
لمْ تكنْ المحاماة، كما يتصورها البعض في سنواتِ الدراسة، مهنة هادئة يجلسُ فيها المحامي خلفَ مكتب، يقرأُ الأوراق، ويكتبُ المذكرات، ثمَ ينتظرُ الحكم، فبعدَ سنواتٍ منْ العمل، يكتشفُ المحامي أنَ المهنةَ حياةٌ متحركة، يعيشُ يومه بينَ المحكمةِ ومركزِ الشرطةِ ودائرةِ التنفيذ، وبينَ ملفٍ لا ينتهي، وهاتف لا يهدأ، وموكل ينتظرُ منهُ جوابا يطمئنه.
تبدأُ بعضَ أيامٍ المحامي قبلَ شروقِ الشمس، حيث، يخرجُ مسرعا إلى مركزِ الشرطةِ للاطمئنانِ على موكلٍ موقوفٍ في قضيةِ مشاجرة، بينما تنتظرُ عائلتهُ خبرا يطمئنها. يصلُ إلى المركز، فيجدُ الضابط المناوب غارقا في الملفات، فينتظر، يراجعُ الأوراق، يسألُ عنْ الإجراءات، ثمَ يخرجُ مسرعا إلى المحكمة، حيثُ تنتظرهُ دعوى أخرى، بينَ ازدحامِ شوارعِ بغدادَ وزحامِ المراجعين، يصلُ أحيانا قبلَ دقائقَ منْ النداءِ على الدعوى.
- ليسَ كلّ خصمٍ هادئ:
في إحدى دعاوى العقار، قدْ يتعاملُ أحدُ الخصومِ معَ القضية، وكأنها معركةٌ شخصية؛ فكلما قدمَ المحامي مستندا أوْ وثيقة، اعترضَ بصوتٍ مرتفع، وكلما بدأَ الكلامُ حاولَ مقاطعته، لكنَ المحامي، يعرفُ أنَ الأحكامَ لا تبنى على ارتفاعِ الأصوات، إنما على الأدلةِ والقانون، ولذلكَ يتركُ للصخبِ أنْ ينتهي، ويتركَ للمستندِ أنْ يتحدث. وبعدَ أشهر، يصدرُ الحكم، فيكتشفُ المحامي مرةً أخرى أنَ الهدوءَ في قاعةِ المحكمةِ قدْ يكونُ أقوى منْ الصخب.
ثمَ تبدأُ رحلةٌ أخرى لا تقلُ مشقة:
- مرحلةْ التنفيذ؛
يظنُ بعضُ الموكلينِ أنَ صدورَ الحكمِ القطعيِ يعني أنَ الحقَ أصبحَ في أيديهم، وأنَ المسألةَ لمْ تعدْ سوى ساعات. لكنْ الواقع مختلف؛ فهناكَ معاملة، وتبليغ، ومراجعة، وحسابات، وإجراءات أخرى. وعندما يتصلُ الموكلُ غاضبا: أستاذ، ألم نقل إنَ القضيةَ انتهت؟ يجيبهُ المحامي مبتسما: انتهتْ القضيةُ في المحكمة، أما التنفيذُ فمعركةٌ أخرى. هنا يدركُ المحامي، أنَ الوصولَ إلى الحكمِ ليسَ دائما نهايةَ الطريق، بلْ قدْ يكونُ بدايةْ طريقٍ جديد.
في بعضِ الأيامِ يكونُ الموعدُ معَ محكمةِ التمييز- ملفا ثقيلا، وأوراقا كثيرة، وأسباب تمييزية تحتاجُ إلى مراجعةٍ دقيقة- يقضي المحامي ساعاتٍ طويلةً في قراءةِ الملف، ثمَ يحملُ حقيبته، ويتوجهُ إلى المحكمة.
