
# الإمام الحسن العسكري (عليه السلام).. سيرة الإمامة والثبات
بسم الله الرحمن الرحيم
قال تعالى:
**﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾**
صدق الله العلي العظيم
*سورة الأحزاب: الآية 23*
الإمام الحسن بن علي العسكري (عليه السلام) هو الإمام الحادي عشر من أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، ومن سلالة طاهرة زكية. وُلد وترعرع في بيت الإمامة، وتلقى علومه عن والده الإمام علي بن محمد الهادي (عليه السلام)، فكان عالماً غير متعلم، قد زُقَّ العلم زقّاً.
وُلد في المدينة المنورة سنة 232هـ، وانتقل مع أبيه إلى سامراء نحو سنة 233 أو 234هـ، بعدما استدعى الخليفة العباسي المتوكل الإمام الهادي (عليه السلام) إليها، وفرض عليه الإقامة والمراقبة. وبقي الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) مصاحباً لأبيه حتى استشهاده سنة 254هـ، فتسلّم بعده مسؤولية الإمامة.
أمّه السيدة سوسن، وقيل: حديثة، وكنيته أبو محمد، ولُقّب بالعسكري؛ لأنّه سكن مع أبيه في محلة «العسكر» بمدينة سامراء. ومن ألقابه: الزكي، والتقي، والخالص، والهادي.
## صفاته
عُرف الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) بالهدوء والسكينة والعفة والنبل والكرم، وكانت له منزلة رفيعة ومهابة عظيمة بين الناس. وقد أجمع من عاصره على فضله وصيانة نفسه وزهده وعبادته وجميل أخلاقه وصلاحه.
وكان موضع إجلال وتقدير لدى أهل بيته وشيوخ بني هاشم وقادة العسكر والوزراء والكتّاب والقضاة والفقهاء وعامة الناس؛ لما عُرف عنه من العلم والتقوى وحسن السيرة وسمو المكانة.
## إمامته
جاء في كتاب «الكافي» للشيخ الكليني، بسنده إلى يحيى بن يسار العنبري، أنّه قال:
«أوصى أبو الحسن إلى ابنه الحسن قبل مضيه بأربعة أشهر، وأشهدني على ذلك وجماعة من الموالي».
كما رُوي في «الكافي»، بسنده إلى عبد الله بن محمد الأصفهاني، أنّ الإمام الهادي (عليه السلام) قال:
«صاحبكم من بعدي الذي يصلّي عليَّ».
ولم يكن بعض الحاضرين يعرفون أبا محمد الحسن العسكري (عليه السلام) قبل ذلك، فلما استُشهد الإمام الهادي (عليه السلام)، خرج أبو محمد وصلّى عليه، فعرف الناس بذلك إمامته ووصية أبيه إليه.
## الإمام والسلطة العباسية
عاصر الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) خلال مدة إمامته ثلاثة خلفاء من بني العباس، وهم:
1. **المعتز بالله:** عاصر الإمام خلال خلافته نحو سنة، وفي نهايتها ثار عليه الأتراك وخلعوه ثم قتلوه.
2. **المهتدي بالله:** تولّى الحكم سنة 255هـ تقريباً، واستمرت خلافته قرابة أحد عشر شهراً، ثم ثار عليه الأتراك وقتلوه.
3. **المعتمد العباسي:** عاصره الإمام نحو أربع سنوات، حتى استشهاده سنة 260هـ.
وكان الأتراك والغلمان يسيطرون على مقاليد السلطة في ذلك الحين، فيما كان الخلفاء العباسيون لا يملكون من أمر الدولة إلا القليل. واتسم ذلك العصر بالظلم والاضطراب، وانتشر البلاء في أنحاء الدولة وبين مختلف فئات الأمة.
ونتيجة لهذه السيطرة، عاش الخلفاء العباسيون في خوف واضطراب دائمين، بعدما أصبحت إدارة شؤون الدولة الفعلية بأيدي القادة الأتراك والغلمان.
وقد وضع المعتمد العباسي الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) تحت الحراسة والمراقبة الشديدة، ومنع الناس من الاتصال به إلا في ظروف محدودة. لذلك اعتمد الإمام أسلوب المراسلات والوكلاء للتواصل مع أصحابه والإجابة عن مسائلهم وإدارة شؤونهم.
ومع ما كان يحمله المعتمد من حقد على الإمام، وما مارسه بحقه من تضييق وسجن ومراقبة، تذكر بعض الروايات أنّه قصد الإمام في داره وطلب منه أن يدعو له بطول العمر والبقاء في الخلافة عشرين عاماً.
ولم يتردد الإمام (عليه السلام) في إجابة طلبه، لما تفرضه المصلحة، فقال له:
**«مدَّ الله في عمرك».**
تكشف هذه الرواية عن حالة الخوف والتشاؤم التي كان يعيشها المعتمد، بعد المصير الذي لقيه عدد من الخلفاء الذين سبقوه، إذ كانت حياتهم وخلافتهم تحت رحمة قادة الأتراك والموالي.
