ليس كل عنف يترك كدمة، ولا كل أذى يمكن رؤيته بالعين؛ فهناك عنف أكثر هدوءًا، لكنه قد يكون أشد تأثيرًا، يتسلل إلى الإنسان عبر الكلمات والمواقف، ويستهدف ثقته بنفسه بدلًا من جسده.
ومن أبرز صور هذا العنف دفع الإنسان إلى التشكيك في ذاته؛ فحين يتعرض بصورة متكررة للتقليل من شأنه، أو التشكيك في قدراته، أو الطعن في نواياه، أو تحميله مسؤولية ما لم يرتكبه، لا يبقى الأمر مجرد كلمات عابرة.
ومع مرور الوقت، قد تتحول تلك الكلمات إلى صوت داخلي يرافقه في قراراته ومواقفه، فيبدأ بسؤال نفسه باستمرار: هل أنا مخطئ؟ هل بالغت؟ هل كان يجب أن أصمت؟ هل المشكلة فيّ؟
وهنا تبدأ الخطورة الحقيقية؛ فالإنسان الذي كان يحتاج إلى مواجهة خارجية يصبح في مواجهة مع نفسه. ولا يعود الآخر بحاجة إلى منعه من الكلام؛ لأن الخوف من الخطأ، والخوف من حكم الآخرين عليه، والخوف من العواقب، تصبح جميعها رقيبًا داخليًا يمنعه من التعبير عن رأيه أو الدفاع عن حقه.
وتظهر هذه الظاهرة في كثير من جوانب الحياة، إلا أنها قد تكون أكثر وضوحًا في بعض بيئات العمل، حيث تتداخل السلطة مع العلاقات المهنية، ويصبح الاختلاف في الرأي، أحيانًا، سببًا للوصم بدلًا من أن يكون فرصة للنقاش.
لنفترض، مثلًا، أن موظفة ترفض تمرير معاملة تخالف الإجراءات القانونية. في البداية يُقابل موقفها بالاعتراض، ثم يتحول اعتراضها إلى مادة للتشكيك في شخصيتها؛ فيُقال إنها متشددة، ثم صعبة، ثم إن وجودها يسبب المشكلات.
ومع استمرار هذا الضغط، قد تصل إلى مرحلة تتساءل فيها: «هل المشكلة فعلًا فيّ؟»، رغم أن موقفها المهني لم يتغير، ولم يثبت خطؤه.
وهنا يتحقق أخطر أهداف هذه الممارسة: أن يتولى الإنسان بنفسه مهمة إسكات ذاته. فمن يريد تقييده لا يعود بحاجة إلى منعه من الكلام؛ لأن الخوف أصبح رقيبًا داخليًا يراقب كلماته وقراراته.
ويرجع انتشار هذه الظاهرة إلى أن بعض المجتمعات ما تزال تخلط بين الاختلاف والعداء، وبين الثقة بالنفس والغرور، وبين التمسك بالمبدأ والعناد. كما أن غياب الحوار الحقيقي يفتح المجال للهمس والشائعات والضغوط النفسية، بدلًا من المواجهة الواضحة.
وفي بعض الأحيان، تُستخدم السلطة لا لتصحيح الخطأ، وإنما لإخافة من يرفض الانصياع.
أما الحل، فلا يبدأ بمطالبة الإنسان بأن «يتحمل أكثر»، بل ببناء ثقافة تحترم الفرد. وتحتاج بيئات العمل والمؤسسات إلى قواعد واضحة لمواجهة التنمر والتشهير والإساءة النفسية، وإلى آليات عادلة للاستماع إلى الشكاوى.
كما يحتاج المجتمع إلى تعلّم الفرق بين النقد والتقليل من شأن الآخرين؛ فالنقد يحدد الخطأ ويقدم فرصة للإصلاح، أما التقليل فيستهدف الشخص نفسه، ويعمل على هدم ثقته بذاته.
وعلى المستوى الفردي، يبدأ التحرر من هذه الظاهرة حين يعود الإنسان إلى الوقائع، ويسأل نفسه: ما الذي حدث فعلًا؟ ما الدليل على خطئي؟ هل النقد موجّه إلى سلوكي أم إلى شخصيتي؟
فالحقيقة لا تتغير لأن الاتهام تكرر، ولا يصبح الإنسان مخطئًا لأن الآخرين نجحوا في جعله يشعر بالذنب.
إن أخطر ما في هذه الظاهرة أنها تسلب الإنسان ثقته بنفسه باسم الخوف، وتجعله يتراجع عن ذاته باسم السلام. لذلك فإن مواجهتها مسؤولية مشتركة؛ مسؤولية الفرد في حماية وعيه، ومسؤولية المجتمع في عدم تحويل الاختلاف إلى تهمة.
> لقد حاولوا أن يجعلوني أخاف من نفسي، لكنني أدركت أن أعظم انتصار يمكن أن يحققه الإنسان هو أن يظل قادرًا على رؤية نفسه بوضوح، مهما حاول الآخرون تشويه صورته.
✦ كتابات في الميزان ✦
يضيء المقال نوعًا خفيًا من العنف لا يترك كدمات ظاهرة، لكنه يهدم ثقة الإنسان بنفسه، ويحوّل الاتهامات المتكررة إلى صوت داخلي يراقبه ويقيّده. وتبرز أهمية الطرح في ربط التشكيك في الذات ببيئات العمل التي يُستخدم فيها الضغط النفسي لإسكات المتمسكين بالمبدأ. فالمواجهة تبدأ بالعودة إلى الوقائع، والتمييز بين النقد الذي يصحح السلوك، والتقليل الذي يستهدف قيمة الإنسان وكرامته.
