عدم تهميش المحافظات.
ويأتي إلى جانب ذلك تجفيف منابع الخطاب الإقصائي، ومنع التحريض الطائفي والقومي والمناطقي في الإعلام والمؤسسات العامة، مع الحفاظ على حرية التعبير ضمن القانون.
كما يمثل الاستثمار في الأطفال والشباب أولوية لا يمكن تأجيلها، عبر تطوير التعليم، وترسيخ التفكير النقدي، وتعزيز ثقافة المواطنة، وتوجيه الطاقات نحو العلم والابتكار بدل الصراع والانغلاق.
أما الركيزة الرابعة فهي سيادة القانون والمؤسسات، بحيث تصبح الكفاءة والنزاهة والاستحقاق معايير التقدم في الوظيفة والتعليم والمواقع العامة، لا الانتماء الفئوي أو العائلي أو السياسي.
إن دماء خيرة أبناء العراق التي سفكت طوال العقود الماضية، وأحلام أطفاله المعلقة برقاب البالغين، تجعل من اختيار طريق التوافق وإعلاء المشتركات مسؤولية وطنية لا مجرد شعار. فالشقاق لم يورث هذه الأرض إلا الخسائر، بينما يبقى الوعي والوحدة وبناء المؤسسات أقصر الطرق إلى مستقبل يليق بتاريخ العراق وإمكاناته.
✦كتابات في الميزان✦
قوة المقال في أنه لا يرى الانقسام العراقي قدرًا اجتماعيًا، بل صناعة سياسية يمكن تفكيكها إذا استُعيد معنى المواطنة والدولة. وهو ينجح في الربط بين خطاب الشقاق وبين كلفته الواقعية في النزوح والتعليم وهجرة الكفاءات. غير أن أهم ما يضيفه النص هو انتقاله من التحذير إلى اقتراح أدوات مواجهة عملية: عقد اجتماعي، تعليم، قانون، وخطاب وطني جامع.