بينَ الطوابيرِ والزحام، قدْ يتذكرُ أيامَ الدراسة، حينَ كانَ يتصورُ أنَ المحاماةَ مهنةٌ تقومُ على المرافعةِ وحدها، لكنهُ يبتسمُ عندما يجدُ أنَ الملفَ الذي يحملهُ يكادُ يكونُ أثقلَ منْ الحقيبةِ نفسها.
- الموكلُ المستعجل؛
وما إنْ ينتهِ منْ إجراءٍ حتى يرنَ الهاتف: أستاذ، لدينا جلسة بعدَ ساعة، فتبدأُ الرحلة- منْ جديد- . منْ أكثرَ ما يرهقُ المحامي أحيانا ليسَ الملف، ولا المحكمة، بلْ الموكل المستعجل. يدخلُ المكتب، وهوَ مقتنع بأنَ القضيةَ ستنتهي خلالَ أسبوع، مهما كانتْ طبيعتها وتعقيدها. يشرحُ لهُ المحامي أنَ الدعوى تحتاجُ إلى جلساتٍ ومرافعاتٍ وتبليغاتٍ وإجراءاتٍ قانونية، لكنهُ يعودُ بعدَ كلِ جلسةٍ بالسؤالِ نفسه:
متى يصدرُ الحكم؟ تمرُ الأشهر، ثمَ يأتي الحكم، فإذا كانَ لصالحه، ابتسمَ وقال: الآن، فهمتْ لماذا كنتمْ تقولون: إنَ الصبرَ جزءٌ منْ القضية، وأحيانا يصبحُ الصبرَ نفسهُ امتحانا للمحامي، أما الطعام، فهوَ قصة أخرى.
- الصباح المبكر؛
يخرجُ المحامي ذاتَ صباحٍ إلى جلسةٍ مبكرة، ويقولُ لنفسه: سأفطرُ لاحقا، ثمَ ينتقلُ منْ المحكمةِ إلى مركزِ الشرطة، ومنهُ إلى دائرةِ التنفيذ، حتى يجدَ نفسهُ عندَ الخامسةِ مساءً لمْ يتناولْ فطورا، ولا غداء. يجلسُ في مقهى قريب، يتناولُ كوب شايِ وقطعةِ كعك، ويفتحُ ملفّ جلسةِ الغد.
- موعد مؤجل:
في حياةِ المحامي، حتى الطعامِ قدْ يتحولُ إلى موعدٍ مؤجل، قدْ تكونُ القضيةُ كلها معلقةً على شاهدٍ واحد. ينتظرُ الموكلُ حضوره، ويؤكدُ في كلِ مرةٍ أنهُ سيأتي، مرةً يغيبُ بسببِ السفر، وأخرى بسببِ المرض، وثالثة؛ لأنهُ نسيَ موعدَ الجلسة، وبعدَ أشهرٍ يحضرُ أخيرا، ثمَ يقفُ أمامَ القاضي، وينسى نصف ما كانَ يفترضُ أنْ يقوله. عندها يدركُ المحامي، أنَ أصعبَ ما في بعضِ القضايا ليسَ القانون، وإنما البشر، ولا يخلو الأمرُ منْ موكلٍ يعيشُ قضيته ليلاً ونهارا .
قدْ يترافعُ المحامي في دعوى مدنية، فإذا بالهاتفِ يهتزُ باستمرار، وبعدَ انتهاءِ المرافعةِ يجدُ عشراتِ المكالمات منْ موكلٍ واحد، يتصلُ به، فيكتشفُ إنهُ قلق؛ لأنَ المحكمةَ لمْ تتصلْ به، يطمئنهُ المحامي بأنَ الإجراءاتِ تسيرُ بصورةٍ طبيعية، فيضحكُ الموكل، ويقول: أستاذ، القضيةِ جعلتني لا أنام. عندها يعرفُ المحامي، أنهُ لا يحملُ ملفّ موكلهِ فقط، بلْ يحملُ شيئا منْ قلقهِ وخوفهِ وانتظاره.
