شبهات وردود حول النهضة الحسينية / القسم الرابع والثلاثون : هل كانت النهضة الحسينية صراعًا بين بني هاشم وبني أمية ؟

من الشبهات التي تُثار حول الثورة الحسينية أن ما جرى في كربلاء لم يكن ثورةً إصلاحية ذات أبعاد دينية وأخلاقية، وإنما كان امتدادًا للصراع القديم بين بني هاشم وبني أمية؛ فالإمام الحسين (عليه السلام) من بني هاشم، ويزيد من بني أمية، وبالتالي فإن المواجهة ـ بحسب هذه القراءة ـ لم تكن إلا صراعًا على النفوذ والزعامة بين أسرتين قرشيتين.
وتزداد هذه الشبهة عندما يُنظر إلى تاريخ الصراع السياسي الذي سبق كربلاء، فيُقال: ألم تكن هناك خصومة سياسية طويلة بين البيت العلوي والأموي؟ فلماذا لا نضع عاشوراء في إطار هذا الصراع بدل إعطائها بُعدًا دينيًا وأخلاقيًا؟
هذه القراءة، مع أنها تستند إلى وجود صراع سياسي سابق، إلا أنها لا تفسر وحدها موقف الإمام الحسين (عليه السلام)، ولا تنسجم مع طبيعة الخطاب الذي قدمه الإمام ولا مع تنوع أصحابه ومواقفه.
 
أولًا: الإمام نفسه نفى أن يكون خروجه طلبًا للسلطة أو الثأر
 
أهم ما ينبغي الرجوع إليه هو كلام الإمام نفسه.
فقد قال في وصيته:
(إنّي لم أخرج أشِرًا ولا بطرًا، ولا مفسدًا ولا ظالمًا، وإنّما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدّي، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر) (١)
وهذا النص يضع غاية الحركة بصورة مباشرة.
فالإمام لم يقل: خرجت لاسترداد ملك بني هاشم، أو للانتقام من بني أمية، أو لأجل حق عائلي في الحكم.
بل حدد غايته بـ الإصلاح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ومن الناحية المنهجية، عندما تتعارض قراءة تاريخية مع التصريح المباشر لصاحب الموقف، لا يصح تجاهل تصريحه والاعتماد على تفسير خارجي فقط.
 
ثانيًا: لو كانت القضية صراعًا عائليًا، فلماذا شارك غير الهاشميين؟
 
هذه من أقوى النقاط في مواجهة الشبهة.
فأصحاب الإمام الحسين (عليه السلام) لم يكونوا جميعًا من بني هاشم.
كان بينهم أشخاص من قبائل واتجاهات اجتماعية مختلفة، ومن أبرزهم حبيب بن مظاهر الأسدي، ومسلم بن عوسجة الأسدي، وزهير بن القين البجلي، ونافع بن هلال المرادي، وبرير بن خضير الهمداني وغيرهم.
بل إن زهير بن القين لم يكن من بني هاشم، ولم يكن في بداية الأمر متحمسًا للقاء الإمام، ثم اختار الالتحاق به عندما تبين له موقفه (٢).
فإذا كانت القضية مجرد صراع بين أسرتين، فإن وجود هذا التنوع في صف الإمام يحتاج إلى تفسير مختلف.
 
ثالثًا: الإمام لم يجعل الانتماء القبلي معيارًا للانضمام إليه
 
وهذه الحقيقة تظهر بصورة أوضح في ليلة عاشوراء.
فالإمام لم يقل لأصحابه: أنتم من قبائل معينة، وعليكم أن تقاتلوا دفاعًا عن بني هاشم.
بل قال:
(هذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملًا، وليأخذ كل رجل منكم بيد رجل من أهل بيتي، وتفرقوا في سواد هذا الليل) (٣)
ثم أذن لهم بالانصراف.
ولو كانت القضية عصبية قبلية، لكان من غير المنطقي أن يمنح الإمام غير الهاشميين فرصة الانسحاب دون لوم.
لكنه فعل ذلك؛ لأنه كان يريد أن يبقى معه من اختار المبدأ عن قناعة.
 
