الفساد في العراق... أزمة بنيوية تهدد مشروع الدولة

 تُعدّ مكافحة الفساد في العراق واحدة من أعقد القضايا التي تواجه الدولة والمجتمع منذ عقود؛ إذ أصبح الفساد متجذرًا في مؤسسات الدولة ومرافقها، وأثر بصورة مباشرة في التنمية الاقتصادية والاستقرار السياسي والثقة الشعبية.

ولا يقتصر الحديث عن الفساد في العراق على الرشوة أو الاختلاس، بل يمتد ليشمل المحسوبية، والتلاعب بالعقود الحكومية، وتهريب الأموال، وضعف الرقابة على الموارد العامة. وقد أسهمت هذه الممارسات مجتمعة في إضعاف مؤسسات الدولة وإعاقة بناء نظام ديمقراطي فعّال.

لقد أدت سنوات طويلة من الحروب والعقوبات والاحتلال إلى خلق بيئة هشة سمحت بانتشار الفساد على نطاق واسع. كما أن غياب المؤسسات الرقابية القوية، وضعف القضاء، وتداخل المصالح السياسية والاقتصادية، جعل الفساد يبدو وكأنه ظاهرة شبه طبيعية في الحياة اليومية.

ويشعر المواطن العراقي بأن الفساد يلتهم حقوقه الأساسية، سواء في الحصول على خدمات صحية وتعليمية جيدة، أو في فرص العمل، أو حتى في أبسط حقوقه بوصفه مواطنًا يسعى إلى حياة كريمة. لذلك، فإن مكافحة الفساد ليست مجرد قضية إدارية أو قانونية، بل هي معركة وجودية تتعلق بمستقبل الدولة العراقية.

وينبغي أن يبدأ الإصلاح، أولًا، بتفعيل دور المؤسسات القضائية المستقلة والقادرة على محاسبة الفاسدين مهما كانت مواقعهم؛ لأن استقلال القضاء يمثل حجر الزاوية في أي عملية إصلاح، ويضمن ألّا يكون أحد فوق القانون.

كما أن تعزيز دور هيئة النزاهة وديوان الرقابة المالية، وتزويدهما بالصلاحيات والموارد اللازمة، يُعدّ خطوة أساسية في كشف ملفات الفساد وملاحقة المتورطين فيها. لكن هذه الإجراءات لن تكون فعالة ما لم تقترن بإرادة سياسية حقيقية؛ لأن الفساد غالبًا ما يرتبط بشبكات مصالح نافذة داخل السلطة نفسها.

ومن جانب آخر، لا يمكن تجاهل دور مؤسسات المجتمع المدني والإعلام الحر النزيه وغير الخاضع للتوجيه السياسي في فضح الفساد ومساءلة المسؤولين؛ فالصحافة الاستقصائية والمنظمات الحقوقية تشكلان خط دفاع أساسيًا عن حقوق المواطنين، وتستطيعان كشف الحقائق التي قد تُطمس داخل أروقة السلطة.

كما أن إشراك المواطنين في الرقابة على المشروعات والخدمات العامة يعزز الشفافية ويحد من فرص التلاعب؛ فالمجتمع الواعي والمشارك هو الضمانة الحقيقية لنجاح أي حملة لمكافحة الفساد.

وللجانب الاقتصادي دور مهم أيضًا؛ إذ إن تنويع مصادر الدخل وتقليل الاعتماد على النفط من شأنهما الحد من فرص الفساد المرتبط بالعقود النفطية والموارد الريعية. ويتطلب ذلك تنمية الإيرادات غير النفطية، وإحكام جباية الرسوم في المنافذ الحدودية، وتطبيق أنظمة حديثة، من بينها نظام «الأسيكودا» (ASYCUDA) الجمركي، بما يعزز الشفافية ويقلل التدخل البشري والتلاعب بالإيرادات.

كما يسهم إصلاح النظامين المصرفي والمالي، وتطبيق أنظمة حديثة في إدارة الأموال العامة، في تقليل الهدر والسرقة. ويمكن أن تكون التكنولوجيا الحديثة أداة فعالة في هذا المجال، من خلال اعتماد الحكومة الإلكترونية التي تقلل الاحتكاك المباشر بين المواطن والموظف، وتحد بالتالي من فرص الرشوة والابتزاز.

ويبقى التحدي الأكبر متمثلًا في تغيير الثقافة السائدة التي ترى الفساد وسيلة طبيعية للحصول على الحقوق أو تحقيق المكاسب. ويتطلب ذلك برامج تربوية وتعليمية طويلة الأمد، تبدأ من المدارس والجامعات، لترسيخ قيم النزاهة والشفافية والمواطنة الصالحة؛ فالمجتمع الذي يرفض الفساد أخلاقيًا وثقافيًا سيكون أكثر قدرة على مواجهته عمليًا.

إن مكافحة الفساد في العراق ليست مهمة سهلة، ولا يمكن إنجازها بين ليلة وضحاها، لكنها ضرورة لا غنى عنها إذا أراد العراق بناء دولة قوية قادرة على تلبية طموحات شعبه.

ويتطلب نجاح هذه المعركة تضافر جهود الدولة والمجتمع، ووجود إرادة سياسية صادقة، وإجراء إصلاحات جذرية في الأنظمة الإدارية والقضائية والاقتصادية. فالعراق، بما يمتلكه من تاريخ عريق وموارد غنية، يستحق أن يتحرر من قيود الفساد، وأن يبدأ مسيرة جديدة نحو الاستقرار والازدهار.

✦ كتابات في الميزان ✦
يعالج المقال الفساد بوصفه أزمة بنيوية تجاوزت الأفعال الفردية لتصبح شبكة متداخلة من المصالح السياسية والاقتصادية والإدارية. ويؤكد أن المواجهة لا تتحقق بحملات مؤقتة، بل باستقلال القضاء، وتمكين أجهزة الرقابة، ورقمنة المعاملات، وتنويع الاقتصاد، وبناء ثقافة اجتماعية ترفض الفساد. فالمعركة ليست لاستعادة الأموال وحدها، وإنما لاستعادة ثقة المواطن وإمكان قيام دولة عادلة وفاعلة.

الفساد.jpg