وقد سبقه المنتصر والمعتز والمهتدي، وكانت مدد حكمهم قصيرة ومضطربة؛ لذلك لم يكن المعتمد يتوقع أن تستمر خلافته طويلاً في تلك الأجواء المعقدة. ولجأ إلى دعاء الإمام العسكري (عليه السلام)، لما كان يعلمه من صلاحه وقربه من الله تعالى، على الرغم من عدائه له وممارسته الظلم بحقه.
## من وصايا الإمام وكلماته
قال الإمام الحسن العسكري (عليه السلام):
**«أوصيكم بتقوى الله، والورع في دينكم، والاجتهاد لله، وصدق الحديث، وأداء الأمانة إلى من ائتمنكم من برّ أو فاجر، وطول السجود، وحسن الجوار؛ فبهذا جاء محمد (صلى الله عليه وآله).**
**صلّوا في عشائركم، واشهدوا جنائزهم، وعودوا مرضاهم، وأدّوا حقوقهم؛ فإنّ الرجل منكم إذا ورع في دينه، وصدق في حديثه، وأدّى الأمانة، وحسُن خلقه مع الناس، قيل: هذا شيعي، فيسرّني ذلك.**
**اتقوا الله، وكونوا لنا زيناً، ولا تكونوا علينا شيناً، جرّوا إلينا كل مودة، وادفعوا عنّا كل قبيح؛ فما قيل فينا من خير فنحن أهله، وما قيل فينا من سوء فما نحن كذلك. لنا حق في كتاب الله، وقرابة من رسول الله، وتطهير من الله، لا يدّعيه أحد غيرنا إلا كذّاب».**
ومن كلماته وحكمه (عليه السلام):
**«ليست العبادة كثرة الصيام والصلاة، وإنما العبادة كثرة التفكر في أمر الله».**
وقال:
**«بئس العبد عبدٌ يكون ذا وجهين وذا لسانين؛ يطري أخاه شاهداً، ويأكله غائباً، إن أُعطي حسده، وإن ابتُلي خذله».**
وقال (عليه السلام):
**«الغضب مفتاح كل شر».**
وقال:
**«أقل الناس راحةً الحقود».**
وقال:
**«أزهد الناس من ترك الحرام».**
وقال:
**«من يزرع خيراً يحصد غبطة، ومن يزرع شراً يحصد ندامة».**
وقال:
**«قلب الأحمق في فمه، وفم الحكيم في قلبه».**
وقال:
**«لا يشغلك رزق مضمون عن عمل مفروض».**
وقال:
**«خصلتان ليس فوقهما شيء: الإيمان بالله، ونفع الإخوان».**
وقال:
**«ليس من الأدب إظهار الفرح عند المحزون».**
وقال:
**«من وعظ أخاه سراً فقد زانه، ومن وعظه علانية فقد شانه».**
وتكشف هذه الوصايا والكلمات عن منهج أخلاقي واجتماعي متكامل، يربط صدق الانتماء إلى أهل البيت (عليهم السلام) بالتقوى والورع وصدق الحديث وأداء الأمانة وحسن معاملة الناس ونفع الآخرين.
## استشهاده
المشهور في الروايات أنّ الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) استُشهد في الثامن من شهر ربيع الأول سنة 260هـ، بعد مرض استمر ثمانية أيام.
وتذكر المصادر الإمامية أنّ مرضه كان نتيجة عمل عدواني قام به المعتمد العباسي، إذ دسّ إليه السم، فاستُشهد الإمام وهو في الثامنة والعشرين من عمره، بعد حياة قصيرة في سنواتها، عظيمة في مواقفها وآثارها.
ودُفن إلى جوار والده الإمام علي الهادي (عليه السلام) في داره بمدينة سامراء، وأصبح مرقدهما يُعرف بمرقد الإمامين العسكريين (عليهما السلام).
وكان للإمام الحسن العسكري (عليه السلام)، بحسب المصادر الإمامية، ولد واحد هو الإمام محمد بن الحسن المهدي المنتظر (عجل الله تعالى فرجه الشريف). وقد نصّ الإمام العسكري على إمامته، ومهّد الأمة لمرحلة غيبته، وبشّر بظهوره ليملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعدما مُلئت ظلماً وجوراً.
وهكذا مضى الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) شهيداً، بعد أن أدّى رسالته في حفظ الدين وصيانة الجماعة المؤمنة، ومواجهة الظلم بالحكمة والصبر والثبات، وتهيئة الأمة لمرحلة جديدة من تاريخ الإمامة.
✦ كتابات في الميزان ✦
تقدّم سيرة الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) صورةً للإمامة الواعية التي واجهت القمع العباسي بالحكمة والصبر وبناء الإنسان. ورغم الحصار والمراقبة، بقي الإمام مرجعاً روحياً وفكرياً، يحفظ العقيدة ويهيّئ الأمة لمرحلة الغيبة. وتكشف وصاياه أن صدق الانتماء إلى أهل البيت لا يُقاس بالشعارات، بل بالورع والأمانة وحسن الخلق ونفع الآخرين.