رابعًا: الإمام لم يقدم القضية بوصفها انتقامًا من بني أمية
 
لو كانت عاشوراء ثأرًا عائليًا، لكان خطاب الإمام قائمًا على المظلومية العائلية وحدها.
لكن خطبه ركزت على مفاهيم عامة، منها:
الحق، والباطل، والعدل، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وإحياء سنة رسول الله (صلى الله عليه وآله).
ومن أشهر كلماته:
(ألا ترون أن الحق لا يُعمل به، وأن الباطل لا يُتناهى عنه.) (٤)
فالإمام لم يقل: (لأن بني أمية ظلموا بني هاشم).
بل جعل معيار المواجهة هو الحق والباطل.
وهذا فارق جوهري بين الثورة المبدئية والثأر القبلي.
 
خامسًا: الإمام لم يعادِ كل من ينتمي إلى بني أمية
 
وهذه نقطة تاريخية مهمة.
لو كان الإمام ينظر إلى بني أمية باعتبارهم كتلة عرقية أو قبلية يجب مواجهتها، لكان موقفه من كل فرد أموي موقفًا واحدًا.
لكن التاريخ يبين أن التعامل مع الأشخاص كان مرتبطًا بمواقفهم وأفعالهم، لا بمجرد نسبهم.
والدليل الأوضح هو الحر بن يزيد الرياحي، الذي كان في البداية قائدًا في جيش السلطة، ثم غيّر موقفه وانضم إلى الإمام الحسين (عليه السلام)، فقبله الإمام ولم يقل له: أنت كنت في صف بني أمية ولا مكان لك معنا.
بل أصبح الحر أحد أبرز شهداء كربلاء (٥).
إذن، معيار الإمام لم يكن النسب القبلي، وإنما الموقف الأخلاقي.
 
سادسًا: هل كان الإمام يريد إعادة الملك إلى بني هاشم؟
 
لو كان هذا هدفه الأساسي، لكان الخطاب المتوقع منه هو المطالبة بملك آل أبي طالب.
لكن النصوص التي نقلتها المصادر لا تقدم هذا باعتباره غاية النهضة.
بل الإمام يقول:
(وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي) (٦)
والإصلاح في أمة الجد يختلف جذريًا عن استعادة ملك الأسرة.
فالمشروع الأول مشروع عام، بينما الثاني مشروع سلطوي خاص.
 
سابعًا: موقف الإمام من السلطة لم يكن قائمًا على مجرد النسب
 
قد يقال: لكن الإمام من أهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله)، ومن الطبيعي أن يرى أن الحكم حق له.
والجواب أن هذا لا يفسر جميع مواقفه.
فالإمام الحسين (عليه السلام) عاش فترة طويلة في ظل حكم معاوية، ولم يشن حربًا عسكرية بهدف انتزاع السلطة منه.
ولو كانت القضية مجرد «حق عائلي في الحكم»، لكان الصدام مع معاوية أمرًا مستمرًا لا ينقطع.
لكن موقف الإمام تغير مع تغير الظروف السياسية بعد وفاة معاوية، وبروز مسألة البيعة ليزيد.
وهذا يؤكد أن القضية مرتبطة بطبيعة الحكم ومشروعيته، لا بمجرد التنافس العائلي.
 
ثامنًا: لماذا كان الإمام يكرر الحديث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟
 
قد يستشهد البعض بكون الإمام كان يذكر نسبه إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) باعتبار ذلك دليلًا على الصراع العائلي.
لكن قراءة خطبه في سياقها تُظهر أن ذكر النسب كان جزءًا من إقامة الحجة على المجتمع.
كان يخاطب جيشًا مسلمًا، ويقول لهم بما معناه: كيف تقاتلون ابن بنت نبيكم؟
فالمقصود ليس «أنا هاشمي وأنتم أمويون»، وإنما:
هل ينسجم سلوككم مع القيم التي جاء بها رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟
ولهذا قال:
(فإن كنتم في شك من هذا القول، أفتشكّون أني ابن بنت نبيكم) (٧)
فالاستدلال بالنسب هنا مرتبط بالمسؤولية الدينية والأخلاقية.
 