- الطقسُ والشوارعُ ؛
تضيفُ السماء إلى يومِ المحامي امتحانا آخر، ففي صباحٍ شتويٍ ممطر، أوْ يومَ تموزي محرق، يحملُ المحامي حقيبته المليئة بالملفات، يتوجهُ إلى المحكمة، تزدحمُ الطرق، تتأخرُ السيارات، قدْ يصلُ قبلَ دقائقَ منْ النداءِ على الدعوى، فيدخلُ القاعة، يلتقطُ أنفاسه، ثمَ يبدأُ المرافعة، وكأنَ شيئا لمْ يحدث. هنا يتعلمُ المحامي، أنَ عليهِ أنْ يكونَ مستعدا لكلِ الظروف، إلا أنْ يتأخرَ عنْ موعدِ الجلسة.
- أتعابُ المحاماة؛
منْ أكثرَ المواقف التي يواجهها المحامي، حرجا معَ موكلهِ ليستْ الوقوفُ أمامَ المحكمة، ولا مناقشةْ الخصم، وإنما الحديث عنْ أتعابِ المحاماة، فبعضُ الموكلينِ، يتحدثُ عنْ أتعابِ المحامي، وكأنها أمرٌ ثانويٌ يمكنُ تأجيلهُ إلى ما بعدَ صدورِ الحكم، وكأنَ المحاميَ لا يحتاجُ إلى أجرةِ مكتبه، ولا إلى تنقلاته، ولا إلى وقتهِ وجهده، فينتهي المحامي منْ كتابةِ اللوائحِ وحضورِ الجلساتِ ومراجعةِ الدوائر، ثمَ يبدأُ فصلاً آخرَ منْ القضية: كيفَ يقنعُ موكلهُ بتسديدِ أتعابه؟
أنَ بعضَ الموكلينِ، يكونُ شديد الحرصِ على حقوقهِ أمامَ خصمه، لكنهُ يصبحُ أكثرَ تفاوضا عندما يتعلقُ الأمرُ بحقوقِ محاميه، معَ ذلك، يبقى المحامي مترددا في المطالبةِ بأتعابهِ بصورةٍ مباشرة، حفاظا على علاقتهِ بموكله، حتى يجدَ نفسهُ أحيانا أمامَ قضيةٍ جديدة، عنوانها: تحصيلُ أتعابِ المحاماة!
- العودة الى المكتب؛
معَ غروبِ الشمس، يعودُ المحامي إلى مكتبهِ متعبا، لكنهُ لا يجدُ الراحةَ دائما، على الطاولةِ ملفات جديدة، ورسائل منْ موكلين، ومواعيدَ لجلساتِ الغد، يراجعُ ما أنجزه، ويكتبُ ما عليهِ أنْ يفعله، ثمَ يغلقَ ملفا؛ ليفتحَ آخر، قدْ يبدو يومُ المحامي طويلا، ومتعبا، قدْ تمرُ عليهِ ساعات منْ الانتظارِ والزحامِ والقلقِ والمراجعات، لكنهُ ينسى كلَ ذلكَ عندما يرى موكلاً استعادَ حقا ضاعَ منه، أوْ شخصا خرجَ منْ أزمةٍ قانونية، أوْ أسرة عادتْ إليها الطمأنينةُ بعدَ حكمٍ انتظرتهُ طويلا.
عندها يدركُ المحامي، أنَ المحاماةَ ليستْ أوراقا ومحاكمَ ومرافعاتٍ فحسب؛ إنها مسؤوليةٌ وصبرٌ ومتابعة، وأحيانا رحلة طويلة بينَ الناسِ والقانونِ بحثا عنْ الحق.
في عالمِ المحاماة، لا ينتهي اليومَ عندما يغلقُ المكتب، ولا تنتهي الحكايةُ عندما يصدرُ الحكم، قدْ يبدأُ يوما جديدا منْ يومياتِ محامٍ في المحاكمِ المختلفة، قبلَ أنْ ينتهيَ اليومُ القديم.