النقد التقويمي في خطب المرجعية الدينية العليا: قراءة تحليلية في المنهج والأبعاد الإصلاحية

لا تؤدي خطب المرجعية الدينية العليا وظيفة الوعظ الديني أو التذكير الأخلاقي فحسب، بل تتجاوز ذلك إلى ممارسة نقد تقويمي للشأن العام؛ أي نقدٍ يصف الخلل، ويحدد المسؤولية، ويقترح مسار المعالجة، مع إبقاء الخطاب ضمن أفق الإصلاح وحفظ السلم الأهلي. وتظهر هذه الوظيفة بوضوح في خطب المرجعية العليا في العراق، ولا سيما الخطب التي أُلقيت على لسان ممثليها في كربلاء المقدسة خلال أزمات الإرهاب والفساد والاحتجاجات الشعبية.

والمقصود بالنقد التقويمي هنا ليس التشهير أو الإدانة المجردة، وإنما تقويم أداء المؤسسات والقوى السياسية وفق معايير العدل، والكفاءة، وسيادة القانون، وصيانة المال العام، واحترام إرادة المواطنين. ومن ثمّ فإن الخطبة المرجعية لا تكتفي بالسؤال: «ما الخطأ؟»، بل تضيف إليه أسئلة أخرى: من يتحمل المسؤولية؟ وما الإجراء العملي المطلوب؟ وما الضوابط الأخلاقية والقانونية التي تمنع تحول الإصلاح إلى فوضى أو عنف؟

أولاً: مفهوم النقد التقويمي وخصوصيته في الخطاب المرجعي

يختلف النقد التقويمي عن النقد الانفعالي في ثلاثة أمور مترابطة. فهو أولاً معياري، لأنه ينطلق من قيم واضحة مثل العدل، والصدق، وحفظ كرامة الإنسان، وعدم التصرف بالمال العام بغير حق. وهو ثانياً تشخيصي، لأنه يربط الأزمات بأسبابها البنيوية، فلا يفسر تردي الخدمات أو البطالة باعتبارهما حادثين عابرين. وهو ثالثاً إصلاحي، لأنه يقترن بمطالبة عملية قابلة للتنفيذ، كإقرار قانون انتخاب منصف، أو محاسبة كبار الفاسدين، أو تجاوز المحاصصة.

وتتجلى خصوصية هذا النقد في أن المرجعية لا تقدم نفسها بديلاً عن الدولة أو المؤسسات المنتخبة، ولا تستولي على اختصاصاتها التنفيذية والتشريعية والقضائية. بل تمارس دوراً رقابياً أخلاقياً وتوجيهياً، فتخاطب أصحاب القرار وتذكّرهم بواجباتهم، وتدعم مطالب المجتمع المشروعة، وتضع الإصلاح في إطار قانوني وطني. لذلك، فإن قوة الخطاب لا تأتي من امتلاك أدوات الإكراه، بل من المصداقية الأخلاقية ومن قدرته على تحويل القيم الدينية إلى معايير عامة للحكم الرشيد.

ثانياً: ملامح المنهج النقدي في خطب المرجعية

1. الانتقال من وصف الأزمة إلى تحديد أسبابها

في خطبة 7 آب/أغسطس 2015، لم تكتفِ المرجعية بوصف الصعوبات الاقتصادية ونقص الخدمات، بل نسبت جانباً أساسياً منها إلى «الفساد المالي والإداري» و«سوء التخطيط» واعتماد «حلول آنية ترقيعية». وهذا انتقال مهم من الخطاب الذي يحمّل الظروف وحدها مسؤولية الأزمات إلى خطاب يبحث عن مسؤولية الإدارة العامة والسياسات المتبعة.

كما حددت الخطبة مسؤولية القوى السياسية التي تمسك بمقاليد السلطة، مؤكدة أنها تتحمل «معظم المسؤولية» عما مضى من المشكلات. ولا يعني ذلك إلغاء مسؤولية المواطنين أو العوامل الخارجية، لكنه يضع المسؤولية السياسية في موضعها الطبيعي: من يتولى القرار العام مطالب بتقديم نتائج ملموسة، لا بمجرد تبرير الإخفاق.

2. مخاطبة المسؤول باسمه الوظيفي لا باستهدافه الشخصي

من سمات الخطاب المرجعي أنه يوجه النقد إلى الموقع والمسؤولية والأداء أكثر من توجيهه إلى الحياة الشخصية للمسؤول. ففي خطاب 2015، وُجّهت المطالبة إلى رئيس مجلس الوزراء، بوصفه «المسؤول التنفيذي الأول في البلد»، بأن يكون أكثر جرأة في الإصلاح، وأن يواجه من يعرقل المسيرة، وأن يعيّن الشخص المناسب في المكان المناسب.