تاسعًا: لو كانت المعركة هاشمية ـ أموية، فأين موقع أهل الكوفة؟
 
أهل الكوفة الذين دعوا الإمام لم يكونوا جميعًا من بني هاشم، ولم تكن دعوتهم قائمة على كونهم جزءًا من أسرة النبي (صلى الله عليه وآله).
بل كانوا يتحدثون عن رفض الوضع السياسي القائم، وطلبوا من الإمام أن يقدم إليهم.
وهذا يدل على أن القضية تجاوزت الإطار العائلي منذ بدايتها.
كما أن الإمام عندما استجاب لدعوتهم لم يقدم حركته على أنها «حرب بني هاشم على بني أمية»، وإنما قدمها بوصفها حركة إصلاح.
 
عاشرًا: كربلاء نفسها أسقطت منطق العصبية
 
لو كانت العصبية القبلية هي المحرك الأساسي، لكان المتوقع أن تكون المواقف مبنية على القبيلة والنسب.
لكن ما نراه في كربلاء مختلف.
فالحر، الذي كان في البداية في صف السلطة، انتقل إلى الإمام.
وفي المقابل، كان في جيش عمر بن سعد أشخاص من قبائل مختلفة.
وهذا يكشف أن الموقف السياسي والأخلاقي كان أقوى من الانتماء القبلي في تحديد صفوف الناس.
 
الحادي عشر: خطاب الإمام يتجاوز بني هاشم وبني أمية
 
الإمام الحسين (عليه السلام) لم يجعل كربلاء قضية تخص عصره فقط.
فكلماته تحمل خطابًا عامًا:
(ليرغب المؤمن في لقاء ربه محقًا) (٨)
وهذا خطاب للمؤمن بوصفه مؤمنًا، لا للهاشمي بوصفه هاشميًا.
كما أن قوله:
(إنّي لم أخرج أشِرًا ولا بطرًا... وإنّما خرجت لطلب الإصلاح) 
يكشف أن القضية عنده قضية مبدأ يمكن أن يفهمها كل إنسان، مهما كان نسبه.
 
فإن تفسير النهضة الحسينية بأنها مجرد صراع بين بني هاشم وبني أمية لا يستطيع تفسير عدد من الحقائق الأساسية:
فلو كانت القضية قبلية خالصة:
لماذا أعلن الإمام أن هدفه الإصلاح؟
لماذا شارك معه أشخاص من قبائل غير هاشمية؟
لماذا منح أصحابه حرية الانصراف؟
لماذا قبل الحر بن يزيد عندما غيّر موقفه؟
لماذا ركز في خطبه على الحق والباطل والأمر بالمعروف؟
ولماذا لم يجعل نسب الشخص معيارًا للحكم عليه؟
إن كربلاء لم تكن حربًا بين الهاشميين والأمويين بالمعنى القبلي الضيق، وإنما كانت مواجهة بين موقفين ورؤيتين للسلطة والقيم والمسؤولية الدينية.
ولهذا فإن الإمام الحسين (عليه السلام) لم يختصر القضية في نسبه، بل وضع معيارًا يتجاوز القبيلة والأسرة عندما قال:
(ألا ترون أن الحق لا يُعمل به، وأن الباطل لا يُتناهى عنه) 
وهذه هي النقطة التي تجعل النهضة الحسينية قابلة للفهم خارج إطار الصراع القبلي؛ لأنها لم تكن مطالبة بامتياز لعائلة، وإنما احتجاجًا على تحويل القوة السياسية إلى بديل عن الحق والعدل.
الهوامش
(١) المجلسي، بحار الأنوار، ج٤٤، ص٣٢٩.
(٢) الشيخ المفيد، الإرشاد، ج٢، ص٧٣-٧٤.
(٣) الطبري، تاريخ الأمم والملوك، ج٥، ص٤١٨. 
(٤) الخوارزمي، مقتل الحسين، ج١، ص٢٣١.
(٥)البلاذري، أنساب الأشراف، ج٣، ص١٨٥-١٨٧.
(٦)المجلسي، بحار الأنوار، ج٤٤، ص٣٢٩.
(٧) الطبري، تاريخ الأمم والملوك، ج٥، ص٤٢٦. 
(٨) الشيخ المفيد، الإرشاد، ج٢، ص٧٨؛ الخوارزمي، مقتل الحسين، ج١، ص٢٣١.

الحسين.jpg