وتكشف هذه الصياغة عن نزعة مؤسسية؛ فالمشكلة لا تُختزل في شرّ فردي، بل تتصل بطريقة إدارة الدولة، وآليات التعيين، وتأثير الأحزاب، ومنطق المحاصصة. وعليه فإن التقويم ينصب على بنية القرار العام، وعلى مدى التزام شاغل المنصب بالمعايير التي تبرر بقاءه فيه.

3. الجمع بين النقد والتفصيل الإجرائي

لا يظل النقد في خطب المرجعية عند مستوى الشعارات. فقد دعت خطبة 2015 إلى إلغاء الامتيازات غير المقبولة، ومكافحة الفساد، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وتجاوز المحاصصة الحزبية والطائفية، واعتماد الكفاءة والنزاهة في التعيينات. وفي خطبة 4 تشرين الأول/أكتوبر 2019، ذهبت المرجعية أبعد من ذلك حين ذكّرت باقتراح تشكيل لجنة مستقلة من ذوي الاختصاص والكفاءة والنزاهة، تتولى تحديد الخطوات التشريعية والتنفيذية والقضائية اللازمة للإصلاح.

«إنّ المرجعية الدينية العليا طالما طالبت القوى والجهات التي تُمسك بزمام السلطة أن تغيّر من منهجها في التعامل مع مشاكل البلد وأن تقوم بخطواتٍ جادة في سبيل الإصلاح ومكافحة الفساد وتجاوز المحاصصة والمحسوبيات في إدارة الدولة.» --- من خطبة 4/10/2019.

وتكمن أهمية هذا الاقتراح في أنه يحول النقد من موقف احتجاجي إلى تصميم أولي لآلية إصلاح: خبراء مستقلون، تشخيص دقيق، استماع إلى ممثلي المحتجين، ثم تحويل المقترحات إلى مسارات قانونية. وهذا يبين أن الإصلاح في التصور المرجعي عملية مؤسسية لا حملة تطهير عاطفية.

4. توزيع المسؤولية بين السلطات والمجتمع

في خطبة 4 تشرين الأول/أكتوبر 2019، وزعت المرجعية المسؤولية على السلطات الثلاث. فقد حملت مجلس النواب مسؤولية تشريعية ورقابية كبرى، ودعت القضاء والأجهزة الرقابية إلى ملاحقة الفاسدين واسترجاع أموال الشعب، وطالبت الحكومة بتحسين الخدمات وتوفير فرص العمل وتجنب المحسوبيات.

هذا التوزيع يمنع اختزال الأزمة في الحكومة وحدها؛ فالتشريع والرقابة والقضاء والتنفيذ حلقات متكاملة في منظومة الدولة. وإذا تعطلت إحداها، تعذر تحقيق الإصلاح. وبذلك يصبح النقد تقويماً لأداء النظام المؤسسي كله، لا مجرد مطالبة بتغيير شخص أو وزارة.

5. حماية الإصلاح من العنف والفوضى

يتضح البعد الأخلاقي والقانوني للنقد في خطب تشرين الثاني وكانون الأول 2019. فقد ساندت المرجعية الاحتجاجات السلمية، لكنها أدانت في الوقت نفسه الاعتداء على المتظاهرين والقوات الأمنية والمنشآت العامة والممتلكات الخاصة، وطالبت بمحاسبة المتورطين وفق الإجراءات القضائية.

وفي 13 كانون الأول/ديسمبر 2019، وصفت المرجعية الإصلاح بأنه «معركة مصيرية»، لكنها جعلت اتباع الأساليب السلمية شرطاً أساسياً للانتصار فيها، وشددت على حصر السلاح بيد الدولة، وعلى أن يكون القضاء العادل مرجعاً في الجرائم والمخالفات.

«إنّ أمامكم اليوم معركة مصيرية أخرى، وهي (معركة الإصلاح) والعمل على إنهاء حقبة طويلة من الفساد والفشل في إدارة البلد.» --- من خطبة 13/12/2019.

وتكشف هذه الثنائية عن توازن دقيق: الاعتراف بمشروعية الغضب الشعبي، مع رفض تحويله إلى عنف؛ وانتقاد السلطة، مع رفض الاعتداء على مؤسسات الدولة؛ والمطالبة بالمحاسبة، مع رفض العقوبات خارج القانون. وهكذا لا يُفهم الإصلاح بوصفه انتقاماً، بل بوصفه انتقالاً من الاختلال إلى دولة القانون.

ثالثاً: الأبعاد الإصلاحية للنقد المرجعي

يتخذ النقد المرجعي أبعاداً إصلاحية متعددة ومتكاملة. فعلى المستوى السياسي، يدعو إلى إعادة بناء العلاقة بين الشرعية وإرادة المواطنين من خلال قانون انتخاب منصف ومفوضية محايدة ومهنية، بما يتيح للناخبين تغيير القوى الحاكمة إذا أرادوا ذلك. وعلى المستوى المؤسسي، يرفض المحاصصة والمحسوبية، ويطالب باعتماد الكفاءة والنزاهة وتعيين الشخص المناسب في المكان المناسب، ولو لم يكن منتمياً إلى أحزاب السلطة.

أما على المستوى القانوني، فيجعل القضاء الطريق الطبيعي للمحاسبة، ويرفض العقوبات العشوائية أو الانتقامية خارج مؤسسات الدولة. وعلى المستوى الاقتصادي والاجتماعي، يربط بين مكافحة الفساد وتحقيق العدالة الاجتماعية وتحسين الخدمات وتوفير فرص العمل، مؤكداً أن الفساد وسوء التخطيط من الأسباب الأساسية لتردي أوضاع المواطنين.

ويتضمن الخطاب كذلك بعداً وطنياً وسيادياً، إذ يصف معركة الإصلاح بأنها معركة وطنية تخص العراقيين وحدهم، ويحذر من تحويل البلاد إلى ساحة للصراع بين القوى الخارجية. كما يحمل بعداً أخلاقياً وإنسانياً واضحاً، يتمثل في صيانة الدم العراقي والكرامة العامة، وحماية المتظاهرين والقوات الأمنية والممتلكات العامة والخاصة من الاعتداء.

1. الإصلاح السياسي وإعادة الاعتبار لإرادة الناخب

تؤسس خطبة 15 تشرين الثاني/نوفمبر 2019 لفهم واضح للشرعية السياسية في النظام غير الاستبدادي؛ إذ تقرر أن الحكومة تستمد شرعيتها من الشعب، وأن إرادته تظهر عبر اقتراع سري عام إذا أُجري بصورة عادلة ونزيهة. ومن هنا جاء التركيز على قانون انتخاب يتيح تغيير القوى الحاكمة إذا أراد المواطنون ذلك، وعلى مفوضية مستقلة تحظى بالثقة.

ولا تمثل هذه المطالبة انحيازاً إلى حزب أو تيار بعينه، بل دفاعاً عن قابلية النظام السياسي للتصحيح عبر الانتخابات. فالانتخابات لا تكون أداة إصلاح حقيقية إذا صُممت بطريقة تمنع الناخب من تغيير الطبقة السياسية أو إذا افتقرت الجهة المشرفة إلى الحياد.

2. الإصلاح الإداري ومقاومة المحاصصة

تربط المرجعية بين الكفاءة الإدارية وبين العدالة الاجتماعية. فحين تُوزع المناصب على أساس الانتماء الحزبي أو الطائفي، لا تتضرر الإدارة وحدها، بل يتضرر المواطن الذي يحصل على خدمة أضعف، وتضيع فرص أصحاب الكفاءة. لذلك طالبت الخطبة صراحة بتعيين الأكفأ بغض النظر عن الانتماء الطائفي أو الإثني.

وهنا يتحول النقد من إدانة المحسوبية إلى طرح معيار بديل هو المواطنة والكفاءة والنزاهة. وهذه نقلة إصلاحية ذات أثر عميق؛ لأنها تعيد تعريف الدولة باعتبارها مؤسسة عامة لا غنيمة تتقاسمها القوى السياسية.

3. مكافحة الفساد بوصفها استعادة للحق العام

لا تقدم الخطب الفساد باعتباره مخالفة مالية محدودة، بل باعتباره سبباً في تعطيل الخدمات وإفقار المواطنين وإضعاف الدولة. وفي خطبة 15 تشرين الثاني/نوفمبر 2019، طالبت المرجعية بملاحقة كبار الفاسدين واسترجاع الأموال المنهوبة وإلغاء الامتيازات المجحفة والابتعاد عن المحاصصة والمحسوبيات.

وهذا البعد يعيد الفساد إلى أصله الأخلاقي والقانوني: اعتداء على المال العام وعلى حق المواطنين في حياة كريمة. لذلك لا تكفي المعالجة الدعائية أو الإدارية الجزئية، بل يلزم تحقيق مستقل، وقضاء مهني، واسترداد للأموال، وضمان عدم الإفلات من العقاب.

4. الإصلاح الوطني المستقل

أكدت المرجعية أن معركة الإصلاح «وطنية تخصه وحده»، محذرة من تدخل الأطراف الخارجية وتحويل العراق إلى ساحة صراع وتصفية حسابات. وتدل هذه الرؤية على أن الإصلاح لا ينبغي أن يكون امتداداً لمشروع إقليمي أو دولي، لأن استقلال القرار شرط لبناء دولة تستجيب لمواطنيها.

ولا تعني الوطنية هنا الانغلاق أو رفض التعاون الدولي، بل رفض استخدام العراق موضوعاً للصراع، وإبقاء قرار الإصلاح نابعاً من إرادة العراقيين ومصالحهم العامة. وبذلك يجمع الخطاب بين الإصلاح الداخلي والسيادة الوطنية.

رابعاً: تقييم نقدي للخطاب نفسه

يمتلك النقد التقويمي في خطب المرجعية عدداً من عناصر القوة. أولها التراكم والاستمرارية؛ إذ لم يظهر نقد الفساد والإدارة والمحاصصة في لحظة واحدة، بل تكرر عبر مراحل مختلفة، مع انتقال من التشخيص العام إلى المطالب الإجرائية. وثانيها التوازن بين دعم الاحتجاج وحماية السلم، وبين المطالبة بالمحاسبة واحترام القضاء. وثالثها الوضوح في توزيع المسؤولية، فلا تُترك المطالب في مستوى العموميات، بل تُربط بالبرلمان والحكومة والقضاء والجهات الرقابية.

غير أن أثر النقد لا يتحقق بمجرد صدوره؛ فهو يحتاج إلى مؤسسات سياسية وقضائية تستجيب له، وإلى مجتمع مدني يحافظ على سلمية المطالب، وإلى إعلام يشرح المضمون بعيداً عن التوظيف الحزبي. وقد أشارت خطبة 4 تشرين الأول/أكتوبر 2019 إلى أن اقتراح اللجنة المستقلة لم يُؤخذ به في حينه، وهو مثال واقعي على الفجوة بين قوة التشخيص وضعف الاستجابة التنفيذية.

ومن هنا ينبغي ألا تُقرأ خطب المرجعية باعتبارها بديلاً عن العمل السياسي أو برنامجاً حكومياً تفصيلياً، بل باعتبارها إطاراً معيارياً وإصلاحياً يحدد الاتجاهات الكبرى: دولة القانون، الانتخابات القابلة للتغيير، الإدارة بالكفاءة، محاربة الفساد، حماية السلم، واستقلال القرار الوطني. أما تحويل هذه المبادئ إلى قوانين وسياسات، فهو مسؤولية المؤسسات الدستورية والمجتمع معاً.

وبذلك يكشف تحليل خطب المرجعية الدينية العليا أن النقد التقويمي فيها يقوم على منهج متدرج: يبدأ بتشخيص الأزمة وأسبابها، ثم يحدد مسؤولية الفاعلين، ويقترح آليات عملية، ويضبط حركة الإصلاح أخلاقياً وقانونياً ووطنياً. ولذلك فالنقد المرجعي ليس خطاب رفض دائم، ولا تدخلاً في تفاصيل السلطة، بل ممارسة إصلاحية تسعى إلى تقويم الدولة من داخل معايير العدالة والكفاءة والمواطنة.

وتتمثل القيمة الأهم لهذا الخطاب في أنه يجمع بين الصرامة والاتزان. فهو شديد الوضوح في رفض الفساد والمحاصصة والتسويف، لكنه يرفض العنف والفوضى والعقوبة خارج القانون. وهو يساند حق المواطنين في الاحتجاج، لكنه يحمي الدولة والممتلكات العامة والخاصة. كما أنه يطالب بتغيير سياسي حقيقي، دون أن يتحول إلى دعم حزبي أو اصطفاف فئوي.

وعليه، فإن الأبعاد الإصلاحية للنقد المرجعي لا تتوقف عند مضمون الخطب، بل تمتد إلى اختبار قدرة المجتمع والدولة على تحويل القيم المعلنة إلى مؤسسات فاعلة. فالإصلاح الحقيقي يبدأ من الاعتراف بالخلل، لكنه لا يكتمل إلا بالمحاسبة القانونية، والإدارة الكفوءة، والانتخابات النزيهة، وصيانة كرامة الإنسان، واستقلال القرار الوطني.

✦ كتابات في الميزان ✦

يقرأ المقال خطب المرجعية بوصفها خطاباً تقويمياً يتجاوز تشخيص الأزمات إلى تحديد المسؤوليات واقتراح مسارات الإصلاح. وتبرز أهميته في توضيح التوازن بين مساندة مطالب المواطنين وحماية السلم الأهلي ودولة القانون. كما يؤكد أن المرجعية ترسم الإطار الأخلاقي والوطني للإصلاح، فيما يبقى التنفيذ مسؤولية المؤسسات الدستورية والمجتمع.

 

خطب_الجمعة.jpg